كورونا... وداعا يا حكومة، أهلًا يا مافيا

كورونا... وداعا يا حكومة، أهلًا يا مافيا
نقل إحدى ضحايا الفيروس في البرازيل (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال المحرر في مجلة "فورين بوليسي"، أندريه ويلسون.


فضحت جائحة فيروس كورونا المستجد، مواطن قصور وعيوب حكومات كثيرة حول العالم. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا، تسبب نقص وانعدام كفاءة الفحوصات، ورسائل القيادة المشتتة، بتراجُع ثقة الجمهور في القرارات التي يتخذها المشرّعون، أما في الدول النامية، فتفتقر حكومات كثيرة للقدرة على تتبُّع وعزل حالات الإصابة بالفيروس، ناهيك عن توفير حوافز اقتصادية ضخمة للأعمال التجارية التي تعاني بشدة من آثار عمليات الإغلاق والقيود التي فُرضت للحفاظ على قواعد التباعد الاجتماعي. وقد كافحت المؤسسات متعددة الأطراف لاتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة، بخاصة أنها أصبحت أشبهَ بساحات للاقتتال والتنافس بين دول كالولايات المتحدة والصين.

وفي خضّم ذلك، جاءت جهات فاعلة أخرى، بدءًا من المنظمات الخيرية وانتهاء بعصابات الجريمة المنظمة، لملء هذه الفجوات. ونلخص هنا بعض أفضل مقالاتنا حول المجموعات التي اغتنمت فرصة تعثّر الحكومات المركزية لكي تتدّخل حيث فشلت السلطات، وأحيانا، لمصلحتها الذاتية.

وعبّر رئيس الوزراء عمران خان، في وقت مبكر، عن خشيته من العواقب المدمرة لعدة إجراءات مُتخذة، وعلى رأسها خشيته من أن الإغلاق الذي فُرض على الصعيد الوطني وانتهى في التاسع من أيار/ مايو الجاري، ستكون له عواقب مدمرة، وبخاصة أن أكثر من 30 بالمئة من سكان باكستان يُعانون من الفقر.

تعقيم في باكستان وازدحام (أ ب)

وكتبت نُهى مقصود في 11 أيار/ مايو: "عندما جاء الإغلاق، إما تأخر الإغلاق أو كان تدريجيا، مما كشف عن افتقار الحكومة إلى سرعة اتخاذ القرار". وعلى النحو ذاته، في حين أطلقت الحكومة برنامج المساعدة النقدية الخاصة بها وصندوق الإغاثة، تقدم المواطنون العاديون إلى تلبية الاحتياجات المتبقية من خلال الأعمال الخيرية، واستخدمت المنظمات المحلية غير الربحية، وحتى الباكستانيون الذين يعيشون في الخارج، تطبيق "واتساب"، ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، لجذب التبرعات النقدية والغذائية والصابون ومعدات الحماية الشخصية للأشخاص والمستشفيات المحتاجة.

ولكن مثل هذه الجهود المجتمعية لا توفر سوى إنعاش مؤقت ومحدود، ولا سيّما أن الآثار الاقتصادية للحظر تمتدّ إلى ما بعد موعد انتهائه. وكتبت مقصود تعليقا على ذلك: "ليس لدى باكستان موارد وتمويل كافييْن لمواجهة الدمار الناجم عن الإغلاق. في الوقت الراهن، تعيش الدولة على استعداد مواطنيها للعطاء".

وفي جارتها أفغانستان، واجهت الحكومة انتقادات خلال تفشي الوباء لعدم إجراء فحوصات كافية لأولئك الذين يعبرون حدودها، بما في ذلك القادمين من إيران التي شهدت تفشيا مبكرا وبالغ الخطورة للفيروس، لكن حركة "طالبان" تدعي أنها فرضت إجراءات عزل على العائدين من إيران، وأنشأت مراكز حجر صحي خاصة بها. وكتبت آشلي جاكسون في السادس من أيار/ مايو الجاري، أن هذه المزاعم تندرج في إطار إستراتيجية دعائية أوسع تحاول الحركة الترويج لها، إذ نشرت الجماعة المتمردة مقاطع فيديو وإعلانات تشير إلى احتوائها الفيروس في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر أساليب متنوعة، بدءا من الإجراء الواسع لفحوصات درجة الحرارة، وحتى إنشاء فرق لتقديم المعلومات الصحية.

أفغاني يقي نفسه من الفيروس! (أ ب)

وادّعت جاكسون أن المدنيين الذين يعيشون تحت سيطرة "طالبان"، من المرجح أن يعانوا من تفشي الفيروس على نحوٍ غير متكافئ غالبا، طالما أن أعمال العنف المتزايدة تعطل منالية الرعاية الصحية والوصول لسلاسل الإمداد. وقالت الكاتبة إنه "من الأفضل للمانحين ووكالات الغوث أن يقروا علنا بأنه يجب على المتمردين أن يلعبوا دورا أساسيا (في محاربة الفيروس)، وأن يدعونهم إلى اتخاذ إجراءات محددة وملموسة لوقف انتشار الفيروس وتيسير العمل الصحي. وفي غياب جهود كهذه، فمن المرجح أن تستمر طالبان باستغلالها الوباء لتحقيق أهدافها الخاصة".

