ما هي أوجه الشبه بين البوذيّة والماركسيّة؟

ما هي أوجه الشبه بين البوذيّة والماركسيّة؟
أحد المؤمنين بالبوذية (pixabay)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


قد لا يبدو أن هناك الكثير مما يجمع الماركسية والبوذية، فبينما تعبر الأولى عن نظرية اجتماعية اقتصادية مادية، تصوَّرها رجل ملتحٍ من مدينة ترير الألمانية في القرن التاسع عشر، فإن الأخرى ديانة تأسست بناءً على خطابات أُلقيت تحت شجرة تين من قِبَل شخص نحيف، ومسالم، ومن الناحيتين التاريخية والجغرافية، فإن "المذهبين" أو النظريتين، بعيدتان عن بعضهما البعض، إلا أن نواة التحليل الفلسفي للحالة الإنسانية في كل منهما، قريبة إلى حد مذهل، إذ أنهما تتشابهان إلى حد أن الميتافيزيقيات البوذية، يمكنها أن تكمل الفلسفة الاجتماعية والاقتصادية الماركسية، وكما كتب عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس، عام 1955: "الماركسية والبوذية يفعلان الشيء ذاته، ولكن على مستويات مختلفة".

وعلى الأقل، منذ أن علق الدالي لاما الرابع عشر، من التبيت، تينزين غياتسو، على ميله إلى الماركسية عام 1993، من الواضح أن البوذية والماركسية لديهما شيء مشترك، فقد قال: "من بين كل النظريات الاقتصادية الحديثة، يقوم النظام الاقتصادي الماركسي على مبادئ أخلاقية، في حين أن الرأسمالية معنية فقط بالربح والربحية، وكان فشل النظام في الاتحاد السوفيتي السابق، بالنسبة لي، ليس فشل الماركسية ولكن فشل الشمولية. لهذا السبب، ما زلت أعتبر نفسي نصف ماركسي ونصف بوذي". 

وكان كارل ماركس نفسه يعرف بعض الأمور عن البوذية، ففي رسالة كتبها إلى صديق، عام 1866، وصف ممارسة التأمل الخاصة به على النحو التالي: "لقد أصبحت كالعصى الماشية، ركضت صعودًا وهبوطًا طوال اليوم، واضعا ذهني في حالة العدمية التي تعتبرها البوذية ذروة النعيم البشري".

(pixabay)

إذن، هل تكمل البوذية والماركسية بعضهما البعض؟ وكيف ذلك؟. إن "التشخيص والعلاج" أمران أساسيان في الفلسفتين، وهما تتشاركان في التشخيص، وهو أن الحياة هي المعاناة أساسا، وبالنسبة لماركس، فإن المحفز الأساسي للمعاناة هو الرأسمالية، إذ إنها تخلق المزيد من المعاناة للطبقة العاملة، بينما يبقى البرجوازيون والرأسماليون في وضع جيد نسبة للسواد الأعظم من المجتمعات، لكن هذا لا يعني أن الرأسمالية لا تخلق معاناة في جانب الرابحين أيضًا، وهو ما سأشير إليه لاحقا، أما بالنسبة لبوذا، فإن الطبيعة المؤقتة والعابرة للحياة تجعل المعاناة أمرا لا مفر منه. وفي اللغة اليابانية الحديثة، يُعرف الحزن الخفيف المرتبط بحالة التقلبات الطبيعية "مونو نو أواري" (رثاء الأشياء). في حين أن المصطلح البوذي الهندي التبتي، الذي يعبر عن تأثير مؤقت (عدم دوام) للطبيعة على حياة الإنسان، هو "الدوكخا"، والتي يمكن ترجمتها على أنها معاناة، ولكن في بعض الأحيان قد تعني الألم أو الإحباط أو الحزن أو البؤس أو عدم الرضا، والدوكخا هي أولى "الحقائق النبيلة الأربع" التي طرحها البوذا الأصلي مباشرة بعد تجربته في التنوير تحت "شجرة بودي".

