الرئيس ترامب... أم الرئيس بانون؟

الرئيس ترامب... أم الرئيس بانون؟

ترجمة خاصة: عرب 48

كان للعديد من الرؤساء مستشارون سياسيّون بارزون، وفي بعض الأحيان، كانت تدور الشكوك حول أنّ بعض المستشارين هم من يضعون السياسات فيما وراء الكواليس (نذكر كارل روف مثلاً، أو ديك موريس لمن تسعفه الذاكرة إلى ذلك الوقت). ولكننا لم نشهد مُعاوِناً سياسيّاً يتحرّك بهذه الوقاحة لتدعيم سلطته مثل ستيف بانون، كما لم نرى شخصاً يقوم بهذه الدرجة من الضرر، وبهذه السرعة، بالمكانة الشعبيّة لمن يُفترض بأن يكون رئيسه.

فقد عمل بانون على شحن موقع 'Breitbart News' ليُصبح منصّة تحريضيّة لبديل اليمين 'alt-right'، وقد فعل الشيء نفسه مع الحملة الانتخابيّة لترامب، وها هو يكرر الأمر ذاته مع البيت الأبيض في رئاسة ترامب. ربما كان هذا متوقّعاً، على الرغم من أنّ السرعة التي تقدّم بها الرئيس ترامب لاستعداء وعزل المكسيكيين (بالإعلان عن أنّه سيجعلهم يدفعون ثمن بناء الجدار الحدودي)، واليهود (عبر تجاهل تجربتهم في الهولوكوست) والمسلمين (بقرار الحظر الأخير)، كانت مثيرة للدهشة. لم يُظهر ترامب أيّ ميل للوصول إلى من هم أبعد من قاعدته الانتخابيّة الأقليّة التي أوصلته إلى الفوز بالانتخابات، ويبدو أنّ بانون، الذي تظهر بصماته في جميع القرارات، حريص على ألا يفعل ترامب ذلك.

ولكن، مع القرارات التنفيذيّة الجديدة، وتسييس قرارات عمليّة الأمن القومي، يبدو أنّ بانون لا يكتفي بدور المؤثّر في ترامب، وإنّما ينصّب نفسه كرئيس فعليّ.

في هذا النظام الجديد، الذي دخل حيّز التنفيذ يوم السبت، خطا ترامب خطوة غير مسبوقة بترشيح بانون لمجلس للأمن القومي، بالإضافة إلى مجموعة أسماء أخرى لوزارات الخارجيّة والدفاع وعدد آخر من المسؤولين. لقد كان جوشوا بولتون آخر من شغل منصب 'كبير موظّفي البيت الأبيض' في عهد جورج دبليو بوش، قلقاً من الخلط بين السياسة والأمن القومي، إلى درجة أنّه منع روف، المستشار السياسي لبوش، من حضور اجتماعات لجنة الأمن القومي. كما إنّ ديفيد أكسلرود، المستشار السياسي للرئيس أوباما، قد شارك في بعض لقاءات مجلس الأمن القومي، ولكنّه لم يكن عضواً دائماً فيه.

(رويترز)

فوق ذلك، عيّن ترامب بانون في 'لجنة المدراء' في مجلس الأمن القومي، والتي تشمل كبار المسؤولين، وتلتقي بشكل دوري مكثّف. في الوقت نفسه، خفّض الرئيس ترامب من رتبة اثنين من كبار مسؤولي مجلس الأمن القومي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وهو المنصب الذي يشغله الجنرال جوزيف دانفورد، ومدير الاستخبارات القوميّة، وهو المنصب الذي تمّ ترشيح دان كوتس، العضو السابق في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ والسفير السابق في ألمانيا، لملئه.

