أثر كورونا.. الوظائف تُفقد والبطالة تزيد والأثرياء يزدادون ثراء

أثر كورونا.. الوظائف تُفقد والبطالة تزيد والأثرياء يزدادون ثراء
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال لـMEAGAN DAY، كاتبة في الشؤون السياسية والاجتماعية في مجلة "جيكوبن" اليسارية


في الأسابيع الخمسة الماضية، تقدم أكثر من 24 مليون أميركي للحصول على إعانات البطالة، ويمثل هذا الرقم سُبع تعداد القوى العاملة في البلاد، ويُقارن ذلك بالفترة التي سبقت تفشي فيروس كورونا المستجد، والتي كان يسجل فيها نحو مليون أميركي كل خمسة أسابيع، أنفسهم للحصول على هذه الإعانات.

وفي حين يُعد تجميد النشاط الاقتصادي أمرا ضروريا للغاية لإبقاء أكبر عدد من الناس في منازلهم للحد من انتشار الفيروس، إلا أن الدمار الاقتصادي الشامل الذي قد ينجم عن ذلك ليس نتيجة حتمية.

وعلى سبيل المثال، اتخذت حكومات دول أوروبا الغربية والشمالية، خطوات شديدة (خضوعا لضغوطات اليسار والنقابات العمالية في معظم الحالات) لحماية وظائف العمال خلال الأزمة لكي تنتظرهم عندما تُصبح عودة النشاط الاقتصادي السابق للأزمة، آمنة، ولتوفير الإغاثة الوافية في الفترة الانتقالية.

ويصف الباحثون في معهد "السياسة الاقتصادية" الأميركي، هذا النهج بـ"التجميد العميق للاقتصاد"، إذ تكمن فكرته الأساسية بوجود إمكانية لإذابة هذا "الجليد"، واستعادة الاقتصاد بسرعة عندما ينتهي الوباء. وبالطبع، سيكون الإجراء مُكلفا، ولكن الركود الاقتصادي اللانهائي لن يكون أقل كلفة.

أما الولايات المتحدة فقد اختارت ألا تسير في هذا الطريق. وأذن الكونغرس بإنفاق تريليونات الدولارات وسط الأزمة، ولكن باستثناء واحد، وهو أنه لم يتخذ أي إجراءات لضمان أجور العمال مباشرة، وبدلاً من ذلك سمح بالتسريح الجماعي لهم دون إعاقة مثل هذه الخطوة، وذلك دون احتساب العاملين في قطاع الطيران (الذين تلقوا إعانات لإنقاذ القطاع)، وحتى المساعدة التي قُدمت لهم كانت نتيجة ضغط نقابة مضيفي الطيران على السلطات. وليس هناك ضمانات لأن تُتاح هذه الوظائف التي خسرها العمال خلال الأزمة، عند استئناف النشاط الاقتصادي، مما يضمن على الأرجح، ارتفاع معدلات البطالة لفترة طويلة قادمة.

تقشف في الخلفية

في خضم ذلك، وفي حين مددت الحكومة الفيدرالية تأمينات البطالة، يعاني العمال في الولايات المتحدة من عدم آهلية البنية التحتية للرعاية الاجتماعية. وفي الصيف الماضي، نشر القائمون على مؤسسة "مشروع قانون العمل الوطني" ورقة بحثية بعنوان "هل أنظمة البطالة الحكومية لا تزال قادرة على مواجهة الركود؟"، وخلصوا إلى أنها غير قادرة على ذلك. وأظهروا بدلاً من ذلك أن العديد من أنظمة البطالة الحكومية مختلة وظيفيا عن عمد، فقد صُممت لكي تُعسّر التقدم بطلبات للحصول على الإعانات وتلقيها، ويُمكنك أن تنظر إليه كسياسة تقشف تفرضها المعاملات الحكومية. وأوصى مؤلفو الدراسة بإصلاحات رئيسية لمكافحة التقشف من أجل الاستعداد للركود القادم الحتمي.

لكن الأوان قد فات الآن، ففي أكثر الولايات تعديا على قوانين العمال، مثل فلوريدا وكارولاينا الجنوبية، تُدمر بنية أنظمة البطالة التحتية المعطلة أصلا "بعملية تقديم الطلبات. ونتيجة لذلك، لا يستطيع العمال الذين يحتاجون الإعانات أن يحصلوا عليها". أما في الولايات الأخرى، فكثير من تلك التي "صُممت برامج من أجل أن تفشل، قد تنهار تحت وطأة موجة طلبات (الإعانات) الجديدة".

