مذبحة نيوزيلاندا هي النتاج الطبيعي لوصف المهاجرين بـ"الغزاة"

مذبحة نيوزيلاندا هي النتاج الطبيعي لوصف المهاجرين بـ"الغزاة"
(امرأة مسلمة في النرويج)

في ما يلي ترجمة خاصّة بتصرّف لـ"عرب ٤٨": 


أراد مرتكب المجزرة الجماعية التي راح ضحيتها 50 شخصا، بين بالغ وطفل، في مسجدين في نيوزيلندا يوم الجمعة 15 آذار/ مارس الجاري، برنتون تارانت، أن يطلعنا على الأسباب التي دفعته لارتكاب ذلك، حيث حرص قبل بثه الحي للمجزرة التي ارتكبها بحق المصلين المسلمين، على تأليف وثيقة مطولة تتفاخر بالدعوى إلى قتل الأبرياء باسم الطهارة العرقية. وكما هو متوقع، فإن البيان مدعاة للقلق. فهو من تأليف شخص عدميّ يرى العالم مكانا كئيبا وميؤوسا منه، ولا يمكن تحسينه إلا بارتكاب مجازر جماعية. لكن أكثر كلمة استوقفتني في البيان، كانت توصيف "الغزاة".

لقد كانت كلمات تارانت واضحة ومألوفة، فإن وصفه للمهاجرين بـ"الغزاة"، يتردد بتعبيرات أخرى موجودة في خطابات رئيس الولايات المتحدة وزعماء اليمين المتطرف في جميع أنحاء أوروبا. ولذا، فإنه من الخطأ تجاهل هذا التوصيف باعتباره محض هذيان غير مترابط، صادر عن رجل مجنون.

كان من الصعب علي قراءة بيانه، فشعرت أنني كنت بحاجة إلى تحليل كل كلمة بإسهاب، لكن لكوني مواطن غربي ذو بشرة غير بيضاء، ومسلم أيضا، فأن معياره لـ"الغزاة" ينطبق علي أيضا. 

لقد انتشرت دعوات لتجاهل بيان تارانت، ورغم وضوح منبعها، إلا أنه من السخف الاعتقاد بأن تجاهل أشخاص مثله، سوف يساهم في إخفاء مطالبهم. وبعد قراءتي لبيانه، لا بد لي أن أؤكد على أن المشاعر التي يُعبر عنها، باتت تتزايد في أذهان آخرين.

وترتكز الوثيقة على فرضية أساسية تعرف باسم نظرية "الاستبدال العظيم"، وتعني أن الأشخاص غير البيض الذين يعيشون في الدول الغربية هم عبارة عن أجانب أوكلت لهم مهمة نهب واستبدال سكان أوروبا وأميركا الشمالية. أي أن تارانت يرى في المهاجرين الذين يحاولون بناء عائلاتهم وإعالتها في بيئة مسالمة، مجرد "غزاة" غير مسلحين، عازمون على احتلال وطنه المتأصل عرقيا. والعالم بحسب مفاهيمه، لا يحتوي على أفراد، بل جماهير تنقسم إلى مجموعتين، "نحن" و"هم، بحيث يجب إبعاد المجموعة الأخرى بأي ثمن، ويُشرعن أيضا قتل أطفال هؤلاء كآلية رادعة.

ولكل من يتساءل عن البيئة التي دفعت تارانت إلى التطرف، فإن الجواب واضح وضوح الشمس، إنه بسياساتنا وإعلامانا، حيث تتم عملية تشويه مستمرة للأقليات، سواء كانت مسلمة أم لم تكن كذلك. ووصلت معتقدات تارنات إلى حد التطبيق العملي العنيف، والذي أعتقد بشكل شخصي، أن الكثير ممن يشاركونه عقائده، سوف يجدون صعوبة في تحمل هذا العنف. لكن ادعاءاته حول الارتفاع "الكارثي" لنسب ولادة المهاجرين "الغزاة" وتدفقهم إلى الغرب، أصبحت مزاعم عادية في وقتنا. فمثل هذه الخطابات تساهم في إنعاش سياسات دونالد ترامب، الذي أعاد إحياء ردود أفعال ضد "الغزاة" استنبطها من القرون الوسطى، متعهدا باحتوائهم وراء جدار عملاق (على الحدود مع المكسيك). كما أن تصريحات مؤيدين للرئيس الأميركي، الذين يتبنون علانية نفس نظرية "الاستبدال العظيم"، تساهم في هذا التطرف أيضا.

وتنبعث هذه الآراء المرتبطة بفكرة "التلوث الأجنبي"، من أفواه وأقلام بعض الشخصيات المحسوبة على التيار الليبرالي أيضا. ففي عام 2006، كتب المؤلف المؤمن بـ"الإلحاد الجديد"، سام هاريس، مقالا زعم فيه أن المسلمين سوف يُصبحون أغلبية في فرنسا خلال 25 عاما، حتى وإن توقفت هجرتهم إليها. وادعى أن هذا التحول الديموغرافي الذي يفترض أنه سيطرأ على المكان، سوف يغيّر أيضا الطابع الديمقراطي لفرنسا، وهذا دون أن يرى هاريس أنه بحاجة إلى تدعيم توقعاته الساذجة بأي دليل.

وفي هذا السياق أيضا، يبدو بيان تارانت نسخة مختصرة وأكثر عنفا، لكتاب المؤلف البريطاني، دوغلاس موريي، الذي أصدره عام 2017 بعنوان "موت أوروبا" وزعم من خلاله أن الهجرة دمرت المجتمعات الأوروبية.