قد يبدو كلّ ما سبق، رسومات بيانيّة بيروقراطيّة مملّة، ولكنّ من يجلس على طاولة مجلس الأمن القومي حين تتناقش الإدارة في قضايا الحرب والسلم يُمكنه أن يُحدث فرقاً كبيراً في القرارات. بإعطاء بانون دوراً رسمياً في صياغة سياسات الأمن القومي، فإنّ ترامب لم يكتفِ فقط بخرق التقاليد المُتعارف عليها وإنّما جازف بتسييس الأمن القومي، أو على الأقل أعطى الانطباع بذلك.

يقول قرار ترامب التنفيذي الجديد إن رئيس هيئة الأركان ومُدير الاستخبارات القوميّة سيحضران لقاءات 'لجنة المدراء' فقط 'عندما تكون القضايا المُناقَشة متعلّقة بمسؤوليتهما أو بخبرتهما'. هل ثمّة نقاش حول الأمن القومي لا يستدعي مشاركة الاستخبارات والجيش؟ إنّ مسؤولي الجيش والاستخبارات هم الذين يقومون بإبلاغ الرئيس بالحقائق الصعبة، حتى لو كانت حقائق لا يرغب في الاستماع إليها.

في الأسبوع الأوّل من فترته الرئاسيّة، أظهر ترامب بوضوح أنّه لا يمتلك أيّ أرضيّة لاتخاذ القرارات في مسائل الأمن القومي، كما أظهر أنه لا يمتلك سوى القليل من الحكمة والدراية في الحكم، خاصّة لدولة كبيرة متنوّعة كأميركا. على ترامب أن يستمع للمسؤولين ذوي الخبرة كالجنرال دانفورد. ولكنّ بانون قد عيّن نفسه، برفقه صهر ترامب، جاريد كوشنر، كمعاونيّ الرئيس الموثوقين، مُبعداً كلّ الأصوات الأخرى التي تمتلك وجهات نظر مختلفة. وها هو الآن، كما يُقال، يُزيح مستشار الأمن القومي، الجنرال المتقاعد مايكل فلين.

لقد تبنّى ترامب منذ مدّة طويلة سياسات بانون، ولكنّه سيكون حكيماً إن أعاد النظر في جعله يُدير البيت الأبيض، وخاصّة بعد الفشل الذريع في الأسبوع الماضي في قرار حظر دخول المسلمين. لقد ساعد بانون في دفع هذه القرار دون استشارة خبراء مجلس الأمن الداخلي، بل ودون إجراء مداولات ونقاشات داخليّة في لجنة الأمن القومي نفسها. إنّ التعديلات اللاحقة على القرار من قبل الإدراة، ورفضه من المحاكم، والغضب الدولي منه، قد جعلت الرئيس يبدو، لا بمظهر القويّ الحاسم، وإنّما بمظهر غير الكفء.

كمرشّح، كان ترامب مديناً بالكثير من التصفيق في المحافل الانتخابيّة لآراء بانون الشوفينيّة. أما الآن، فباستعمال القرارات التنفيذيّة كأسلحة ضدّ الخصوم، فإنّ نفس الأفكار أصبحت سبباً في إبعاد حلفاء الولايات المتحدة وتدمير مؤسسة الرئاسة.

إنّ الرؤساء مخوّلون باختيار مستشاريهم. ولكنّ التشنّجات الأولى في صناعة القرار قد قدّمت لنا الأدلّة الكافية أن ترامب بحاجة إلى مستشارين يستطيعون التفكير بشكل استراتيجي ويُمكنهم التفكير في العواقب البعيدة للقرارات بعيداً عن تأثيراتها اللحظيّة والمباشرة في على الصعيد المحلّي. لنتخيّل أن يواجه الرئيس غداً أزمة مع الصين في بحر الصين الجنوبي أو مع روسيا في أوكرانيا. هل سينظر الرئيس حينها إلى سيد التحريض السياسي، بانون، بميله نحو تفجير الأمور، أو سيجد من حوله مستشارين متزنين وخبراء، كوزير الدفاع جيمس ماتيس والجنرال دانفورد.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018