الثقب الأسود الجديد: أسئلة وإجابات

الثقب الأسود الجديد: أسئلة وإجابات
(أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف:


لقد استطاع أبناء الأرض، يوم أمس الأربعاء، رؤية صورة فعلية لثقب أسود، ما حول هذا الجسم الذي كان يعيش في مخيلتنا الجماعية فقط، إلى حقيقة ملموسة.

وتُبين الصورة حلقة برتقالية غير متجانسة من حيث توزيع اللون، تحيط الظل الداكن لثقب أسود يلتهم المادة على بعد 55 مليون سنة ضوئية عنا، وسط مجرّة أطلق عليها العلماء اسم "فيرغو إيه".

وتكفي هذه الصورة الضبابية لإثبات أنه يُمكن تطبيق نظرية النسبية التي اقترحها العالم ألبرت آينشتاين، القرن الماضي، حتى عند حدود هذه الهاوية العملاقة (الثقب الأسود)، بالرغم من اعتباره موقعًا "متطرفًا" علميًّا، حيث اعتقد البعض أنه سوف يتسبب بانهيار معادلات آينشتاين. لكن هذه الصورة المحيرة تثير الكثير من الأسئلة.

ما هي الثقوب السوداء؟

الثقوب السوداء هي أجسام كثيفة للغاية لا يمكن لأي شيء الهروب منها، ولا حتى الضوء نفسه. وينمو حجمها كلما ابتلعت المواد المحيطة بها. وتتشكل عادة عندما يموت نجم كبير وينهار على نفسه.

ويُعتقد أن الثقوب السوداء ذات الكتل العملاقة التي تفوق كتلة كل واحدة منها ملايين أو مليارات المرات تلك التي تمتلكها الشمس، تقع في قلب كل مجرة، بما في ذلك مجرتنا. وسُمي الثقب الأسود في مجرتنا "الرامي A *".

لماذا لم نر صورة لثقب أسود في السابق؟

الثقوب السوداء ليست كبيرة جدًّا، ولا حتى ذات الكتل الفائقة منها. لذا فإن التقاط صورة للثقب الأسود في مركز مجرة درب التبانة، والذي يُعتقد أن حجمه يصل إلى حوالي أربعة ملايين مرة مثل الشمس، قد يتكافأ من حيث الصعوبة، مع التقاط صورة لقرص مدمج "دي في دي" على سطح القمر. كما أن الثقوب السوداء عادة ما تكون مغطّاة بمواد يمكن أن تحجب الضوء المحيط بالثقب الأسود.

كيف لنا أن نعلم بوجود الثقوب السوداء قبل أخذ صورة لأحدها؟

لقد تنبّأت نظرية النسبيّة الخاصّة بآينشتاين، أنه عندما يموت نجم ضخم، فهو يترك وراءه نواة كثيفة، وإذا كانت كتلة هذه النواة تساوي ثلاثة أضعاف كتلة الشمس، فتشير معادلاته إلى أن قوة الجاذبية سوف تنتج ثقبًا أسود، وفقًا لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا".

وقبل العاشر من نيسان/ أبريل الجاري، لم يستطع العلماء تصوير الثقوب السوداء أو مراقبتها. وبدلًا من ذلك، اعتمدوا على أدلة غير مباشرة لوجودها، وهي سلوكيات أجسام أخرى قريبة منها أو إشارات منبعثة منها. فمثلًا من المعلوم أن الثقب الأسود يلتهم النجوم التي تنحرف إلى مسافة قريبة منه، وهذه العملية، ترفع من حرارة هذه النجوم، مما يؤدي إلى بث إشارات إشعاعية سينية، والتي يُمكن للتلسكوبات رصدها. وفي بعض الأحيان، تبصق الثقوب السوداء رشقات عملاقة من الجزيئات المشحونة، والتي يمكن رصدها أيضًا بواسطة أدوات بشرية.

كما يراقب لعلماء في أحيان أخرى، حركة الأجسام، حيث أنه إذا بدا أنه تم سحب جسم معين بشكل غريب، فإن ذلك قد يعود لوجود ثقب أسود على مقربة منه.

ما الذي نراه في الصورة؟

إن قلّة الإشعاعات المُنبعثة من الثقوب السوداء، تجعل مهمة رصدها شبه مستحيلة، إلا أنه كما تنبأ آينشتاين، اتضح أنه يُمكن رؤية شكل الثقب الأسود وأفقه الحاتم، أي الحدود المحيطة به، والتي لا يُمكن للضوء الخروج منها بعد اجتيازها.

