ثورة الرأسمالية القادمة

ثورة الرأسمالية القادمة
الرأسمالية لا تعمل (أ ف ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف خاصّة بـ"عرب 48":


عانت الرأسمالية، خلال العقد الأخير، من عدّة ضربات كبيرة نالت من سمعتها، فقد تعمق الإحساس بأن النظام (الرأسماليّ) مبني بطريقة مزوّرة، بهدف خدمة أصحاب رأس المال على حساب العمال. وأظهر استطلاع للرأي أٌجري عام 2016، بأن أكثر من نصف الأميركيين اليافعين لا يدعمون الرأسمالية.

إن انعدام الثقة بالنظام الرأسمالي أمرٌ خطير، لكنه مُبرّر، فالرأسمالية بشكلها الحالي ترزح في مشكلة كبيرة، لكنها ليست تلك التي يتحدث عنها الحمائيّون والشعبويّون. فقد أصبحت الحياة بالنسبة لبعض شركات الاقتصاد القديم مريحة أكثر مما يجب، إلا أن الشركات التكنولوجية في الاقتصاد الجديد حصلت على قوّة سوقية كبيرة بشكل سريع.

يحتاج النظام إلى ثورة بالتأكيد، ثورة تستطيع إطلاق العنان للمنافسة، وتؤدي لانخفاض الأرباح الهائلة غير الطبيعية في الوقت الحالي، وتضمن ازدهار الابتكار في المستقبل.

عملت الدول في السابق، على زيادة التنافس في الأسواق، وفي بداية القرن العشرين، حطّمت الولايات المتحدة الاحتكارات في قطاعي الطاقة والسكك الحديدية، وبعد الحرب العالمية الثانية، وضعت ألمانيا الغربية موضوع خلق أسواق تنافسية في لب مشروعها لبناء الدولة.

 وكان لإنشاء السوق الأوروبية الموحدة، وهو المشروع الذي قادته رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، مارغريت ثاتشر، الفضل في فتح الأسواق المحلية القديمة أمام الشركات الأجنبية الديناميكية، بينما عزز رونالد ريغان المنافسة في الاقتصاد الأميركي.

ونحتاج إلى تحول مشابه اليوم. منذ العام 1997، ارتفعت نسبة المركزية في الصناعات الأميركية إلى الثلثين، ويتكون عُشر الاقتصاد من صناعات تُسيطر أربع شركات على ثلثيها. وفي حين أنه يتوقع من الاقتصاد الصحي أن يُخفض الأرباح، فإن التدفق النقدي الحر للشركات يزيد بـ76 في المئة عن معدلاتها على مدار 50 عاما، مقارنة بمتوسط الناتج المحلي الإجمالي.

ويتشابه المسار الاقتصادي في أوروبا مع نظيره الأميركي، حتى وإن كان أقل تطرفًا. فارتفع متوسط حصة السوق لأكبر أربع شركات في كل صناعة بمقدار ثلاث درجات مئوية منذ عام 2000. وفي كلتي القارتين، أصبحت الشركات المسيطرة عصيّةً على الطرد.

وترفض هذه الشركات الاعتراف بأن حياتها سهلة، فيدعي القائمون عليها أن الأسواق الموحدة هي الأكثر شيوعًا محليا، لكن العولمة تحتفظ بقدرتها على إشعال المنافسة. مع ذلك، فإن الصناعات الأقل تعرضا للتجارة، تجني الشركات أرباحا مهولة. وبحسب حسابات مجلة "ذي إكونوميست"، فإن تجمّع الأرباح غير الطبيعية يبلغ نحو 660 مليار دولار، ثلثاه في الولايات المتحدة وثلث ذلك تجنيه الشركات التكنولوجية.

وهم الشركات الصديقة

ليست جميع هذه الخروقات واضحة، فتقدم "جوجل" و"فيسبوك" خدامتهما بدون أي تكلفة مباشرة على المستهلكين. لكن من خلال قبضتهما على الإعلانات، يقومان بشكل غير ملحوظ برفع تكاليف الشركات الأخرى. وتختبئ بعض شركات الاقتصاد القديم ذات التكلفة المرتفعة والأرباح الهائلة، تحت سطح التجارة: بطاقات الائتمان، وتوزيع الأدوية، وفحص الائتمان. وعندما يتعامل جمهور المستهلكين مع القلة المحتكرة بشكل مباشر أكثر، تُصبح المشلكة أكثر وضوحا.

تفرض شركات الطيران الأميركية المحمية تكلفة أعلى من نظيراتها الأوروبيات وتُقدم خدمة أسوأ. وتشتهر شركات الكابل التلفزيونية بصيتها السيئ بسبب أسعارها المرتفعة، حيث يُقدَّر أن مستهلك التلفزيون العادي في الولايات المتحدة يدفع اليوم أكثر بـ44 في المائة مما كان يدفعه عام 2011، لقاء الخدمة ذاتها. وفي بعض الحالات، فُتح المجال أمام المنافسين الجدد مثل "نتفليكس" بسبب الاستياء الشعبي، لكن هذا لا يحدث في غالبية الأحيان. وتشير حركة الأسهم في البورصة إلى أن الشركات الجديدة التي يُفترض بأنها "صديقة للمستهلك"، مثل "نتفليكس" و"أمازون"، ستتحول إلى احتكارات أيضا.

