العطل المدرسية بين الماضي والحاضر والمستقبل

أذكر جيدا حين كنا نخرج للعطل الصيفية في سنوات الطفولة(سنوات الستينات والسبعينات)، كم كان ذلك حدثا انتظرناه طيلة السنة الدراسية، فرصة الشهرين في الصيف كانت بمثابة فسحة حقيقية لاستعادة النشاط والحيوية والاسترخاء وذلك تحضيرا لاستقبال سنة دراسية جديدة، في أوائل الخريف، نترفع بها إلى صفوف أعلى ونكبر عاما ونفتخر أننا وصلنا لصف أكبر وهذا أقصى ما نتمناه.

في تلك السنوات لم يكن لدينا إمكانيات كثيرة وكبيرة لاستغلال العطلة الصيفية، لم تقم مخيمات (ما ندر) ولا نوادي تأوي الأطفال من حر الصيف وأشعة الشمس الحارقة ومن ثم تفعيلهم في برامج مفيدة ومسلية و مثقفة، كان الأهل هم من يقومون بكل ذلك لتعبئة فراغ الأولاد في العطلة الصيفية، فكانت البرامج المقترحة والإمكانيات المتاحة هي:

- قراءة كتب ومطالعة، مع العلم أنه لم تكن هناك مكتبات عامة فيها كتب أطفال مفيدة ومربية.

- الذهاب إلى برامج سباحة مع العائلة مرة أو مرتين في العطلة، ولم تكن هنالك دورات سباحة منظمة.

- نظرا للظروف المادية الغير متيسرة لم تكن هنالك تخطيطات للخروج رحلة خارج البلاد خاصة في العائلات التي تشمل 4-5 أولاد فالدخل محدود جدا.

- زيارة أقارب مرة أو مرتين في الموسم خاصة إذا سكنوا في مدن فيها بحر مثل حيفا أو عكا، وهذا كان يعد محل فخر واعتزاز بين الأصدقاء في الحي.   

- قضاء معظم النهار في اللهو واللعب في "الحارة" والأراضي التي تحيط في البيوت، التسلق على أشجار التوت والتين وقطف ما تيسر منها، ثم الركض واختراع ألعاب مختلفة نستعمل فيها أغصان الأشجار والحجارة وما نجده صالحا، ونحن البنات كنا نصنع اللعب من خرق القماش والقطن ثم نخيط لها لباسا وفساتين نقتنيها من البيوت، ونلعب لعبة "البيوت" أي العائلة،أم وأب وبنات وأطفال، تلك الألعاب الاجتماعية والتمثيلية التي كانت تترتب بشكل غريزي لدينا مثل سائر الأطفال.

- نخترع مسرحا ونؤلف نصوصا لقصة معينة، ونقوم بتمثيلها بعد أن نتدرب عليها وقضاء ساعات في ذلك، كل ذلك بقدراتنا ودون تدخل أحد.

- نساعد أهلنا في سلق القمح في كل عام وعمل الصابون فتلك كانت مواسم ننتظرها كل سنة وجزء من العطلة،  لأن بها من الألفة والعمل الجماعي، وأجمل ما في موسم سلق القمح هو نشره على السطوح لكي يجف الأمر الذي يتطلب 3-4 أيام، في تلك الأيام ال 4 كنا نقضي الوقت على السطوح لكي نحم القمح من الحمام الزاجل قبل أن يأكله، كنا فزاعات متنقلة، حيث كانت فرصة لنا أن نصعد إلى السطوح والأماكن المرتفعة، الأمر الذي لم يكن متاحا لنا تفاديا للخطر، وفي الموسم كنا نرافق أهلنا للسطوح دون خوف من السقوط.

- في المساء ننتظر بعض برامج التلفزيون لأنه لم تكن هناك محطات وقنوات نستطيع متابعة برامجها الخاصة بالأولاد، نتابع برنامج أو اثنين ونلجأ للسهر على الشرفات للنقاش والتسامر، إما مع العائلة أو الأقارب والجيران الذين كانوا يدعون بعضهم للبيوت لقضاء السهرة.  

مع شحة الموارد والإمكانيات المتاحة ولكنه كان مفرحا وجميلا وترك أثرا في نفوس الأجيال بالألفة والشعور بالأمان والإبداع والتعاون والعطاء وغيرها من قيم تربوية سامية، تركت بصماتها الإيجابية في أجيال كاملة.