وليس من الصعب فهم ما الذي يعنيه مفهوم الدوخكا، فهو يُشير إلى أن الحياة مليئة بالمعاناة النفسية والجسدية، وفي حالات كثيرة، نحن عاجزون عن فعل أي شيء للحيلولة دون ذلك، فمثلا، عندما نتقدم بالعمر، نخسر حيويتنا النفسية والجسدية، ونفقد الأشخاص الّذين نحبهم، والممتلكات التي نتمسك بها بشدة لن تصبح في يوم من الأيام ملكًا لنا، وهذا أمر حتمي لأن العالم هو عبارة عن شيء مؤقت وعابر وسريع الزوال، والمصطلح البوذي لوصف هذه الحتمية هو "أنيتيا". ونحن مبتلّون بالقلق الناجم عن الخوف من المرض، وفقدان وظيفتنا، وفقدان أحد أفراد أسرتنا، وفقدان المال، وفقدان الشهرة، وواقع المعاناة هو حقيقة كلية الوجود.

وهذا يأخذنا إلى ثاني "الحقائق النبيلة الأربع"، وهي الـ"تان"، والتي تُترجم غالبا للعطش، ولكن قد يكون تصورها الأفضل هو التعلق (الارتباط)، فنحن متعلقون في الوظيفة والعائلة وممتلكاتنا وبأنفسنا، وليس هذا أمرا سلبيا بالضرورة، لأنه يُقوي العلاقات الإنسانية والعناية الذاتية، لكنه يُسبب المعاناة أيضا، عندما يقترن بأن كل شيء نتعلق به مؤقت، لذا فإن سبب معانتنا لا يكمن في طبيعة الواقع بحد ذاته، بل بسلوكنا تجاهه، فنحن نتشبث بالفكرة الخاطئة بأن الأمور الجيدة ستبقى إلى الأبد، وبأن الأمور السيئة لن تحدث قط، أو أننا سنعود مجددا لوضع جيّد، وبسرعة، في حال حدوثها.

(pixabay)

وبحسب كتاب "رأس المال" الذي أصدره ماركس عام 1867، فإن الدوكخا، أو المعاناة، لا تنجم فقط عن الطبيعة الفانية أو المؤقتة للواقع، فهناك نظام اجتماعي اقتصادي ما، يعزز آلية التنافس بين الأفراد في مهمة البحث عن تكديس (مراكمة) الثروة التي لا يحظى الأشخاص الذين ينتجونها إلّا بقدر محدود من إمكانية الحصول على أجزاء منها، أو يُحرمون من ذلك. وعبر هذه العملية، تُنتهك حقوق معظم الناس، وتتم السيطرة عليهم ومعاملتهم بطريقة سيئة، وتغريبهم عن جوهرهم الإنساني، ناهيك عن استغلال الطبيعة ومواردها. ورأى ماركس أن الرأسمالية تولّد كميّات إضافية من الدوكخا، إذ إنها تُبقي الناس في حالة فقر مستمرة، مقارنة مع قيمة عملهم، وتُبقيهم كأنهم عاطلون عن العمل، وتتلاعب بصحة الناس (عبر إجبارهم على العمل تحت ظروف مؤذية، والخوف من الإصابة المالية عندما تكون الرعاية الطبية ضرورية)، وفوق هذا كلّه، تغرّب الناس عن طبيعة وجودهم البشري عبر تفرقة العمال، وفرض ساعات العمل الطويلة.

وبالتالي، فإن انعدام المساواة الاجتماعية ومأساوية الظروف المعيشية، تؤديان إلى انتشار الجريمة والعنف والكراهية، وهذا ليس أمرا مفاجئا، وتسبب الفقر والاغتراب والاستغلال، والمعاناة، ولكن ذلك لا يقتصر على العمال المُستغَلين فحسب، فالرأسماليون يعيشون بخوف دائم من فقدان مكانتهم الاجتماعية وأموالهم، لذلك يتعين عليهم العمل بجد لحمايتها، لذا فإن ما يملكونه، يمتلكهم في نهاية المطاف.

