هل ستتمكن فرنسا من إيقاف المد الشعبوي؟

هل ستتمكن فرنسا من إيقاف المد الشعبوي؟
(أ ف ب)

* تجدر الإشارة إلى أن المقال نشر قبل الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية.


ترجمة خاصة: عرب 48

تقدّم الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة نموذجًا جيدًا عن اضطراب الحياة السياسية في عالم اليوم، فنحن نشهد اضمحلال الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار والأحزاب السياسية المرتبطة بها. وفي المكان المناسب، بدأت تبرز تباينات جديدة بين التيار القومي الشعبي من جهة والتيار الليبرالي التكنوقراطي من جهة أخرى. لقد أصبح نموذج المجتمع، والديمقراطية، الذي هيمن على الغرب بعد نهاية الحرب الباردة موضوعًا للمساءلة.

اتسمت الحياة السياسية في فرنسا خلال العقود الماضية بالاستقرار في عمليّة تداول السلطة بين حزب اليمين المعتدل (المعروف اليوم بالجمهوريين)، والذي يتبنى سياسات تحرير السوق ويحمل القيم الاجتماعية التقليدية، وبين خصومه من اليسار المعتدل (الحزب الاشتراكي)، والذي يبتنى مقولات الرفاه الاجتماعي ويدعو لإعادة توزيع الثروات الاقتصادية. وفي حين يختلف الحزبان في درجة تدخل الدولة في الاقتصاد، إلا أن هناك إجماعًا أساسيًا على نموذج دولة الرفاه بالإضافة لالتزام فرنسا بالاتحاد الأوروبي وتعددية العلاقات الدولة.

لم تعد هذه الأحزاب اليوم إلا مجرد ظلال لكياناتها المؤسِّسة، حيث تشهد معدلات قليلة غير مسبوقة من القبول، لدرجة أن الرئيس الاشتراكي الحالي فرانسوا هولاند، قد قرر عدم إعادة ترشيح نفسه للانتخابات. كما خسر رئيس الوزراء السابق مانويل فالس أمام المرشح المهمَّش بنوا هامون في الانتخابات التمهيدية، والذي نجحت مطالبه المتعلقة بتحديد راتب عام في حشد المؤيدين من أقصى اليسار ضمن القاعدة الشعبية للحزب، ولكن يبدو أن فرصته أضعف في الحصول على تأييد أكبر من قِبَل الجماهير الواسعة من الناخبين.

وبالنسبة للجمهوريين، فقد نجح، في الانتخابات التمهيدية، مرشَّح مهمَّش آخر هو فرانسوا فيون، والذي قدمَّ نسخة متطرفةَ من السياسات التقليدية للحزب. فقد أثبتت اقتراحاته لعمل 'تغييرات صادمة' لسياسات تحرير السوق، مع نزعته الدينية المحافظة والصادمة، جاذبيتها لفئات عديدة من القاعدة الشعبية للحزب، ولكن يبدو أن ذلك يشكل حاجزًا أمام حصوله على دعم الناخبين الأكثر اعتدالًا والذين يحددون من هو الرابح في الانتخابات العامة.

علاوة على ذلك، أصبحت حملة فيون محاطة مؤخرًا بمزاعم حول تعيينه لزوجته كمساعد خفي أثناء عضويته في البرلمان. ومع استمرار تذكير الناس بانتمائه لطبقة سياسية يُنظر لها كطبقة فاسدة ونرجسية، فإن هذه الاتهامات يمكن أن تتحول إلى ضربة قاضية لحملته الانتخابية. ولكن ليس واضحًا الآن من سيترشح بدلًا عنه بعد انقضاء الانتخابات التمهيدية.

في جميع الأحوال، إنه لأمر مثير أن يصبح استبعاد زعماء الحزبين الذين هيمنا على الحياة السياسية سابقًا أمرًا متوقعًا في المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية، إذ لم يستطيعا سويّة جمع نسبة ٣٥٪ من الأصوات في المرحلة الأولى. لقد أصبح الصراع على السلطة في مكان آخر.

المنافس الأساسي الأول هي زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان، والتي تصدَّرت استطلاعات الرأي باستمرار خلال الأشهر الماضية. فبعد انقضاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، شبَّه العديد من المحلِّلين خطاباتها التلقائية واستعلاءها الاجتماعي ونزوعها لإقامة الحواجز الاقتصادية بدونالد ترامب: ونقطة الاختلاف بينهما هي أنها تأمل وتسعى لكي تكون لهذه السمات نتائج إيجابية في عملية الاقتراع؛ ويمكن الإشارة أيضًا إلى أنه رؤيتها السياسية تزاحم الأنماط السياسية السائدة.

يعتبر حزب الجبهة الوطنية حزبًا يمينيًا متطرفًا، وفي حين تستقي لوبان أفكارها الاقتصادية القومية ولغتها المعادية للهجرة من الخطاب اليميني التقليدي، فإنها برزت باعتبارها من أكثر المرشحين المدافعين عن دولة الرفاه وعن مصالح الطبقة العاملة. فعلى سبيل المثال، اقترحت لوبان فرض ضريبة على المستوردات ليتم استخدامها لتقديم معونات مالية لذوي الدخل المحدود، كما وعدت بتطبيق مشروع ضخم لـ 'إعادة تصنيع' الاقتصاد القومي. فيبدو أنه من المتوقع أن تأتي النسبة الأكبر من القاعدة الشعبية الداعمة لها من الفئات التي كان يحتضنها الحزب الاشتراكي سابقًا.