واليوم:

تبدأ العطلة الصيفية ويقف الأهل أمام حيرة في أمرهم كيف سيقضي أبناؤهم مدة شهرين من العطلة، خاصة وأن معظم الأهل، الأب والأم يعملون في هذه الفترة، إلا إجازة قصيرة، وعادة ما تكون في الثلث الأخير للعطلة. ماذا نفعل بأولادنا في هذا الوقت وكيف نملأ أوقاتهم وعادة ما يسبب الموضوع قلقا وعدم راحة للأهل ونوع من الفوضى اليومية، فالروتين الذي اعتادوا عليه وكان مريحا لهم ولأولادهم أوقات المدرسة تَشَوّش والسيطرة على المألوف تخربش في العائلة.

وهنا أقدم بعض المقترحات لقضاء وقت مفيد للأولاد والأهل:

- اختيار المخيمات لقضاء شهر إضافي في إطار تربوي مسلٍ ومثقف وآمن، الترتيب لذلك يتم مسبقا قبل بداية العطلة، وذلك لضمان أمكنة وذلك بعد فحص الظروف في المخيم، من أناس قيمين على ذلك ومجموعات مشاركة وغيرها.

- ترتيب فعاليات فنية وأشغال يدوية إبداعية في البيوت من خلال استضافة أطفال والذهاب إلى بيوتهم في عمل مشابه، وهذا يتطلب تنسيق مع أهل مقربين لأولادكم بهدف التعاون معا.

- إشراكهم في دورات مفيدة مثل السباحة أو ركوب الخيل أو غيره من الدورات الهادفة، والتي تنمي أجسادهم وعقولهم وهواياتهم أيضا كالرسم أو النحت أو التصوير وغيره.

- تنسيق مجموعات أولاد للقراءة ومناقشة القصص في مجموعات من نفس الجيل، وهذا يخلق لديهم شعور بالتنافس على حب القراءة والتحليل والنقد أيضا، بالاشتراك مع واحد من الأهل لكي يدير النقاش تكون لديه المقدرة لعمل ذلك.

- تحفيز الأولاد للذهاب لبيوت أجدادهم أو أقارب مسنين وذلك بهدف مساعدتهم في شؤون بيتية أو شراء حاجياتهم من السوق، وهذا بهدف تشجيع التطوع والمساعدة للكبار واحترامهم وزرع قيم إنسانية لديهم يذخرونها للمستقبل.

- إذا وجدت أرض في حيز سكنكم، أطلبوا منهم وحفزوهم للعمل في الأرض للزرع أو ترتيب الحديقة أوسقي المزروعات والاعتناء بالأرض، وذلك لغرس قيم حب الأرض والعمل بها وهذا ينمي لديهم الشعور بالانتماء للأرض، مع الحذر من وجود حشرات صيفية وقوارص.

- لا تدعوا السرير والنوم والاسترخاء لساعات هو الطاغي على عطلتهم، النوم لساعات متأخرة من النهار والنهوض في ساعات العصر والظهيرة، لأن ذلك يخلق لديهم حالة من الترهل والكلل وعدم الرغبة في إعادة نشاطهم إلا ليلا وهذا يسمى قتل للوقت.

- عند التحضير لبرامج لأولادكم اختاروا الأقل تكلفة والأكثر نجاعة وفائدة، وشاركوهم في الأمر وأطلعوهم على أهدافكم الاقتصادية من وراء الاختيار، وعلموهم أن الاقتصاد والتوفير هو جزء من الحياة المستقبلية لهم، والادخار هو ضمان لحياة أفضل، فالتثقيف الاقتصادي والتوعية الاقتصادية هو هدف بحد ذاته، وليس الصرف بدون حدود، وأن كل شيء يرغبونه  ستلبى في الحال دون حساب لتكلفته.

- إلعبوا معهم ألعاب تربوية واجتماعية مختلفة تعلمهم وتثقفهم وتنمي لديهم مهارات إبداعية وتفكيرية وأدائية تساعدهم على إدارة أمور حياتية مهمة.

ما بين الأمس واليوم مساحات تجعلنا نفكر في المستقبل وماذا يمكن أن يكون ويجلب لنا من تطور ومفاهيم وعادات وقيم تتغير وتتبدل بسرعة البرق، فهل سنصل إلى وقت قد يتغير فيها التعليم ونظام المدرسة والعطل أيضا نتيجة الأنظمة الجديدة، هل سيصبح الإطار التعليمي داخل البيت مستقبلا، مما يضطر الأهل لإيجاد بدائل لحضانة أولادهم أثناء مكوثهم في العمل، أم هل تتغير أنظمة العمل وتصبح كلها من خلال البيوت، فكل شيء بات متغيرا فالمألوف اليوم لا يصلح للغد والعكس صحيح، ربما وربما لا أحد يعلم...

سوسن غطاس

 

 

موجهة مجموعات تخصص والدية