بالنسبة للبوذيين، تنبع المعاناة من الصراع بين كيفية فهمنا لما سيكون عليه الواقع، وبين الواقع كما هو في الحقيقة، ولذلك فإن السبيل للتخلص من المشقّة هو في استيعاب الواقع كما هو، وهذا يحدث في حالة التنوير، لكن ماركس رأى أن هناك مصدرا إضافيا للمعاناة، يكمن في نمط الإنتاج، لذلك فإنه من أجل التخلص منها يجب تغيير هذا النمط البشع واستبداله بصيغة أفضل، وكما يرى البوذيون أن التنوير أو الإلهام هو الّذي يجعل رؤية المشكلة أمرا ممكنا، فالماركسية تقتضي كشف النقاب عن النظام الرأسمالي الذي قد يفعل كل ما هو متاح له من أجل تغطية خبثه وراء الستائر الترحيبية لثقافة المستهلك.
ومن المنظور البوذي، يُفعل/ يُشغل محرك الرأسمالية عبر أعمق رذيلة لدى الإنسان، وهي "التان" (التعلق). واستوعب ماركس أن المنظومة الاقتصادية بأكملها تعتمد على الاستهلاك، وأن وكالات التسويق تعرف أساليب دفع التان إلى حقول الإفساد التام، لتضمن تسويغ استمرارية الاستهلاك والعمل. وبالتالي، فإن العامل هو الفأر الذي يركض في عجلة عامودية تمثل ثقافة الاستهلاك.

ويُخدع الناس من أجل إقناعهم بالإيمان بأن الحواسيب اللوحية (آيباد) وغيرها من المنتجات والخدمات عديمة المعنى، هي ضرورية من أجل تحقيق السعادة، واستُبدل الشعور الحقيقي بـ"المعنى"، بالسعادة اللحظية والسريعة التي تتحرك بحسب الطلب.

يعي البوذيون مراوغة السعادة، وبالنظر لسرعة الزوال الحتمية للحياة، فإن البوذية لا تهدف لأن يكون المرء سعيدًا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، بل أن يعيش حياة ذات معنى، ويقول ماركس إن الحياة بالنسبة للعامل تصبح ذات مغزى، عبر مساعدتها له مباشرة، بشكل أو بآخر، على تقليل المعاناة لدى شخص آخر، لأن الرأسمالية تدفع العامل إلى التخصص، لكن البشر غير مؤهلين برمّتهم لأن يصبحوا ممرضين وأطباء وعاملين اجتماعين ومعلمين، إلخ. 

تمثال لماركس (pixabay)

تطورت الرأسمالية حول الرغبة الإنسانية بعيش حياة ذات مغزى، لكنها لا تقدم سوى سعادة لحظية. فلماذا نتوق باستمرار لامتلاك السلع الاستهلاكية التي لا طائل منها إذن؟ لأن هناك من أقنعنا بأن مُلكية هذه السلع تحدد ما أو من نكون.

في عام 1990، وصف عالم النفس، فيليب كوشمان، العملية التبادلية بين الاستهلاك الجلي ومصدر المعانة، أي التان، بالمعنى البوذي، على النحو التالي: "تعامل الرأسمالية البشر كأوعية فارغة لا تكتمل أبدًا، تفتقر لهوية مستقرة، ويجب ملؤها بالسلع". وتفترض أن ثقافة المستهلك هي المسؤولة عن إغلاق هذه الثغرة المتمثلة بالشعور بالذات والهوية والجوهر، المقيدة في النفس البشرية بسبب ظروف العمل الغريبة الموجودة في ظل الرأسمالية، وهذه العملية التبادلية هي تجسيد لتكرار نفسي مستمر يتأرجح بين سلب التجربة الهوياتية الذاتية (عبر تقسيم العمل والفقر والبطالة) وبين والاستعاضة عنها بالاستهلاك. وتساهم هذه الحالة في استمرار توليد رأس المال، لكن العقلية الاستهلاكية لا توفر علاجا، ولسوء الحظ، تحولت البوذية في شكل الممارسة الذهنية، مُفرِّغة المعنى الحقيقي، إلى أحدث صرعة للرأسمالية المُنهكة. وقال الباحث الماركسي الأكثر بروزا في عصرنا، سلافوي جيجك، ذات مرّة، إن "الموقف التأملي البوذي الغربي، هو الطريقة الأكثر فاعلية بالنسبة لنا للمشاركة الكاملة في الديناميكية الرأسمالية مع الحفاظ على مظهر السلامة العقلية".