أزمات القوة السوقية الحديثة

يساعد ارتفاع القوة السوقية في حل العديد من الألغاز الاقتصادية، فعلى الرغم من انخفاض أسعار الفائدة، لم تعد الشركات استثمار سوى أجزاء صغيرة من أرباحها الطائلة. وقد يعود ذلك إلى أن الحواجز الموضوعة أمام اللاعبين الجدد، تمنعهم من دخول الأسواق، حتى وإن كانوا عبارة عن شركات ممولة جيدا.

ويُمكن رؤية لغز ثان في انخفاض حصة العمال من النتاج المحلي الإجمالي بشكل تدريجي منذ بداية الألفية، خصوصًا في الولايات المتحدة، وربّما مكّنت الأسعار الاحتكارية، الشركات القوية من التأثير على القوة الشرائية للمستهلكين، لكن معدل الأرباح من العمل انخفض بشكل أسرع في الصناعات التي تنامت المركزية فيها.

أما اللغز الأخير، فهو أن عدد الوافدين الجدد آخذ في الانخفاض وأن النمو الإنتاجي ضعيف. ويمكن تفسير ذلك، أيضًا، بعدم وجود ضغوط تنافسية للابتكار.

يرى البعض أن الحل للقضاء على تجاوزات رأس المال يكمن في تعزيز العمالة (سوق العمل). وتريد إليزابيث وارن، وهي سياسية أميركية قد ترشح نفسها للرئاسة في الدورة القادمة، أن تضعَ المزيد من العمال في مجالس الإدارة. ووعد الحزب العمالي البريطاني، بفرض شراكة إجبارية للعمال في الملكية (ملكية الشركات). ويطمح معظم اليساريين إلى تنشيط القوة المتساقطة للنقابات.

هناك دور للنقابات التجارية في الاقتصاد الحديث، لكن يجب تجنب العودة إلى نموذج الرأسمالية الخاص بستينيات القرن الماضي، والذي جنت فيه قلّة محتكرة أرباحا ضخمة مع تقديم أجورٍ منخفضة للعمال مصحوبة بالخوف الدائم من الإضرابات.    

إن تحمل الأرباح غير الطبيعية طالما توُزع بطريقة تُرضي هؤلاء الذين يمتلكون القوة، هي وصفة لتفضيل المقربين. وهناك احتمال بأن ينجح المقربون (أنظروا إلى الفجوة بين العمال المدللين، أي العاملين في شركات محميّة، وبين غير المدللين في إيطاليا)، لكن الاقتصاد المركب من الموظفين الذين يمتلكون وظائف محمية، سوف يؤدي في النهاية إلى انهيار في الابتكار مما سوف يتسبب بركود مستويات المعيشة.

أفسحوا المجال أمام دخول اللاعبين الجدد

يُفضل التخلص من اقتصاد الريع. ويجب مهاجمة القوة الاقتصادية المفرطة بثلاثة طرق. الأولى، الاقتصاد المبني على المعلومات والملكية الفكرية يجب أن يُستخدم لخلق الابتكارات، وليس لحماية أصحاب وظائف معينة. وهذا يعني تحرير المستخدمين الأفراد من الخدمات التكنولوجية بطريقة تسمح لهم بتلقي معلوماتهم من مصادر أخرى. ويشمل ذلك، أيضًا، أن تسمح منصات الإنترنت الكبرى للشركات المتنافسة، باستخدام قدرٍ أكبر من البيانات المجهولة. وينبغي أن تكون براءات الاختراع أكثر ندرة وأن تمتد لفترات أقصر وأن تُسهّل عملية تحديها في النظام القضائي.

الطريقة الثانية، يجب على الحكومات أن تزيل عوائق الدخول إلى الأسواق، كالبنود غير التنافسية، والتراخيص العملية والتشريعات المُعقدة التي كُتبت على أيدي مجموعات ضغط تجارية. فيحتاج أكثر من 20 في المئة من الأميركيين، اليوم، إلى تراخيص لمزاولة مهنهم المختلفة، وذلك بالمقارنة مع 5 في المئة فقط في خمسينيات القرن الماضي.

أما الطريقة الثالثة والأخيرة، فهي وجوب كتابة قوانين مكافحة للاحتكار بما يتطلبه القرن الواحد والعشرين. ليس هناك أي خطأ في رغبة المشرعين بزيادة رفاهية المستهلك، لكن يجب أن يولوا اهتماما أكبر إلى مدى صحية المنافسة في الأسواق ولعائدات رأس المال. وذلك يتطلب منح المشرّعين الأميركيين قوّة أكبر، كما تفعل بريطانيا، للتحقيق في الأسواق العاجزة.

ويجب فرض عوائق أكبر أمام الشركات التكنولوجية الكبرى الراغبة بإزالة احتمال تنافسها مع شركات أخرى في المدى الطويل، كما فعلت "فيسبوك" عندما استحوذت على "إنستغرام" عام 2012 و"واتساب" عام 2014.

لن تقوم هذه التغييرات بحل جميع معضلات النظام الرأسمالي، لكن في حال نجاحها بتخفيض الأرباح إلى مستويات طبيعية تاريخية، ويستفيد عمال القطاع الخاص من ذلك، فإن الأجر المحقّق سوف يرتفع بنسبة 6 في المئة. وسيحظى المستهلكون بخيارات أوسع، وسوف تزداد الإنتاجية. ربما لا يوقف هذا ارتفاع الشعبوية، لكن الثورة في التنافس سوف تُعيد ثقة الناس بالرأسمالية.