ألعاب الفيديو والسياسة

ألعاب الفيديو والسياسة
توضيحية (أ ب)

في ما يلي ترجمةٌ بتصرُّف خاصّة بـ"عرب 48"


شهدت الأيام الأخيرة من تشرين الأول/ نوفمبر الماضي، إطلاقَ أضخم لعبة فيديو على الإطلاق، "read Dead Redemption 2" والتي حققت 725 مليون دولار في نهاية الأسبوع التي أُصدرت فيه فقط، لتُصبح في المرتبة الثانية بعد لعبة " Grand Theft Auto 5"، من حيث أرباحها الأولية.

لكن الإثارة التي تسببت بها اللعبة الجديدة، كانت مشوبة بتفاخر مخرجها، دان هاوزر، الذي أوضح أن اللعبة تطلبت منه عملا استمر لأسابيع، بواقع 100 ساعة عملٍ أسبوعيا من أجل إطلاقها. ولفتت تصريحات مدير شركة إنتاج الألعاب المحوسبة الأميركية "روكستار غيمز"، الأنظار إلى "ثقافة السحق" التي تنتهجها الشركات بهذا المجال، والتي تتضمن ممارسة الضغط الروتيني على الموظفين للعمل لساعات إضافية مُدمرة لأسابيع طويلة. ووفقًا لما قالته الناقدة لصحيفة "ذي غارديان" البريطانية، كيزا ماكدونالد، فإن مثل هذه الظروف تعتبر وباءًا في صناعة ألعاب "تمنح الأولوية لساعات طويلة على حساب رفاهية الموظف".

ويتزايدُ الإدراك اليوم، حول هذه الصناعة التي تنطوي على استغلال عنيف للقوى العاملة، والذي يتوازى مع إحباط آخر، وهو الخطاب السياسي الذي تتضمنه ألعاب الفيديو.

وانتقد أكثر من ناقد في هذا المجال، استخدام الألعاب لما وصفوه بالسياسة "المتوسطة" أو "المبلبلة والفاترة" التي يُجبَر اللاعب على احتمالها في معظم الألعاب ذات الميزانيات الضخمة. وحتى عندما لا يكون المضمون السياسي للعبة ما، رجعيًّا تماما، فإنه مملٌّ على أقل تقدير.

مع ذلك، فإن الكتاب فشلوا في تمييز الترابُط بين المشكلتين المتناميتين، فتعود أسباب صياغة السياسات المتناولة في ألعاب الفيديو والتي تتسم إما بالرجعية أو ببث محتوى مُسكِّن على أحسن تقدير، إلى الظروف السيئة التي يخضع إليها عمال المجال بشكل عام.

وغالبا ما تكون الألعاب ضخمة الإنتاج، ممتعة جدا، لكنها تعاني من خيال سياسي ضيّق وواهن، فهي مبنية ومسوقة على هذا الأساس لتعكس آمال ومخاوف عصرنا، ويتم إنتاجها في بيئة عُمالية يُميزها العمل لساعات مكثفة تحت قمع عرقي وجندري، وتتمركز الثروة والسيطرة في هذا السوق، بأيدي بعض التكتلات الإعلامية العملاقة.

إن الخطاب السياسي الباهت الذي تتناوله صناعة ألعاب الفيديو هو نتاج حقائق ظروف العمل، والثورة السياسية التي يقترحها الناقد آلفي براون، لن تتحقق على أرض الواقع ما لم نُعالج الاستغلال المبنية عليه.

الربح والعقاب

قدّم الانهيار الاقتصادي عام 2008، لحظة مفصلية في السياسات العالمية، ما دفع الكثير من أشكال الفن للتوجه إلى العامة بطريقة تحترم العقول في واقع اضطراب عالمي جديد، لكن هذا لم يحصل في عالم ألعاب الفيديو رغم المحاولات الكثيرة لتطبيق ذلك.