هل البشر مجرّد أوعية فارغة؟
لسنا أوعية فارغة، لكن ماذا نحن؟ إن مفهوم ماركس للذات، هو موضوع نقاش كبير بين الباحثين الماركسيين. وكتب عالم النفس الاجتماعي إريك فروم، في عام 1961، أن "ماركس لم يؤمن، كما يفعل الكثير من علماء الاجتماع المعاصرين وعلماء النفس، بأن مصطلح طبيعة الإنسان غير موجود؛ وأن الإنسان يشبه ورقة فارغة عند ولادته، تكتب الثقافة عليها نصها". ومع ذلك، يجب أن تكون هناك ذات، وإلا فلن نتمكن من الاغتراب عنها، لكن هل هي محض وعاء فارغ يحتاج أن يُملَأ طوال الوقت؟ 

(pixabay)

في عام 1845، كتب ماركس عن صديقه الهيغلي (المقتنع بالفلسفة الهيغلية)، لودفيغ فيورباخ، أنه "يحل (مسألة) جوهر الدين في جوهر الطبيعة البشرية، لكن جوهر الإنسان ليس تجريدًا ملازمًا لكل فرد. في الواقع، إنها مجموعة من العلاقات الاجتماعية". لا توجد ملكية مركزية للذات، بل للعلاقات فقط، وبحسب المادية التاريخية لماركس، فإن العلاقات الاجتماعية التي تحدد الذات، يتم تحديدها بحسب "طريقة الإنتاج"، وبالتالي، عندما تتغير "طريقة الإنتاج"، تتغير الطبيعة البشرية أيضًا.

بينما لا تؤمن الفلسفة البوذية بأن الذات عبارة عن كيان بحد ذاته، بل هي عبارة عن مجموعة فضفاضة من العلاقات. واستخدمت دوائر البوذية المتأخرة، مصطلحا تقنيا ذو أهمية كبرى، وهو "سفابهافا"، والذي يُترجم غالبا بالكيان الذاتي، لكن يمكننا اعتباره هنا، الجوهر. ما هو الجوهر؟ من الصعب تحديد ذلك، وقد قالت الفلسفة الكثير عنه. لكن لنأخذ الجوهر على أنه شيء موحد، ومكتفٍ ذاتيًا، و ضروري، وغير قابل للتغيير، وأساسي في حد ذاته، ومن الأمثلة البارزة على المادة هي الله، وروح العالم، والعقل والمادة.

بالنسبة للبوذيين، لا شيء يأتي مع سفابهافا، لا شيء يأتي مع الجوهر. لذلك، فإن النفس لا تمتلك "سفابهافا" أيضا. ومن الممكن شرح فكرة انعدام الـ"سفابهافا"، أي الـ"سونياتا" (الفراغ)، باستخدام استعارة. لكن دعنا أولا، نفكر بتفسيرها السريع؛ من السهل رؤية التصور البوذي الموصوف أعلاه بأنه عدمي بشكل ميؤوس منه، لكن إنكار وجود جوهر للذات، بالمعنى الميتافيزيقي العميق، لا يعني أنه لا وجود للذات. في الواقع، لم يرغب البوذيون في القضاء على فكرة الذات، وكذلك لم يفعل ماركس، فبدون هذ الشيء الذي يتخذ دور الذات، لن يكون هناك أي شيء يعاني في ظل الرأسمالية أو من وجوده في العالم العابر. وبالتالي، فإن تحليل ماركس الاجتماعي والسياسي المعقد سيكون بلا معنى، كما لن تكون البوذية مُلهمة إلى حد ما. يجب أن يكون هناك شيء يعمل كموضع للمعاناة. لذلك، دعونا ننتقل إلى المفهوم البوذي للـ"سونياتا" (الفراغ).

