جماليّة النص في غياب مؤلفه

جماليّة النص في غياب مؤلفه
لوحة "فتاة البالون" التي دمّرت نفسها لبانكسي، مجهول الهوية (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48"، لمقال كتبهُ المحاضر في اللغة اللاتينية في كلية الكلاسيكيات بجامعة سانت أندروز في إسكتلندا، توم جيو، والذي ألّف كتاب "مؤلف مجهول: قوة مجهولية الهوية في روما القديمة".


تميل الأعمال الفنية والأدبية مجهولة المصدر إلى توبيخ محبيها. ويتواصل الجدل حتى اليوم، حول ما إذا كانت مجهولية هويّة فنان الغرافيتي (الجداريات) البريطاني، المعروف بـ"بانكسي"، نوعا من أنواع النقد الثقافي الجذّاب، أم أنها محض حيلة دعائية مزعجة ومثيرة للسخرية. وينطبق الأمر ذاته على الاسم الفني المستعار المراوغ الذي ابتكرته كاتبة إيطالية لنفسها، "إيلينا فيرانتي". فهل يوجه غياب هويّة الكاتبة "الحقيقية"، رسالة نسوية مهمة حول التأليف مجهول المصدر، ساخرا ومستخفا بصناعة النشر وثقافة التمجيد الشخصي التي رسختها الرأسمالية، أم أنه يمثل حصالة نقود تغذي نفسها باستمرار، وإستراتيجية مجردة لتوليد الاهتمام والمبيعات، أي أنها خدعة وقعنا في فخها؟

ولأنّ الأعمال الفنية مجهولة المصدر، تترك فجوة حاسمة بدورها حينما تنوب عن مواقف مؤلفها "الخيّرة"، فإنها تكشف نفسها أمام سلسلة من ردود الأفعال المتناقضة والمتضاربة؛ فيمكنها أن تؤدي إلى تدفق أعمال إبداعية أخرى، وردود أفعال أخرى تتراوح بين التفاعل مع نظريات المؤامرة، وإلى تكهنات معمقة، وحتى كشف طرق جديدة لفهم عالم التأليف، وصولا إلى ابتكار أعمال فنية ونقدية جديدة.

وتكون المجهولية ناجعة في كثير من الأحيان، فَلِعدم معرفة هوية مؤلف عمل أدبي ما، أثر قوي على القارئ، لأنه يجعل تجربته مع الكلمات عبارة عن تدفق ثقافي مثالي وتمثيلي بعيد المدى، أي شرارة لفن يبدو أنه يتجاوز حدود الذكاء الفردي.

وعلى سبيل المثال، حظيت فيرانتي بثناء مدهش لقاء تمثيلها عالم النساء، أو الصداقات النسائية، بشكل عام. وتقع قوّة المؤلفات مجهولة الكاتب، في قدرتها على الإلقاء بالقارئ في عالم الكلّية الظاهرة، ويبقى السؤال إذن، في ما إذا كان حضور هوية الكاتب يهدد جاذبية العمل الأدبي، أو ينتقص منها. ولنفترض أن جميع الكتاب أخفوا هوياتهم، أكنا سوف نفتقدهم في نهاية المطاف؟ أم أن "مغادرتهم" لنصوصهم ستقويها؟

اختبار المجهوليّة من وجهة نظر روما القديمة

تُعد حضارة روما القديمة، الوضعية الأنسب لاستيعاب مدى قوة مجهولية المؤلف، لأن الرومان في العصر الكلاسيكي كثيرا ما عرّفوا قوتها بالسلب، وبشكل عكسي. فقد كان الأدب الروماني في معظم الأحيان، منتوج الذكاء الفردي، أي القوة الإبداعية المتماسكة المعروفة باختصار، بوصف المؤلف.

وغالبا ما كان يُنظر إلى الأدب غير المنسوب للمؤلفين، على أنه ضرب من ضروب الظلامية والغموض، إضافة إلى كونه ناقصا وعاجزا. بل ظهرت في هذا السياق أيضا، صناعة معرفية كاملة بهدف تأمين إسناد الأعمال لأصحابها، لتؤكد على أن النصوص الصحيحة تعود لمؤلفين جديرين بها، بحيث تُمكن القراء من معرفة قيمة ما يقرؤونه.