ويُمكن أن نرى بعض هذه المحاولات بألعاب مثل "Detroit" التي استلهمت قصّتها من حركة "حياة السود مهمة" الأميركية، حيث قدّمت للاعبين نزوة اختبار قيادة حملات حقوق مدنية ناجحة، كما ساهمت كل من "Far cry 5" و "Wolfenstein"، بخلق واقع مُتخيَّل للاعبين، يستند إلى فكرة الانتقام من النازية ورجال الميليشيات الرجعية.

أما غالبية الألعاب الأخرى، تنتهج تبرير عنف الحكومة الأميركية بطرق درامية، ففي لعبة Ghost Recon Wildlands مثلا، يكمن دور الشخصية الرئيسية المتمثلة بأحد عملاء الولايات المتحدة، بتدمير دائرة من تجار المخدرات في أميركا اللاتينية، ما يُشير إلى"ضرورة" التدخل العسكري الأميركي لحل مشاكل العالم.

وفي "The Division 2"، تدور أحداث اللعبة حول "الأبطال" الذين يقتلون مجموعات "الرعاع" التي تنتشر بعد انهيار النظام العالمي، بهدف إعادة النظام. ونجد هذا الاستغلال أيضا في شخصية عالمية كـ"الرجل العنكبوت"، بهدف إرساء مضامين مشابهة، عن طريق صياغة لعبة يعمل فيها كمساعد لشرطة نيويورك في القبض على المجرمين بطريقة عنيفة.

وفي الحالات التي تحاول فيها ألعاب الفيديو، محاكاة مخاوف اللحظة في واقعنا، تأتي شروط إنتاجها لتحد من خيالها السياسي، ويتم إصدار غالبية الألعاب ذات الميزانيات الضخمة، على يد قلّة من شركات النشر والاستثمار الثرية. وكما يسود في صناعات كثيرة أخرى، تتكتل الثروة والقوة في أيدي قلائل في هذه الصناعة.

وجل ما تكترث به الشركات، هو التدفق المستمر للأرباح، وهي تجني مليارات الدولارات بالفعل. وهي ناجحة في الإبقاء على الأمر الواقع، لذا فإنه من غير المُحتَمل أن تروي بنفسها قصّة سياسية تُخرجها عن مسار الربح هذا.

ورغم تركيز هذا المقال على عمالقة هذه الصناعة، إلا أن الألعاب التي تعتمد على مصادر تمويل مستقلة، تواجه ضغوطات مختلفة لكنها متعلقة بمتغيرات هذا السوق أيضا.

وتتضاعف هذه الضغوطات خصوصا مع التكلفة الباهظة لهذه الألعاب والوقت الطويل الذي يستغرقه إنتاجها. فإطلاق لعبة ضخمة يحتاج إلى سنوات من العمل المضني، وقد يُكلف القائمين على المشروع ما بين 10 مليون دولار وحتى 100 مليون دولار، في عملية التصميم والبناء والتسويق، وهناك بعض الألعاب التي فاقت تكلفتها ذلك بكثير.

وتنعكس هذه الصعوبات التي يخضع لها المطورون، في الصورة الغريبة التي نُشاهدها بألعاب تدعي محاربتها لآفة اجتماعية ما، لكن دون فحوى حقيقية، فتروج لعبة Detroit مثلا، للمطالبة بالحقوق المدنية، دون مضمون سياسي. وكلما كان المضمون السياسي الذي تتناوله اللعبة أكثر غموضا، كلما قلّت الروادع أمام المستهلكين لشرائها.

وساهم هذا التحفظ باتخاذ مواقف سياسية واضحة، بازدهار أكثر العناصر رجعيّة في هذه الصناعة. فيحرص ناشرو ألعاب الفيديو على عدم القيام بأي خطوة تخلخل النظام الديمغرافي السائد.

وعندما خاضت جيسيكا برايس، إحدى الموظفات في شركة "أرينا نت"، نقاشا بصفحتها الخاصة في موقع "تويتر"، مع أحد معجبي لعبة أنتجتها شركتها، حول مضمونها الذكوري، قامت الشركة بفصلها وفصل موظفة أخرى دافعت عن رأي زميلتها. وأتى ذلك بعد أن تفاعلت برايس مع ثقافة منتشرة تتضمن استخفاف الذكور بالمُطوِّرات كونهن نساء، وبدل أن تدعمها الشركة في ذلك، انصاع مديرها للضغط الكاره للنساء الذي مارسه المستهلك.