نتيجة لهذه الأخطاء وغيرها، والتي لم يكن أي منها عرضيا، فقد اتُخذت جميعها بمراعاة لمصالح دافعي الضرائب الأثرياء، فإن الطبقة العاملة الأميركية، التي لم تقف على قدميها مجددا منذ الأزمة الاقتصادية المدمرة الأخيرة التي عصفته بها منذ أكثر من عقد من الزمن، تتعرض لدرجات هائلة من البؤس غير الضروري. وكان يمكن تفادي قدر كبير من هذا الألم من خلال الإنفاق الاجتماعي الوافي، وتصميم برنامج لمكافحة التقشف، لكن المشرعين الأميركيين استمروا بدلاً من ذلك بتمزيق شبكة الأمان الرثة أصلا، بينما تصاعدت فجوة انعدام المساواة في المجتمع، وثروات أثرى أثرياء البلاد واصلت التحليق.

طفرة ربحية لأصحاب المليارات

يأخذنا ذلك إلى سؤال آخر، كيف يتدبر أثرى الأثرياء أمورهم في هذه الفترة الشاقة؟ أصدر معهد "دراسة السياسيات" تقريره السنوي "بونانزا أصحاب المليارات" مؤخرا، أظهر أن الكثيرين منهم يعيشون أزهى فترات حياتهم، إذ ازدادت ثروات 34 مليارديرا أميركيا بعشرات ملايين الدولارات منذ مطلع العام الجاري. بل وارتفعت ثروة ثمانية أشخاص منهم بأكثر من مليار دولار. وزادت ثرواتهم مجتمعة بنحو 10 بالمئة.

وكتب معدو التقرير: "في هذا الربيع، وفي مواجهة جائحة عالمية، تثني عناوين الصحف الرئيسية على إحسان أصحاب المليارات الذين يتبرعون بما يصل إلى 0.00001 بالمئة من ثرواتهم لمساعدة إخوانهم من البشر المحتاجين". وأشاروا إلى أن مجلة "فوربس" نشرت أحد أعدادها تحت عنوان "وكلاء التغيير: كيف يستخدم أصحاب المليارات في العالم ثرواتهم لإعادة ابتكار مشاريعهم التجارية وتقديم المساعدات وسط جائحة فيروس كورونا".

وهؤلاء هم الأشخاص ذاتهم الذين يدفعون بجماعات الضغط ويقدمون التبرعات للسياسيين من أجل خفض الضرائب المفروضة على الأغنياء. وبسبب هذه المحاولات، خُفضت الضرائب على أصحاب المليارات بأكثر من 79 بالمئة على مدار العقود الأربعة الماضية، وقفز إجمالي ثروة أصحاب المليارات من 240 مليار دولار في عام 1990 إلى ما يقرب من ثلاثة تريليونات دولار اليوم.

وبالطبع، يصبح كل هذا ممكنا على حساب التقشف وبرامج الإنفاق العام. وبعبارة أخرى، هؤلاء هم الأشخاص ذاتهم الذين أقنعوا السياسيين بتصميم برامج تأمين ضد البطالة التي خذلت أفراد الطبقة العاملة. إنهم ليسوا أبطال الأزمة، بل أشرارها.

ملك تفادي الضرائب

يُعد الملياردير مالك شركة "أمازون"، جيف بيزوس، أكبر رابح من الوباء، فيشير مؤلفو الدراسة إلى أن "إغلاق مئات الآلاف من الشركات الصغيرة يمنح 'أمازون' الفرصة لزيادة حصتها في السوق، وتعزيز مكانتها في سلسلة التوريد، واكتساب المزيد من سلطة التسعير على المستهلكين".

والحق يُقال إن "أمازون" تبيع وتشحن سلعا مفيدة أثناء الإغلاق، ولكن بيزوس يُعرّض موظفيه لظروف عمل خطيرة مرتبطة بالوباء، والتي لا يُسمح لهم بتجنبها إلا بخسارة عملهم. ونتيجة لذلك، أصبحت مستودعات "أمازون" في جميع أنحاء البلاد، بؤرًا لمرض "كوفيد 19". وعندما دافع العمال عن سلامتهم وسلامة الجمهور، واجهوا انتقام الإدارة، والذي وصل إلى حد طردهن أو تشويه سمعتهم.

ومنذ بداية الأزمة، ازدادت ثروة بيزوس بـ25 مليار دولار، أي أكثر من إجمالي الناتج المحلي السنوي لـ88 دولة. ولإثبات سخائه الخيري، قدم 100 مليون دولار من هذا المبلغ لمنظمة "فيدنج أميركا" الخيرية.

وكي لا ننسى، يُعد بيزوس أيضًا "ملك" عدم دفع الضرائب، وهي عادة أثرا الأثرياء الذين ركّعوا دولة الرفاه الاجتماعي، مساهمين في ذلك بمضاعفة المعاناة الجماعية للطبقة العاملة الناجمة عن الإغلاق الاقتصادي. لكن كل هذه المعلومات ما هي إلا "ملهيات" لا أكثر.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"


أثر كورونا.. الوظائف تُفقد والبطالة تزيد والأثرياء يزدادون ثراء