وعندما تصور القارئ الروماني أصل العمل الأدبي الكنسي/ المعياري، كان يجد عادة أنه ثمرة مجهود شخصية تاريخية معروفة وموجودة (غير أسطورية). وانعكس ذلك أيضا في طريقة تخزين المكاتب لكتبها، إذ أن المخطوطات كانت مصحوبة بتذاكر كتب عليها عنوان العمل واسم مؤلفه. وحتى عندما لم يتمكن الرومان من العثور على إشارة واحدة وواضحة لأصل المخطوطة (مؤلفها)، كان قراء العصور الغابرة، يخترعون كاتبا لها، فعلى سبيل المثال، لم يكونوا ليقبلوا أن تكون الإلياذة والأوديسة ملحمتين شعريتين عديمتا المصدر، فقد كان لا بد أن تُنسبا إلى هومروس، الشاعر الإغريقي الأسطوري.

ولم تكن هناك مساحة حقيقية في ثقافة التأليف، للأعمال التي كان مؤلفها مجهولًا، وورث العديد من القراء الحديثين هذه الأذواق الإقصائية.

ولا تزال قيمة العمل الأدبي تبدو أنها مرتبطة، بالاسم الذي تحمله حتى اليوم. لكن استمرار ذلك ليس ضرورة.

ويحظى أدب روما القديمة، مجهول المؤلف، بكيان خاص به تُميزه العبقرية وقدراته الاصطلاحية. وعندما نعترف به كحاضنة وكمرقد لجبروت المجهولية، فيُمكننا أن نرى أن الأعمال الأدبية قد تكون أفضل في بعض الأحيان إذا ما أزلنا عنها وصاية هوميروس أو نظرائه، الساعية إلى ترسيخها في وعينا، فالأسماء تروّض بعض القوى المعينة، بينما تُطلق المجهولية سراحها، أي أن التحرر من المؤلف يمكن أن يولد إمكانيات جديدة للأدب، وخبرات جديدة في قراءته.

ما الذي تستطيع الكلمات مجهولة الكاتب أن تفعله أكثر من نقيضتها معروفة المؤلف؟

إن إحدى الطُرق التي يُمكننا اتباعها للإجابة عن هذه المسألة، هي من خلال تجربة قراءة مشتركة بيننا وبين الرومان: الكتابة على الجدران (الجداريات)، فكما هو معلوم، فإن الكتابة على الجدران اليوم، تحظى بسجل مختلف تماما عن الأعمال الأدبية المرموقة والمنشورة والموقّرة. ومع ذلك، يمكن أن تكون سلسلة الأفكار والأسئلة التي تفجرها بالقارئ أمرا مفيدا لفهم تأثيرات الأدب الإبداعي مجهول المصدر أيضا.

تخيّل أنك تتجول في مكان تعج جدرانه العامة بالجداريات السياسية، ووجدت على سبيل المثال، أن إحداها تحمل عنوان "حطموا الرأسمالية الآن!"؛ يكمن جزء من قوّة هذا المطلب، في أنه يتجول في عالم انعدام نسبه، متحررا من قيود النسبوية للفردانية الذاتية. وَهَب أننا علمنا اسم كاتب الشعار على الجدار، وهو الذي يُطالبنا بتحطيم الرأسمالية في هذه اللحظة الآنية، فإننا لن نأخذ ذلك بذات المقدار من الجدية، على الأرجح. وذلك لأن الشعار لن يحمل في هذه الحالة، قوّة كبيرة، وفي المقابل، فنحن لن ننظر إليه كمحفز على التعبئة مُصمم لتحريك أو تغيير أمر ما من خلال الكلمات.

وفي مسعى الجدارية إلى صدم المشاهد وإقناعه بوجود ثورة ناشئة، فإنها تعتمد على جاذبيتها غير المحدودة المحتملة؛ وذلك لأنها تأتي من أي مكان ومن اللا مكان، لكن الشعور بها يبدو أنه ينتشر من كل مكان. وسواء كنت مع أو ضد هذه الثورة الوشيكة، فإن الجدارية تحمل في طياتها، تأثيرا قويًا على العموم، فثانية واحدة مزدحمة بالأفكار، وبلمحة واحدة، قد تدفعك رؤية الجدارية، إلى الإيمان بوجود ثورة، وإما أن تشعر بالذعر من ذلك، أو تبتهج.

ولا تقتصر هذه الحالة على الجداريات فحسب، بل تُظهر الأمثال أيضا، قوّة غياب راويها أو مؤلفها، فإن ومضات الحِكَم هذه لا تستمد قوتها من مبتكريها، هذا في حال تمكنا من معرفتهم أصلا، بل من أنها قيلت مرارا وتكرارا على مدار فترات طويلة من الزمن. وكان الكتاب الرومان الذين عاشوا في بدايات الإمبراطورية، يبجّلون تسليح الخطابة بصيغ لفظية حادة وقصيرة، ويعتبرون أن مصداقية الأمثال تحمل قيمة كبيرة، فقد كانت عبارة عن حقيقة مفهوم أنها قادمة من مصادر مجهولة، بالمقدار ذاته تقريبا، للإجماع الثقافي.