إذا كان هناك ما هو فارغ الجوهر، فإن العلاقات هي التي تعرّف هذا الشيء. بمعنى آخر، فإن كل شيء يصبح على ما هو عليه استنادا إلى علاقاته المحددة بأشياء أخرى، وبما أن تلك الأشياء مرتبطة بأشياء أخرى، فهي في النهاية مرتبطة بعلاقات مع كل شيء آخر. ويتواجد كل شيء في مجموعة فريدة من العلاقات بأشياء أخرى، الأمر الذي يجعله فريدا دون الاضطرار إلى تحمل جوهر مميز أو فريد. ويخوض الإنسان علاقات لا حصر لها مع والديه وشريكه العاطفي، ولكنه يخوض أيضا علاقات مع سيارته وحسابه المصرفي. وإن الانطباع بأن أمورًا مثل المنازل والذوات والشركاء العاطفيين والحسابات المصرفية والممتلكات المادية الأخرى وما إلى ذلك، مُستقلة عن شبكة من العلاقات، هو في الواقع وهم مفاهيمي. هذا، باختصار، هو مفهوم الفراغ البوذي، وتتضمن فكرة الفراغ فكرة الذات. والذات أيضًا، فارغة لأنها محددة حصريًا بعلاقاتها، وليس من خلال جوهر ما. هذه هي فكرة انعدام الذات.

وتُستحضر هذه العلائقية بشكل جميل في استعارة "شبكة إندرا". إليكم كيف وصفها عالم الدين فرانسيس إتش كوك عام 1977:
"بعيدًا في المسكن السماوي للإله العظيم إندرا، عُلقت شبكة رائعة من قبل مصنع بارع بطريقة تمتد إلى ما لا نهاية في جميع الاتجاهات. ووفقًا لأذواق الإله، علق المصنّع جوهرة متألقة واحدة في كل ’عين’ من الشبكة، وبما أن الشبكة نفسها لا نهائية في البعد، فإن المجوهرات لا يمكن حصرها بعدد، وتوجد مجوهرات مُعلقة تتألق مثل النجوم في الحجم، وهو مشهد رائع في عين الناظر. وإذا ما اخترنا الآن أحد هذه الجواهر اعتباطا بهدف الاطلاع، ونظرنا فيها عن كثب، فنكتشف أن الجواهر الأخرى لا نهائية العدد في الشبكة، تنعكس في سطحها المصقول. ليس ذلك فحسب، بل تعكس كل من الجواهر المنعكسة في هذه الجوهرة الواحدة، جميع الجواهر الأخرى أيضا، بحيث توجد عملية انعكاسية لا نهائية".

(pixabay)

تضع فكرة الاتكال المتبادل هذه، الجانب المجتمعي للحياة الإنسانية، وهي الأساس الميتافيزيقي للفلسفة الماركسية. وتُعرّف الفكرة الماركسية عن الذات، من خلال علاقاتها البيولوجية والنفسية والاقتصادية مع الآخرين، وبالطبع جميع الآخرين الموجودين داخل العالم الحيوي وغير الحيوي، تمامًا كما توحي استعارة الشبكة، فإن هذا يخلق ترابطًا عالميا، أو "تداخلا" كما وصفه الراهب البوذي ثيتش نهات هانه في الستينات. وبالنسبة للبوذيين، تتوفر صورة الذات والواقع هذه من خلال التأمل/ التبصر.