وشهدت دول مثل المكسيك والبرازيل والسلفادور، ارتفاعا حادا في جرائم القتل التي يرتكبها أفراد عصابات المخدرات والعصابات الإجرامية الأخرى، والتي تستغل فرصة تفشي الوباء أيضا بطريقة أخرى كذلك، لإنشاء قوّة ناعمة تتمثل بتوفير السلع والخدمات الأساسية للفئات الضعيفة، بحسب ما كتبه روبرت موغاه في الثامن من أيار/ مايو. وفي العديد من الأحياء الفقيرة، أخذت الجماعات الإجرامية، دور الشرطة في فرض أوامر الإغلاق وحظر التجول. ورأى موغاه أن "جاذبيتها (العصابات) قد تنمو في وقت يُفتقر فيه للقيادة الحكومية. وبالإضافة إلى تأجيج العنف المتزايد، يمكن للوباء أن يعزز النفوذ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لبعض المنظمات الإجرامية بالطريقة ذاتها التي ظهرت بها المافيا الإيطالية والياكوزا اليابانية كمنظمات أقوى بعد الاضطرابات الكبيرة في الحرب العالمية الثانية".

وأتاح التعثّر الإضافي لاقتصاد إيطاليا الناجم عن الوباء، فراغا جديدا لتملأه المافيا. وفي حين تمكنت المناطق الجنوبية للبلاد، من تجنُّب أسوأ الآثار الصحية للوباء، بقدر كبير، أدى الإغلاق الذي أعقب تفشي الفيروس، إلى فقدان عشرات الآلاف من العمال غير الرسميين، لعملهم اليومي، حسبما أفادت ستيفانيا ديغنوتي في الرابع من أيار/ مايو الجاري. وباتت البلديات تحتاج لوقت يفوق المتوقع، من أجل توزيع أموال الإغاثة القادمة من الحكومة المركزية، تاركة مجالا للجريمة المنظمة للتدخل. وكانت ديغونتي قد كتبت أن المافيا "في نابولي، تدخلت كمزود للطرود الغذائية وللقروض. وفي باليرمو، شوهد شقيق زعيم المافيا يوزع عبوات الطعام في أفقر أحياء المدينة".

وتقدم بعض المدن مثل باليرمو برامج خاصة بها للمساعدات الغذائية والنقدية، في محاولة لمنع شبكات المافيا من استغلال أولئك اليائسين والعاطلين عن العمل، وإجبارهم على شكل من أشكال السداد في وقت لاحق. وقال عمدة المدينة لديغونتي: "أرى أن قتال باليرمو ضد المافيا لعقود، ميزة لنا لأننا بتنا نعرف كيف بالفعل كيف نقاومها. نحتاج فقط أن نكون أسرع ما يمكن، ويمكننا أن نتجاوز هذا الأمر أيضا".

فحص أحد الذين يُحتمل إصابتهم بالفيروس بأفعانستان (أ ب)

في الواقع، ادعت نينا هاتيغان، وآنثوني إف. بيبا في الخامس من أيار/ مايو الجاري، أن فشل نظام تعددية الأطراف العالمي بمواجهة أزمة فيروس كورونا، خلَّف فرصًا لسلطات منبثقة عن الدول والمدن الكُبرى حول العالم، لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة وحسمًا، إذ قال كاتبا المقال اللذان ينظمان منتديات ومؤتمرات رقمية دُعي إليها رؤساء البلديات لمناقشة أفضل سبل للاستجابة الصحية، بالإضافة إلى كيفية إعادة فتح ودعم المشاريع التجارية الصغيرة، أن "المدن تتساعد مع بعضها البعض في سبيل سد الفجوة في التعاون العالمي". ويطور المسؤولون المحليون إستراتيجياتهم الخاصة مع وضع المجتمع العالمي في عين الاعتبار، في خضم معاناة نظام تعددية الأطراف مع الضغوطات الشديدة المُلقاة عليه.

من أحد أسواق السمك في البرازيل (أ ب)

ومع ذلك، يبقى دور المدن ثانويا في صناعة السياسات العالمية، وهو أمر قد يحتاج لأن يتغير بعد انتهاء الوباء. وكتب هاتيغان وبيبا: "مع بدء الحكومات في معالجة الركود الاقتصادي الذي أحدثته الاستجابة للفيروس، ستكون هذه المدن هي التي ستكافح بشدة لضمان أن يصبح التعافي الأخضر والمنصف هو القاعدة".