كتب مدّرس الخطابة الروماني الذين عاش في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، كينتيليان، عن قوّة الأمثال في البلاغة القانونية. وأوضح أن الأقوال الضعيفة والحكم الشعبية، يمكنها أن تترك أثرا كبيرا، خاصة أنها نتاج أفكار غير منحازة؛ لأنها كـ"الشهادات بمعنى من المعان، بل وأكثر قوة منها لكونها لا تخدم قضايا محددة، بل هي محكية أو ناشئة عن أفكار خالية من النقمة والمصالح، وهو السبب الوحيد الذي يجعلها تبدو الأمر الأفضل أو الأصدق لقوله". وهي تختم كتلة من الحقائق الصعبة، ويمكنها أن تندرج في التيار الرئيسي لثقافة العامة "لأنها لا تملك مؤلفين معروفين". بمعنى آخر، فإن الأمثال تملك نوعًا مختلفًا من الصلاحيات مقارنة ببيان يحمل اسمًا هاما مرفقًا به، فالكلمات المَثَلية عديمة المؤلف تنبض بمغناطيسية مثالية خاصة بها. وتستطيع بعض الأعمال الأدبية الرومانية المجهولة فعل الأمر ذاته.

صعوبة قبول مجهولية النص الأدبي

يميل القراء عادة لأن يكونوا أكثر احتواء لمجهولية الأنواع الأدبية الشعبية مثل الجداريات (الغرافيتي)، والأمثال، مقارنة مع الأعمال الأدبية الأخرى. فمن المقبول عادة، أن يصدر "العام" من أي مكان أو اللا مكان؛ وعلى النقيض من ذلك، عندما يتعلق الأمر بالشعر الراقي أو الروايات المعقدة، فإن القراء يتوقون إلى تحديد مصدره وتصوّر طبيعة مؤلفه. ويبدو الأمر كما لو أن درجة تأليف نص ما، تتضخم بشكل مطرد مع مكانته في نظام تصنيف المنزلة الأدبية (للكاتب).

وتبدو أهمية "سمو" المؤلف كشخص حقيقي ومعروف، حقيقية وحية بشكل خاص في ثقافة الغرب الرأسمالي الحديث، التي تمجد الفردانية البرجوازية، وتعزو كل شيء ذي أهمية، يحدث في ظل هيمنتها، إلى وكالة فائقة لفرد فائق (مثل دونالد ترامب، أو إيلون ماسك)، وبالتالي، فإنها تربط بطبيعتها، قيمة منتجاتها الفنية بمكانتها كإبداعات مستقلة لمبدع كلي القدرة وفريد من نوعه.

ويقوم البشر باستمرار بتقليل وتبسيط تعقيدات العالم في ذكاء عدد قليل من الشخصيات الملائمة المحظوظة. ولكن الحقيقة هي أننا قد نحقق تقدمًا جيدًا بدون هؤلاء الأفراد الوكلاء، وقد نفهم العالم بشكل أفضل إذا لم نكن نعتمد عليهم بشدة.

الأوكتافيا

وفي الأدب الروماني، أجد أن مثالي المفضل لمنتوج أدبي مجهول المصدر، يسخّر مجهوليته ليقدم نموذجا على قطعة مكتوبة موثوقة، والنموذج هو الملحمة التاريخية الرائعة، التي تجسدت في مسرحية الأوكتافيا.

من المستحيل أن نحدد اليوم ما إذا كانت هذه المسرحية مجهولة المؤلفين عند صدورها، أو ما إذا كانت قد فقدت اسم مؤلفها بسبب انتقال النص عبر التاريخ، لكن هذا لا يهم حقا. سواء كان المؤلف غائبًا منذ الإصدار، أو أنه نُسي لاحقا، فإن تأثير المسرحية يتضخم من خلال مجهولية مؤلفها.

إن التحيزات المناهضة لمجهولية الأعمال الأدبية في النمط الكنسي الكلاسيكي التقليدي، تعني أنه من غير المحتمل أن تكون قد سمعت عن هذه المسرحية الغريبة، وهي عبارة عن إحدى تحف المجهولية. وتتحدث المسرحية عن طلاق الإمبراطور الروماني نيرون، من زوجته أوكتافيا، ونفيها، في عام 62 قبل الميلاد. 

وتستعرض التوتر الداخلي والردة الثورية على القوة المطلقة لنيرون، الخارجة عن السيطرة، وتمثَّل هذا الصراع بتَوْق وإلحاح أكثر من أي مسرحية أخرى تم تأليفها في عصر روما القديمة، تقريبا.