المنافس السياسي الثاني هو إيمانويل ماكرون، وهو مصرفي استثماري سابق في بنك روتشيلد، كما شغر منصب وزير الاقتصاد في حكومة فرانسوا هولاند وذلك قبل استقالته من الحكومة في آب/ أغسطس ٢٠١٦، ليؤسس حركة 'إلى الأمام!' والتي يبدو أنها تتبنى نهجًا وسطيًا 'ليس يمينيًا ولا يساريًا' بل تتبنى 'ليبرالية اجتماعية' في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية.

ساهمت حيوية وديناميكية ماكرون، بالإضافة إلى كونه محبًا لأوروبا وغير معادٍ للهجرة، في جعله محبوبًا وبسرعة من قِبَل عامة الشعب والصحف العالمية، ولكن المقترحات التي قدمها اتسمت بالإبهام والغرابة، ومع عدم وجود رافعة حزبية قوية لتطبيقها، لن يكون واضحًا ما هي الكيفية التي يمكن من خلالها كسب الدعم داخل الأجهزة التشريعية، وبالتالي النجاح في الانتخابات الرئاسية.

حتى الآن، فإن أكثر ما يثير الاستغراب في ماكرون هو قدرته على دمج مطالباته العفويّة التي يستقيها من إبداعه وشبابه مع جدارته المهنية المستمدة من خبرته كمصرفي استثماري بارع. ولكن السؤال الذي يبقى معلقًا هو هل من الممكن الاستمرار بالعمل كمهمَّش ومواجهة الوضع الراهن؟

ستدشن المواجهة القادمة بين لوبان وماكرون في الجولة الثانية عصرًا جديدًا في الحياة السياسية الفرنسية – والأوروبية. وبالرغم من الاختلافات البارزة بينهما، إلا أنّ هناك بعض نقاط التقارب: النقطة الأولى والأساسية هي أن كليهما يدّعي أنه 'ليس يمينيًا ولا يساريًا'؛ وهو شعار ردداه كلاهما وبصراحة للإشارة إلى إنفصالها عن الطبقات السياسية السائدة (وذلك بالرغم من ممارسة لوبان للحياة السياسية لفترة طويلة من حياتها وأن ماركونز كان عضوًا بارزًا في الحكومة).

والنقطة الثانية هي ادعاء كلّ من لوبان وماكرون بأن لهم علاقات مباشرة مع الناخبين، وذلك على اعتبار أن المؤسسات التقليدية التي تشكل وسائط سياسية بين الناخبين والممثلين – كالأحزاب السياسية والإعلام – قد أصبحت بالية. وقد انعكس ذلك على واقع أنهم يعرِّفون أنفسهم باستمرار من خلال انتماءاتهم الحزبية. ورثت مارين لوبان زعامة حزبها من والدها بمنطق وراثي وستخلفها ابنة أخيها فيما بعد. بينما أسس ماكرون حركته الخاصة من خلال شخصيته المؤثرة (وعلاقاته المهنية). وهو ما يعني أنه من الصعب إثارة سؤال 'الديمقراطية الداخلية' ضمن هذه الحالات.

وأخيرًا، فيبدو أن عنصر التقارب الأبرز بين لوبان وماكرون هو الطريقة وصفوا من خلالها الانقسام السياسي الجديد الذي سيستبدل النمط السائد من اليمين واليسار. فمع انطلاق حملتها الانتخابية، قالت لوبان أن مفتاح الصراع السياسي في المستقبل سيكون بين أتباع 'المُعولمين اللامنتمين' من جهة وبين 'الوطنيين' من جهة أخرى. وبالتزامن مع ذلك، عبَّر ماكرون أن حركة 'إلى الأمام!' تقف مع 'التقدم' في مقابل 'النزعة المحافظة' و'الرجعية'.

ما تعنيه لوبان بـ'المُعولمين اللا منتمين' هو شيء قريب مما يقصده ماكرون بـ'التقدم'. وهو نمط من الليبرالية الاقتصادية والاجتماعية التي تكافح للمزيد من الانفتاح في المجتمع: الانفتاح في التجارة والهجرة، بالإضافة للتنوع في المعايير الأخلاقية والدينية المختلفة. وعلى العكس من ذلك تأتي مقولة 'الوطنية' والتي لا تبتعد كثيرًا عن ما عناه ماكرون بـ'المحافظة' و'الرجعية': وهو نمط من 'الحمائية' الاجتماعية والاقتصادية التي تعتبر 'الخارج' مهددًا للصناعة المحلية والوظائف، بل ومهددًا للهوية الوطنية والدينية والثقافية.

لقد أصبح النموذج الاجتماعي والاقتصادي الذي هيمن على الغرب منذ نهاية الحرب الباردة موضوعًا للمساءلة الآن، وبشكل خاص في مسألة المراهنة على فائدة الانفتاح وإمكانيته في تعويض الخسائر في الآليات المؤسسة للحماية الاجتماعية والاقتصادية. وكما أظهر العالم الساسي هانسبيتر كريسي مؤخرًا، فإن هذه المراهنة – مراهنة العولمة – تؤدي لوجود 'فائزين' و'خاسرين'.

هذا يعني أن هناك صراعًا حقيقيًا في المصالح يتخفى وراء الجدل المعاصر بين القوميين الشعبيين من جهة والوطنيين التكنوقراط من جهة أخرى. ولأجل تجنب تحوّل هذا الصراع إلى معركة صفرية تهتك نسيج الديمقراطية في المجتمعات الغربية، فإنه ينبغي وبسرعة إيجاد طرق جديدة لمد الجسور بين الانشقاقات الاجتماعية التي ولَّدتها العولمة، إما من خلال جعل عملية الانفتاح أكثر شمولًا، أو بتقليل قيود التدابير الحمائية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018