باختصار، تعكس كتابات تارانت رؤية عالمية لا تقتصر على بعض زوايا الإنترنت المظلمة، بل يُعبَر عنها على منصات إعلامية وسياسية غربية بشكل صريح. وتصبح جريمته نتيجة منطقية لبدعة "موت أوروبا" وغيرها من البدع المشابهة، التي تروج لها شخصيات بارزة في أنحاء العالم.

عاطفة عنصرية مبنية على جهل

كتب تارانت في بيانه أن "نقطة الانكسار" التي دفعته لتنفيذ المجزرة، كانت عندما تجول في أنحاء فرنسا، حيث تفاجأ بالعدد الكبير لـ"الغزاة" ذوي الوجوه السوداء والبنية، الذين صادفهم في كل مدينة. واستنادا إلى ما كتب، فيبدو أن تارانت لم يأخذ بعين الاعتبار أن معظم هؤلاء لم يكونوا أجانب، بل أبناء عائلات تعيش في فرنسا منذ عدّة أجيال. وهم أشخاص لا وطن لديهم سوى هذه البلاد.

وذكر تارانت أنه انفعل جدا عندما رأى مقبرة عسكرية، والتي يعتبرها مكانا يرقد فيه جيل فرنسي سابق كان قد حارب "الغزاة". ويبدو أنه لم يخطر له أن الجيش الفرنسي الحر في حقبة الحرب العالمية الثانية، الذي حرر فرنسا من النازيين، تشكل بمعظمه من الجنود السود وأبناء شمال أفريقيا الذين كانوا يخضعون للاستعمار الفرنسي. وتسببت رؤيته للأشخاص الذين ينحدرون من نسل هؤلاء المقاتلين، بحزن شديد لهذا السائح الأسترالي، لدرجة أنه "انفجر بالبكاء، باكيا بمفرده في السيارة"، بحسب ما ذكر في بيانه.

وعندما نضع الهجمة الإرهابية في نيوزيلندا نصب أعيننا، من المهم أن نعي أن المسلمين هدف سهل للعنف العنصري، فهم أقلية لا تحظى بشعبية في الدول الغربية. ويتعاطف بعض المحللين، حتى أثناء إدانتهم لجرائم تارانت، مع منطقه المعادي للمسلمين. ويبدو أن ردود الأفعال هذه، هي ما كان يصبو تارانت إليه تماما، ففي أحد أجزاء بيانه، أوضح أن "جميع المهاجرين ذوي الخصوبة العالية" هم العدو، لكنه اختار استهداف المسلمين لأنهم "أكثر مجموعات الغزاة احتقارا من قبل الغرب، وبمهاجمتهم، سنحصل على أكبر مستوى من الدعم".

وفي الخطة التي وضعها تارانت، فإن قتل المسلمين، هو المرحلة الأولى فقط، حيث أن الهدف النهائي يتمثل بتغيير التركيبة السكانية للدول الغربية من خلال برنامج عام للتطهير العرقي، يستهدف السود واليهود والآسيويين. فقد كتب أنه "يجب إزالة الغزاة من الأراضي الأوروبية، بغض النظر عن المكان الذي أتوا منه أو متى أتوا. سواء كانوا غجرا أم أفريقيين أم هنود أم أتراك أم ساميين".

وأوضح أنه لا يعتبر نفسه مسيحيًا بالمعنى الديني، فاعتقاده الوحيد الثابت هو نية الإبادة الجماعية لإزالة "الآخر"، سواء بالقتل أو الطرد.

ورغم أن تارانت نفذ الهجوم الإرهابي من تلقاء نفسه، إلا أنه زعم في بيانه أنه تلقى مباركة منظمة يمينية متطرفة سرية لارتكاب الجريمة. كما أن المتعاطفين مع دوافعه موجودون بأعداد هائلة، بما في ذلك في الأجهزة العسكرية والأمنية في الدول الغربية. ورغم أنه لم يظهر أي دليل يدعم مزاعمه هذه حتى الآن، فإنه بالنظر إلى الأخبار، يبدو الأمر منطقيا.

ويوضح تارانت في كتاباته أن ليس لديه مشاكل مع المسلمين الذين يعيشون في أوطانهم، ولا مع اليهود، طالما أنهم يعيشون في إسرائيل. إنه ببساطة يريدهم خارج الغرب. وكتب أنه "لا يهم كيف تتم إزالتهم، بالسلم أم بالقوة أم بالتراضي أم بالعنف أو بشكل دبلوماسي. يجب إزالتهم". ومن غير المرجح بالطبع، أن يغادر هؤلاء الأشخاص منازلهم طواعية. فالولايات المتحدة ودول أوروبا بالنسبة لهم، هي المكان الذي يربون فيه أولادهم ويدفعون ضرائبهم، ويلتحقون بالمدارس، ويساهمون بقوتهم العمالية في مجتمعاتها. لذا، فإن الإصرار على "عودتهم" إلى وطن وهمي في قارة بعيدة، يتكافأ مع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

وعندما نواجه مثل هذا التهديد العنيف والمتعصب، من المهم أن نأخذه على محمل الجد. أخشى أن يكون هناك المزيد من الرجال مثل تارانت وغيره، خصوصا في وقت يستجيب فيه أولئك الموجودون في السلطة لمطالبهم بصوت عال أو بمجرد الإشارة.

وفي مواجهة هذا العدو الذي يطالبنا بإلغاء أنفسنا، تتبخر فكرة التسوية المريحة. فالهجمات العنصرية لا زالت مستمرة منذ مجزرة نيوزيلندا، وشملت عدد من الاعتداءات العنيفة في دول مختلفة. وفي مواجهة هذا الواقع والصراعات المقبلة، يبدو من المهم أن نتذكر مقولة يهودية شعبية كانت تُردد لمواجهة الاضطهاد النازي، والتي تحمل معنى متجددا اليوم: "سنبقى على قيد الحياة لفترة أطول منكم".