وتكشف فكرة الذات المُعرفة بمدى علاقتها بالآخرين، زيف استعارة "الوعاء الفراغ" التي تطرحها الرأسمالية لتبرر فكرة الاستهلاك. البشر ليسوا أوعية فارغة لأننا لسنا أوعية على الإطلاق، ولا توجد أوعية. هذه هي حقيقة فكرة انعدام الذات: هناك علاقات، لكن لا وجود للأوعية، وبمجرد أن يدرك المرء الطبيعة الحقيقية للفراغ، لا يوجد شيء، إذا جاز التعبير، لإلصاق السلع الاستهلاكية به، مثل الملاحظات اللاصقة الموجودة في الثلاجة؛ ومن المفترض أن تتوقف العملية التبادلية بين الاستهلاك والعزلة مع هذه البصيرة. لماذا؟ لأنه لا وجود للثلاجة، من منظور الميتافيزيقية البوذية!

إن إدراك التداخل والفراغ (وجهان لعملة واحدة) يولد التعاطف، بحسب البوذيين، وإذا كان صحيحًا أنني في بحالة تداخل مع الأشخاص المحيطين بي، فإنني أفضل الامتناع عن إيذائهم. وإلا، سينتهي بي الأمر إلى إلحاق الأذى بنفسي من خلال الآثار الوسيطة لأفعالي، وتشوش الرأسمالية هذا الاعتماد المتبادل من خلال تعزيز الفردية المتهورة والأسطورية، ولكن في الفكر الماركسي، إن الترابط هو كلي الوجود، لذلك، يمكن للميتافيزيقية البوذية المتمثلة في الفراغ ومفهومها عن الذات الفارغة، -بل ينبغي عليها- أن تكون بمثابة أساس للصورة الماركسية، فالهدف هو "السكينة في المجتمع"، كما يقول الدالاي لاما.

ويُمكن للمجتمع القائم على النموذج البوذي للتعاطف، أن يطبق الماركسية في نهاية المطاف، وفي الحقيقة، توجد بعض المحاولات لتسييس البوذية، وما يطلق عليه ثيتش نهات هانه، اسم "البوذية المنخرطة"، هي إحدى الأمثلة على ذلك، ومثال آخر، هو يوتشياما غودو (1874 – 1911)، وهو كاهن "سوتو زن"، الذي دافع عن الحركات الاشتراكية خلال عهد ميجي. ربما كان الجير سينو (1890-1961) أكثر البوذيين الماركسيين صراحةً، وهو بوذي من نيتشرين يابانيًا، وفي ثلاثينات القرن الماضي، دافع عن إحياء البوذية، التي جمعت بين الاقتصاد الماركسي وبوذية الأراضي الصافية، ويقال إن سينو جادل بأن "النظام الرأسمالي يولد المعاناة، وبالتالي ينتهك روح البوذية".

دعنا نسمي النظام الاجتماعي والاقتصادي الماركسي القائم على الميتافيزيقية البوذية، "الماركسية الوجدانية". يجب أن يكون تركيز الماركسية الوجدانية على اللا عنف. عندها فقط يمكن للماركسية أن تكون محصنة ضد الإساءة الشمولية والسلطوية، وبالتالي تلغي احتمالية تكرار تاريخها. ولا تزال تعاليم ماركس بأن الثورة عنيفة بالضرورة، أو المؤمنة بحدوث تحول سلمي، مسألة محيرة. فخلال الفترة ما بين عامي 1844-1849، رأى ماركس أن الثورة العنيفة ضرورية بالفعل، نظرا لبنية النظام البرجوازي الصارمة، ولكن إذا كانت الظروف الاقتصادية هي التي تستلزم التحول نحو شيء شيوعي وليس شمولي، فقد تكون الثورة اللا عنفية ممكنة في ضوء التدخلات السياسية الصحيحة.

وترتكز جدوى المشروع الماركسي على الطبيعة المجتمعية الخيّرة للإنسان. قد يجادل البعض بأن الفكرة القائلة إنه بمجرد إدراك الإنسانية لترابطها، فسوف تحيد عن القسوة متجهة إلى التعاطف، هي طوباوية متمناة. لقد أدرك الفيلسوف الألماني، إمانويل كانت، في القرن الثامن عشر، أن القسوة والكراهية هما الخطأ اللذي يرتكبه كل فرد، إذ تترسخان بعمق في طبيعة الوجود الإنساني. وهي منهجية تفكير واسعة الانتشار اليوم، وتدعمها دراسات علم النفس الإكلينيكي، لكن بالنسبة لماركس، فإن الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي المسؤولة عن القسوة والكراهية والجريمة، ويؤمن بأن الإنسان، هو بطبيعته خيّر ورحيم. من منهما أكثر فهما لطبيعة الإنسان؟

(pixabay)

أعتقد أنه يجب علينا جميعًا أن نميل إلى الواقع بشكلٍ كافٍ لفهم أنه من المحتمل أن يكون ماركس فريسة لـ"وهم جسد السباح"، والذي يقول إن السباحة لديها جسم مثالي ليس لأنها سباحة؛ ولكنها سبّاحة لأن لديها الجسم المثالي للسباحة. تبعا لذلك، ليست الإنسانية شريرة لأن النظام الاقتصادي هو الشرير؛ النظام الاقتصادي هو الشر لأن الإنسانية شريرة. في النهاية، نحن ذرات الاقتصاد، ووكلاء التجارة. الاقتصاد يعتمد علينا، وليس العكس. يشير التاريخ إلى أن المشروعات المجتمعية، مثل "الكتائب الأميركية الشمالية"، وهي جماعة اشتراكية طوباوية علمانية نشطت في نيو جيرسي في أربعينات القرن التاسع عشر، عرضة للكراهية وانعدام الثقة والرشوة والاحتيال. في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، أظهرت تجربة ميلغرام وتجربة سجن ستانفورد أننا نعيش في ظل طغيان الرأسمالية لأننا إما كائنات استبدادية بطبيعتها أو لأننا نطيعها ببساطة. النظام الرأسمالي يناسب طبيعتنا. تشير جميع الدلائل إلى أننا لا نملك القدرة على التعاطف الخيري الشامل، غير الملوث بالميل إلى الشر والكراهية والمنافسة. لا يمكننا جميعًا أن نعيش مثل الرهبان، حتى لو كان ذلك يضمن تلبية احتياجات الفرد المادية، لكن ألا يمكننا أن نكون مستبدين ومترابطين؟ يمكن أن تساعدنا الممارسة البوذية في التغلب على الجوانب الشريرة في طبيعتنا وتعزيز الجانب الوجداني داخلنا. يمكن أن يكون النظام الاجتماعي والاقتصادي للماركسية الوجدانية أرضًا خصبة للتعاطف، وهو المحرك لنظام اجتماعي - اقتصادي ذو "دوكخا" منخفضة. 

إن العمل على تغيير عملاق الاستبداد الداخلي سوف يفيد أولئك الذين يعانون من الرأسمالية. المشكلة مع الناشطين اليساريين هي أنهم يرون أن الشر هو سبب حصري للنظام الاجتماعي والاقتصادي (كانت هذه مشكلة ماركس أيضًا)، دون استيعاب كيفية عمل هذه العوامل في داخلنا. يقول الدالاي لاما: "التغيير الاجتماعي يتطلب تغييرًا داخليًا؛ أن نصبح أقل أنانية". إذن فالسؤال ليس من نحن، فنحن مخلوقات خبيثة، بقدر ما أستطيع أن أدعي. السؤال هو من نريد أن نكون؟


الكاتب أرديان طالب دراسات عليا في الفلسفة في جامعة "سانت أندروز" في إسكتلندا، وباحث أجنبي في جامعة "كيوتو" في اليابان.