كيف يُحرّض الخيال الدستوبي على "تطرّفٍ" واقعي؟

كيف يُحرّض الخيال الدستوبي على "تطرّفٍ" واقعي؟
كيف يُحرّض الخيال الدستوبي على "تطرفٍ" واقعي؟ (Pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتبة والمحاضرة المساعدة في قسم الحكومة والسياسة في جامعة ميرلاند الأميركية، كالفيرت جونس، ولمدربة التطوير القيادي في كلية الأعمال بجامعة شيكاغو، سيليا باريس.


روى البشر قصصًا بطبيعتهم، وتحمل القصص التي نرويها آثارا عميقة حول الطريقة التي نرى فيها دورنا في العالم، ونشهد اليوم تزايدا مستمرا في شعبية القصص الخيالية الدسوتوبية، أي تلك التي تستعرض مستقبلا قاتما للبشرية، فبحسب إحصائيات موقع "غود ريدز"، وهو عبارة عن مجتمع رقمي يجمع نحو 90 مليون قارئ حول العالم، فإن حصّة الروايات والكتب التي يصنفها تحت الفئة ذات "الطابع الدستوبي"، كانت الأعلى من مجمل القراءات عبر الموقع في عام 2012، منذ أكثر من نصف قرن.

ويبدو أن "الطفرة" بدأت بعد الهجمات التي تلقتها الولايات المتحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 2001. وتسارع ارتفاع حصة القصص "الدستوبية" عام 2010، مع اندفاع دور النشر للاستفادة من نجاح روايات "ألعاب الجوع" (2008-10)، الثلاثية الساحرة التي ألفتها الكاتبة، سوزان كولينز، التي تتناول مجتمعا استبداديا متخيلا ينشأ على "أنقاض مكان سُمي في السابق أميركا الشمالية". ما الذي يجب أن نستخلصه من حقيقة أن الخيال الدستوبي يحظى بشعبية كبيرة؟

سُكب حبرٌ كثيرٌ في محاولات استكشاف سبب جاذبية هذه الروايات، لكن السؤال المهم الآخر هو: ما الذي يعنيه ذلك؟ أيُحتمل أن يؤثر الخيال الدستوبي على السلوك السياسي لأي شخص في العالم الواقعي؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف يتم ذلك؟ وكم يجب أن نهتم بتأثيره؟

في بحثنا، شرعنا في الإجابة على هذه الأسئلة باستخدام سلسلة من التجارب، وقبل أن نبدأ، كنا نعلم أن العديد من الباحثين السياسيين سيشككون بتأثير هذا النوع من الروايات الخيالية على السياسة، فعلى كل حال، يبدو من غير المحتمل أن يتمكن الخيال، وهو أمر "مُختلق" بطبيعته، من التأثير على وجهات النظر في العالم الواقعي. ومع ذلك، تُظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث أنه ما من اختلاف كبير في الدماغ بين الخيالي واللا خيالي. وغالبًا ما يدمج الأشخاص دروسا من قصص خيالية، في معتقداتهم ومواقفهم وأحكامهم، دون إدراك منهم أحيانا.

بل أكثر من ذلك، فربما يكون الخيال الدستوبي قويا بشكل خاص لأنه سياسي بطبيعته. ونركز هنا على نوع القصص الدستوبية التي تجسد أنظمة طغيانية مُتَخَيَّلة، تعرض من خلالها عالما بديلا مظلما وسوداويا ومخيفا، تعمل فيه كيانات جبّارة على قمع المواطنين والتحكم بهم، بانتهاك للقيم الأساسية بشكل بديهي.

وفي حين يُمكن اعتبار الروايات عن ما بعد نهاية العالم، بما في ذلك تلك التي تصور عالما يسيطر عليه "الموتى الأحياء" (الزومبي)، "ديستوبية" أيضا، إلا أن معاييرها مختلفة تماما على المستوى السياسي عن الخيال الاستبدادي، فهي تركز بشكل أساسي على الفوضى وانهيار النظام الاجتماعي، وبالتالي، من المرجح أن تؤثر على الناس بطرق مختلفة.

وبالتأكيد، حتى الروايات الخيالية عن الاستبداد الدستوبي، تختلف عن بعضها البعض، وهناك بعض الأمثلة الرائجة على هذا النوع من القصص المتنوعة، فهناك رواية "1984" لمؤلفها جورج أورويل (1949)، التي تركز على التعذيب والمراقبة، وهناك حصاد الأعضاء في سلسلة روايات "التفكك" لنيل شورسترمان (2007)، والجراحة التجميلية الإلزامية في سلسلة راويات "أغليز" (2005) بقلم سكوت فيسترفيلد، والتحكم في العقل في كتاب "المانح" لمؤلفه لويس لووري (1993)، وعدم المساواة بين الجنسين في "حكاية الأمة" لمارجريت أتوود (1985)، والزواج بتدبير الحكومة في ثلاثية "المتطابقون" (2010) لمؤلفتها آلي كونداي، والكوارث البيئية في سلسلة "عدّاء المتاهة" (2009) لجيمس داشنر.