الرُّضوخ للرد

توجه قضية طرد الموظفة أنظارنا، إلى مشكلة أساسية أخرى في عالم ألعاب الفيديو، فيخضع عمال هذه الصناعة، لشروط عمل غير إنسانية ومهينة. وبالإضافة إلى تحول ساعات العمل الطويلة لسمة "طبيعية" تُميّز المجال، تتعرض الموظفات (النساء) إلى بيئة من عدم الاحترام يتخللها التحرش جنسي والنكات العنصرية المستفزة.

وبالتالي، فإن الرواية الجندرية المتناولة في ألعاب الفيديو، لا تحيد عن الأدوار الجندرية اليومية. وفي Detroit" على سبيل المثال، تتعرض البطلة للتنكيل بشكل متكرر، ويتم التعامل معها كأداة بلاغية أكثر من كونها شخصية إنسانية.

واستخدمت شركات ألعاب الفيديو، التمثيل الجندري فارغ المضمون، والعنف المَرَضي، كأساس لألعابها على مدار سنوات طويلة، وفي أيامها الأولى، صممت شركة Atari ألعابًا حربية بخدمة الولايات المتحدة. ونجح تحفيز اللاعبين على إطلاق النيران على تفاصيل كثيرة داخل شاشة الحاسوب، ببيع ألعاب كثيرة على مر السنين.

لكن هذا لا يعني أن الصناعة لن تُنتِج أي لعبة تتناول قضايا سياسية مثيرة للاهتمام، فحتى استوديوهات "هوليوود"، التي تتشابه مع صناعة ألعاب الفيديو بالكثير من شروط العمل السيئة، أنتجت بعض الأعمال الجيدة.

وفي المحصلة، فإن واقع العمل والاستهلاك في هذا السوق، يُقلِّل من احتمالات إنتاج ألعاب كهذه، فتُسيطر على السوق بعض شركات النشر العملاقة، التي تحقق أرباحا أكثر باستغلال موظفيها. لذا تُصبح النتيجة المستخلصة ثنائية، فتتردد الشركات في إدخال تجارب سياسية حقيقية، خصوصا اليسارية منها، ويتعرض الموظفون إلى خطر الطرد من العمل، في حال مطالبتهم بتحسين مضمون الألعاب أو انتقادهم لبيئة العمل. وإن استمرار الوضع الحالي بالتعاظم، يعني أننا نستطيع أن نتوقع السياسة السطحية الضيقة التي ستتناولها الألعاب المستقبلية.

ليس هناك ضرورة لاستمرار هذه الآفات

يخشى منتجو الألعاب من استجابة بعض شرائح المستهلكين، لخطوات طفيفة في تقديم نمط سياسي تقدمي في الألعاب، فهم على استعداد تام للمغازلة السياسية في ألعابهم وطرق ترويجها، على أمل الاتساق مع اللحظة الراهنة بما يكفي لإثارة الاهتمام. ولكن نادرا ما تتضمن هذه السياسة والقصص أي معنى في المنتج النهائي.

وبدأ مطورو الألعاب بالإضافة لصحافيين وشرائح واسعة من المستهلكين؛ ملاحظة هذه المشكلة في إنتاج ألعاب الفيديو، التي باتت براعتها الفنية مقودة بالخط السياسي اليميني المحافظ المسيطر عليها.

يستحق اللاعبون أن يتلقوا سياسة تشبع عقولهم، ويستطيع الوسيط أن يقدم ذلك، لكنه من غير المحتمل أن يفعل ذلك ما لم يتغير مشهد الأدوات المستخدمة في إنتاج ألعاب الفيديو وبالبيئة التي تخضع لها حاليا.

لا يمكن لألعاب الفيديو أن تكون نقية وأن تتجنب المواضيع السياسية، وكما يسود في الثقافة بشكل عام، فهي تحمل علامات العالم الذي نعيش فيه.

كاتبا المقال:  LAURA BARTKOWIAK /BRIAN J. SULLIVAN