ويبدو أن النظرية صحيحة، حيث أن الدائرة المعتمة في وسط الحلقة، هي عبارة عن "ظل" الثقب الأسود، والذي يظهره الغاز المتوهج القابع في الأفق الحاتم الذي يحيط الثقب، إذ أن الجاذبية القصوى التي يُفعّلها الثقب الأسود، تسخّن الغاز، مما يؤدي إلى إصدار إشعاع أو "توهج" يُمكن رصده. لكن الغاز في الأفق الحاتم ليس برتقاليّ اللون بالفعل، بل اختار الفلكيون المشاركون في المشروع تلوين إشارات الموجات الراديوية باللّون البرتقالي لتصوّر مدى سطوع الانبعاثات. فكلما اصفرّ اللون، فإن ذلك يعني أن الانبعاثات أكثر كثافة، بينما يصور اللّون الأحمر كثافة أقل، ويمثل اللّون الأسود انبعاثات ضئيلة أو معدومة. ومن المرجح أن ترى العين المجردة لون الانبعاثات في الطيف المرئي، بلون أبيض قد يكون ملطخًا بعض الشيء بالأزرق أو بالأحمر.

كيفت تمكن العلماء من التقاط الصورة؟

قام أكثر من 200 عالم فلكي حول العالم بإجراء القياسات المطلوبة، باستخدام ثمانية مناظير إذاعية أرضية تعرف مجتمعة باسم "تلسكوب الأفق الحاتم" (EHT). ووفقا لبيان صدر عن المؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم، تُنصب هذه التلسكوبات عادة في مواقع على ارتفاعات عالية مثل البراكين في هاواي والمكسيك، والجبال في أريزونا وسييرا نيفادا الإسبانية، وصحراء أتاكاما وأنتاركتيكا.

وفي نيسان/ أبريل عام 2017، اتخذ الفلكيون قياسات موجات الراديو المنبعثة من الأفق الحاتم للثقب الأسود، من جميع التلسكوبات بالتزامن، أي في الوقت ذاته. حيث أن مزامنة التلسكوبات كانت مشابهة إلى إنشاء تلسكوب بحجم الكرة الأرضية، مع درجة دقة رائعة تبلغ 20 ميكروثانية، وهي درجة عالية من الدقة تُمكن قراءة صحيفة يُمسكها أحد سكان نيويورك، من أحد مقاهي باريس، وفقًا للبيان. (في المقابل، يبلغ طول الثقب الأسود الذي قاموا بتصويره حوالي 42 ميكروثانية، بالعرض)

ومن ثم جمع العلماء جميع هذه القياسات الخام، وقاموا بتحليلها ودمجوها في صورة الثقب الأسود التي تم الكشف عنها.

هل تُثبت هذه الصورة نظرية النسبية مرّة أخرى؟

بالطبع؛ تنبأت نظرية النسبية بوجود الثقوب السوداء، وأنها تحتوي على آفاق حاتمة خاصة بها. كما أن المعادلة تنبأت أن الأفق الخام يجب أن يكون دائريا إلى حد ما، ويجب أن يرتبط حجمه ارتباطًا مباشرًا بكتلة الثقب الأسود. 

وهذا أمر خيالي وواقعي في الآن ذاته؛ إذ يتطابق الأفق الحاتم الدائري والكتلة المستخلصة من الثقب الأسود، مع التقديرات لما ينبغي أن يستند إلى حركة النجوم بعيدًا عنها، إلى حد كبير.

لماذا لم يلتقطوا صورة الثقب الأسود الخاص بمجرتنا، واختاروا تصوير ثقب أسود بعيد؟

لقد حلل العلماء انبعاثات الثقب الأسود هذا، والذي أطلقوا عليه اسم "إم 87"، لأنه أول من استطاعوا رصد الإشعاعات الصادرة عنه. لكن عملية رصده أيضا، كانت أسهل من رصد "الرامي A *"، الخاص بمجرتنا. وذلك يعود إلى أن المسافات الشاسعة بين كوكب الأرض و"إم 87" مما يخفف من "حركته" أثناء إجراء القياسات اللازمة. فيما يقع الثقب الأسود الخاص بمجرتنا، على مسافة أقرب بكثير، لذا فإن مكانه ليس بـ"الثبات" الذي يتواجد فيه "إم 87". لكن علماء أبدوا رغبتهم في محاولة رصد "الرامي A *" أيضًا.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019