وتتضمن المسرحية مجموعة كبيرة من الأبطال والأشرار الجديرين بالذكر؛ فهناك أوكتافيا، زوجة نيرون الأولى، المتحدية في طبيعتها والتي نُبذت بوحشية، وهي الضحية القُربانية المثيرة للشفقة للطاغية المتعطش للدماء، نيرون. وهناك نيرون، الطاغية، والإمبراطور المهووس بالسيطرة والدوس على كل شيء خيّر وجيّد يعترض طريقه، والذي يصرخ "اقطعوا رؤوسهم" طوال المسرحية، وهناك مستشار نيرون المفضل وغير المجدي البتّة، سينيكيا. وشبح والدة نيرون التي قتلها أغريبينا، والتي تلعب دور رمز الانتقام في الملحمة، لاعنة ابنها الذي أمر بتقطيعها.

وتشمل المسرحية أيضا، جوقة متمردة وثورية تمثل الشعب الروماني، الذين يدعم أوكتافيا، عبر نشر أعمال الفوضى وتكسير التماثيل، وهي القوة التي تحدت نيرون إلى أن استجاب لها بقمعها وحشيا.

وتُعد المسرحية بمثابة تحفة فنية ملتزمة من الأدب السياسي، فهي تهاجم الإمبريالية بشكل جميل، كما إنها أفضل من العديد من الأعمال المشهورة.

ولقد سافرت إلينا مسرحية الأوكتافيا، عبر العصور القديمة كجزء من مدونة لوكيوس سينيكا (ذات شخصية سينيكا في المسرحية)، وهو فيلسوف بلاط نيرون، ومفكر يتبع المذهب الرواقي، خلّف وراءه إرثا أدبيا ذا شقين؛ فمن ناحية، ترك لنا مخطوطات ورسائل فلسفية، ومن الناحية الأخرى، قدم للتاريخ ملاحم تجسد موضوعات أسطورية يونانية تطرح الأسئلة الأخلاقية والسياسية الكبيرة السائدة في ذلك العصر.

وتندرج الأوكتافيا في المجموعة الثانية، الملاحم والمآسي، حيث أنها تشبهها كثيرا من الناحية اللغوية، والموضوعية، والدراماتيكية. فعلى سبيل المثال، يشارك الطاغية الوحشي نيرون، في مسرحية أوكتافيا، طوبولوجيا قوية مع مدمني القوة المذهلين في ملاحم سينيكا. ولكن هناك عدة أسباب تستبعد أن يكون هذا الفيلسوف مؤلفها، أولا، عدم احتمالية إدراج المؤلف لشخصيته في المسرحية؛ ثانيا، هناك لحظات معينة في الدراما تبدو أنها تنبئ بالأحداث التي حدثت بعد وفاة سينيكا، ولم يكن سينيكا مستبصرًا على حد علمنا؛ ثالثًا، الأسلوب اللغوي للمسرحية مميز بطبعه، مقارنةً ببقية المسرحيات التي ألفها سينيكا. لذا، إن لم يكن سينيكا مؤلف الأوكتافيا، فمن إذن؟

تستفز المؤلفات مجهولة المصدر، قراءَها للسؤال عن مبتكرها، لكن هناك أسباب وجيهة لمقاومة هذا المحفز على إجراء تحقيقات حول هويته. وعند النظر إلى الأوكتافيا مثلا، يجب علينا أن نأخذ مسألة انعدام هوية الكاتب بجدية، على أن العمل لا يريد مؤلفا. وبالطبع، أنه يُصبح أكثر إبداعا بدون معرفة مؤلفه.

ما أعنيه هنا، هو أن هناك بعض الأسباب الجيّدة التي دفعت المسرحية إلى تجنب الصدور تحت اسم معروف، وأن تختار المجهولية بدلا من ذلك، ولنتطرق بشكل مختصر إلى التوجه المؤامراتي في فهم منطق المجهولية؛ أولا، الحساسية السياسية، أو خطوة "المجهولية كطريقة للحماية الذاتية"، فمن المرجح أن تكون المسرحية قد نُشرت وقُدمت بعد نحو 20 عاما من وفاة الإمبراطور نيرون. وفي تلك اللحظة من التاريخ، كان نيرون لا يزال يملك شعبية هائلة، خصوصا بين الطبقات الدنيا في روما، ولكن أيضا بين بعض أطياف النخبة. وتطلّب ترسيخ القناعة بنيرون كحاكم دموي ووحشي، بعضا من الوقت قبل أن يُجمع عليه. وبناء على ذلك، قد يكون من الخطورة في هذه المرحلة إرفاق اسمك بالمسرحية التي استعرضت نيرون على أنه يمثل الشر، ففي نهاية المطاف، كانت السياسة العليا للإمبراطورية الرومانية مساحة غير مستقرة وقابلة للتغيير، حيث لم يكن بالإمكان تنبؤ ما إذا كان أبطال اليوم أشرار الغد.