"مثاليات التطوير أفُسدت بمأساوية" (توضيحية - Pixabay)

لكن جميع هذه السرديات تتوافق مع أعراف هذا النوع من القصص الدستوبية، من حيث الشخصية، والإطار، وغيرها من التفاصيل، وكما أشارت محررتا كتاب "الكتابة الطوباوية والدستوبية للأطفال والبالغين" (2003)، كاري هينتس، وإلين أوستري، فإن هذه المجتمعات المُتخيَّلة تتميز بأن "مثاليات التطوير أفُسدت بمأساوية". ورغم وجود بعض الاستثناءات أحيانا، إلا أن الخيال الدستوبي يُثمنّ في أحيان كثيرة التمرد الدرامي والعنيف لعدد قليل من "الشجعان".

ولاختبار تأثير الخيال الدستوبي على المواقف السياسية، قسمنا أشخاصًا من عينة من البالغين الأميركيين في ثلاث مجموعات، بشكل عشوائي، وقرأ أفراد المجموعة الأولى مقتطفات من "ألعاب الجوع"، ومن ثم قاموا بمشاهدة لقطات من الفيلم الذي استُوحيَ من الرواية عام 2012. وفعل أعضاء المجموعة الثانية الأمر ذاته ولكن مع سلسلة روايات "المتباينة" لمؤلفتها فيرونيكا روث، التي تعرض مستقبلا متخيلا قُسِّم فيها المجتمع الأميركي إلى مجموعات مكرسة لقيم معيّنة، أما أولئك الذين تتخطى قدراتهم حدود المجموعات الخمس، فيُنظر إليهم على أنهم يمثّلون تهديدا. وفي المجموعة الثالثة، أي المجموعة الضابطة التي لم تنكشف لروايات أو أفلام دستوبية قبل الإجابة على أسئلة حول مواقفهم الاجتماعية والسياسية.

ووجدنا أمرا مذهلا، فعلى الرغم من أن السرديات الدستوبية كانت خيالية، إلا أنها أثرت عميقا على المشاركين، فقد أعادت ضبط بوصلاتهم الأخلاقية. فعند مقارنة الأشخاص الذين انكشفوا على الخيال الدستوبي مقابل المجموعة الضابطة (غير المنكشفة)، أظهرت أنهم كانوا سيقولون إن الأعمال المتطرفة مثل الاحتجاج العنيف والتمرد المسلح؛ مبررة، بنسبة أعلى بـ8 بالمئة من أفراد المجموعة الضابطة. كما اتفقوا بسهولة أكبر على أن العنف ضروري أحيانًا لتحقيق العدالة، بزيادة مماثلة بنحو 8 بالمئة.

لماذا يُخلِّف الخيال الدستوبي هذه الآثار المذهلة؟ ربما نتجت هذه الأرقام عن آلية تهيئة بسيطة، إذ كان من الممكن أن تثير مشاهد العنف انفعالا بسهولة، وبطريقة جعلت المشاركين في دراستنا أكثر رغبة في تبرير العنف السياسي، وعلى سبيل المثال، قد تزيد ألعاب الفيديو العنيفة من الإدراك العدواني، وغالبًا ما يحتوي الخيال الدستوبي على مجازات عنيفة لمتمردين يقاتلون ضد القوى المسيطِرة.

ولاختبار هذه الفرضية، أجرينا تجربة ثانية، مرة أخرى مع ثلاث مجموعات، مستعينين هذه المرة بعينة من طلاب الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. انكشفت المجموعة الأولى على سلسلة "ألعاب الجوع"، وكما كان الحال من قبل، قمنا بتضمين مجموعة ضابطة بدون انكشاف أعضائها قبل الأسئلة على أي عمل دستوبي، ولكن المجموعة الثالثة انكشفت على مشاهد عنيفة من فيلم "السرعة والغضب" الشهير (2001)، وتماثلت هذه المشاهد العنيفة مع اللقطات المقتطفة من فيلم "ألعاب الجوع"، من حيث المدّة ونوع العنف.

ومرة أخرى، شكَّل الخيال الدستوبي الأحكام الأخلاقية للناس، وزاد من استعدادهم لتبرير العمل السياسي الراديكالي مقارنة مع أفراد المجموعة الضابطة، وكانت الزيادات مماثلة من حيث الحجم لما وجدناه في التجربة الأولى، لكن مشاهد الإثارة والحركة التي بثّها فيلم "السرعة والغضب"، والمتماثلة في عنفها مع لقطات "ألعاب الجوع"، لم تحمل التأثير ذاته؛ لذا لم تستطع الصور العنيفة وحدها أن تفسر نتائجنا.

واستكشفت تجربتنا الثالثة ما إذا كان العنصر الرئيسي هو السردية بحد ذاتها، أي القصة عن مواطنين شجعان يقاومون حكومة ظالمة، سواء كانت خيالية أو غير خيالية. لذا، فقد كشفنا المجموعة الثالثة هذه المرة، على مقاطع إعلامية حول احتجاج حقيقي على ممارسات الحكومة التايلاندية الفاسدة. وأظهرت مقاطع من قناتي "سي إن إن"، و"بي بي سي"، ومصادر إخبارية أخرى ارتداء قوى الأمن معدات مكافحة الشغب، واستخدامها لأساليب عنيفة مثل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، لقمع جماهير المواطنين المحتجين على الظلم.

وعلى الرغم من كونها صورا حقيقية تشير إلى أمور حصلت على أرض الواقع، إلا أنها لم تؤثر كثيرا على المشاركين. فلم يبدِ أفراد المجموعة الثالثة، استعدادا أكبر لتبرير العنف السياسي من أفراد المجموعة الضابطة، لكن أولئك الذين انكشفوا على سردية "ألعاب الجوع" الخيالية الدستوبية، أبدوا استعدادا أكبر بكثير لتبرير الأعمال السياسية الراديكالية والعنيفة، مقارنة مع أولئك الذين انكشفوا على أخبار واقعية، وكان الفرق نحو 7-8 بالمئة، قابلا للمقارنة مع التجربتين السابقتين.

(توضيحية - Pixabay)

إذا، يبدو أن الناس بشكل عام، قد يكونون أكثر ميلًا لاستخلاص "دروس في الحياة السياسية" من رواية عن عالم سياسي متخيّل أكثر من التقارير الإخبارية المستمدة من الواقع.

هل يعني ذلك أن الخيال الدستوبي يمثل تهديدا للديمقراطية والاستقرار السياسي؟ ليس بالضرورة، على الرغم من حقيقة أن خضوعه للرقابة في بعض الأحيان يشير إلى أن بعض القادة يفكرون في هذا الاتّجاه، فعلى سبيل المثال، لا يزال كتاب "مزرعة الحيوانات" لجورج أوريل (1945)، محظورا في كوريا الشمالية، وحتى في الولايات المتحدة، فإن أفضل 10 كتب أكثر استهدافًا للإزالة من المكتبات المدرسية في العقد الماضي شملت "ألعاب الجوع"، و"العالم الجديد الشجاع" لكاتبه ألدوس هاكسلي.

وتقدم السرديات الدستوبية درسا يقول إن العمل السياسي الراديكالي يمكن أن يكون ردا مشروعا على ظلم متصوَّر، ورغم ذلك، إن المضامين التي يستخلصها الأشخاص من وسائل الإعلام، سواء كانت خيالية أو غير خيالية، قد لا تترسخ دائما، وحتى عندما تترسخ، فإن الناس لا يتصرفون بناءً عليها بالضرورة.

ويستمر الخيال الدستوبي بمنح عدسةٍ يستخدمها الناس للنظر لأخلاقيات السياسة والسلطة، وقد تؤثر هذه الروايات إيجابيا على إبقاء المواطنين في حالة تأهب لإمكانية التعرض للظلم في سياقات عدة، بدءًا من تغير المناخ والذكاء الاصطناعي إلى موجة استبدادية في جميع أنحاء العالم، لكن انتشار الروايات الدستوبية قد يشجع أيضًا وجهات نظر راديكالية مانوية تبالغ في تبسيط مصادر حقيقية ومعقدة للخلاف السياسي. لذا، في حين أن جنون الاستبداد الدستوبي قد يغذي دور المجتمع "الرقابي" في إخضاع السلطة للمحاسبة، فإنه يمكن أيضا أن يوجه البعض إلى التصرفات العنيفة، على عكس الجدل المدني القائم على الحقائق وحلول الوسط اللازمة من أجل ازدهار الديمقراطية.

اقرأ/ي أيضًا | لماذا الأميركيون السود أكثر عرضة للوفاة من كورونا؟