ورغم معقولية هذا الافتراض، فإنه يتخذ وجهة النظر التقليدية للغرض من المجهولية وأثرها. فهو اعتقاد يعتبر أن محافظة الكاتب على مجهولية هويته، هو نوع من المراوغة أو الإستراتيجية الوقائية. ويمكنها أن تكون كذلك بالفعل، لكن الإستراتيجية الأدبية والفنية أوسع من ذلك.

بدل هذا التعقيد السلبي لأسباب وتأثيرات مجهولية مصدر الأوكتافيا، يمكننا أن نجد احتمالا أكثر إيجابية وفاعلية، والذي يتلخص بأنه بغض النظر عن هوية مؤلف المسرحية، فإنه كان يأمل نقد الشمولية و"الحقيقة" التي تحققها الأمثال. فقد أُجبر سينيكا وغيره من الشخصيات السياسية البارزة التي كانت تحيط نيرون، على الانتحار بعد خذلانهم للإمبراطور، لذلك فإن ثلّتهم النخبوية المعارضة الناجية من بطش نيرون، كانت لديها سبب وجيه لتبني توجه معادٍ لنيرون، ومحاولة تدمير ذكرى نيرون بعد وفاته. وعلى فرض أن أحد هؤلاء الأشخاص هو من ألف الأوكتافيا، فإن المخاطرة ستكون أن المسرحية ستبدو منحازة، وغير كاملة، يحفزها الثأر الشخصي، وليست "خالية تمامًا من النقمة والمصالح"، وفقًا لوصف كوينتيليان للمثل أعلاه.

لكن ما الذي سيحدث في حال بدا أن المسرحية لم تُنتَج على يد أحد؟

من المرجح أن يشعر قراؤها أو مشاهدوها في ذلك العصر خصوصا، بأنها تمثل مسرحا سياسيا أكثر قوة ومثالية؛ أي مسرحية تحاول حقا أن تعبر عن الرأي الجماعي لـ"الشعب الروماني"، حتى عندما تساعد على خط هذه النظرة. وأنها ستتعامل مع مشاهديها بمنطق انعدام الشخصية الشبيه لما نراه في الخطاب العلمي الحديث، والذي تتعزز قيمته الحقيقية بفكرة أنه ما من تدخل لأفراد في توجيه الحقائق الموضوعية.

وبذلك فإن الأوكتافيا تحاول تضخيم ذكرى نيرون كإمبراطور وحشي، وعرضها دون مؤلف يُساهم في تحويل هذا الهدف إلى ما هو أبعد من توجه الطبقة العليا حديّ السيف (سيف ذو حدين)، ويجعلها تبدو انفجارا عشوائيا و"حقيقيا" للكلمات، أو وجهة النظر المجمع عليها، التي ساهمت العديد من الأفواه بتشكيلها، وشعارا للتداول اللانهائي والموافقة النهائية والاستيعاب النهائي للحكم المشترك المتمثل في "الذاكرة الثقافية". بالتأكيد بالنسبة لنا، بعد أقل من ألفي عام بقليل، فإن إخفاء الهوية في أوكتافيا لديه القدرة على جعل الخيال راويًا للتاريخ.

وتُعد الأوكتافيا مجرد مثال واحد على كيفية قيام بعض الأعمال الأدبية الرومانية الخاصة بتعبئة مجهوليتها بشكل مباشر، لإحداث تأثير كبير، وبدلا من التعامل مع هذه الأعمال على أنها معيبة أو ناقصة إلى حد ما، أي لأنها مشلولة بغياب القدرة على تحديد مؤلفيها، أود أن أنوه إلى أنه ينبغي التعامل معها كشهادات فريدة من نوعها لقدرة الأدب على تحقيق الإبداع المبهر، وهي حقيقية ووهمية في آن واحد.

تملك المجهولية طرقًا غريبة لإقناع القارئ بالاستثمار في "حقيقة" الكلمات الموجودة على الصفحة. وبعبارة أخرى، يستحضر الأدب بدون مؤلفيه مصدر سلطته الغريبة. وإذا ما تجاهلنا قوة المجهول، فإننا نفتقد شيئًا كبيرًا. لكننا لا نفتقد المؤلف.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة