خسارة اللوبي الصهيونيّ لا تعني فوزا فلسطينيًا بالضّرورة

خسارة اللوبي الصهيونيّ لا تعني فوزا فلسطينيًا بالضّرورة
السياسيّ الأميركيّ، جمال بومان (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقالِ الصحافي المستقل المختص بالشؤون الفلسطينية الإسرائيلية، والحريّات المدنية، أليكس كاين


حقق السياسيّ الأميركيّ، جمال بومان، فوزا لافتًا على منافسه النائب، إليوت إنغل، الأسبوع الماضي، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لتمثيل ولاية نيويورك، في هزيمة لا جدال فيها لـ"اللوبي الصهيوني"، الذي جمعته بإنغل علاقة وثيقة على مدار عقود. ولكن الخسارة الواضحة للوبي الإسرائيلي لا تعني انتصار للحركة المناصرة لحقوق الفلسطينيين، إذ أن ملامح المنافسة على نيويورك تتيح مجالا للتمعن بمحدودية تأثير الحركة على السياسة الانتخابية، وإلى أي مدى يجب أن يتغير المجال السياسي الأميركي لكي تستطيع الحركة من دفع النقاش حول فلسطين في أروقة واشنطن.

على مدار 31 عاما، جسّد إنغل أكثر سياسات مؤسسة الحزب الديمقراطي تشددا (يمينية)، تجاه إسرائيل، مبديا معارضة ثابتة خلال هذه الفترة، لأي ضغوطات أميركية على إسرائيل بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ومتمسكا، بشكل صوريٍّ فقط، بدعم المفاوضات مع الفلسطينيين، ورافضا أي إيحاءات إلى أن تشييد المستوطنات الإسرائيلية على أراض فلسطينية يمثل عقبة جوهرية لهذه المفاوضات التي يدعي دعمها.

بدورها، عملت الجماعات المؤيدة لإسرائيل بتعاون وثيق من إنغل خلال صعوده في صفوف الحزب الديمقراطي، وأنفقت نحو مليوني دولار لإنقاذ عضو الكونغرس المولود في برونكس، التي بات مسؤولا عنها لاحقا، في الدورة الانتخابية الأخيرة. ومع شغله منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية ضمن المنصب الذي خسره، كان إنغل في وضع يسمح له بتشكيل مواقف الديمقراطيين في مجلس النواب بشأن التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وحقيقة أنه لن يشغل هذا المنصب بعد الآن، تمثل تغييرا هاما للمجموعات الداعمة لحقوق الفلسطينيين.

النائب الأميركي، إليوت إنغل (أ ب)

وقالت المحامية الحقوقية الفلسطينية، زها حسن إن "النائب إليوت إنغل كان من بين المشرعين الأكثر تشددا في ما يتعلق بسياسات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، مع فروقات قليلة جدا تميّزه عن زملائه الجمهوريين. وأثناء إعطاء الحزب الديمقراطي الأولوية لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج، وتعاظم قاعدته التقدمية، كان إنغل، يجلس بوابا في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، يتخذ مواقف تتماشى مع الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل".

وتأمل حسن ومناصرون آخرون لحقوق الفلسطينيين، أن يُترجم خروج إنغل من الكونغرس، بنقاش أكثر انفتاحا تجاه إسرائيل، وانتهاء الأيام التي استطاعت سمعة "لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" ("إيباك")، بصفتها قادرة على صناعة أو إنهاء الحياة السياسية للأفراد، أن تروع السياسيين لاتباع خطها السياسي اليميني المتطرف الداعم لإسرائيل. ولكن ما لا يزال مبهما، إذا ما كان بومان، "المربي التقدمي"، سيصبح حليفا للحركة الفلسطينية أم لا.

لا شك في أن الحركة الداعمة لحقوق الفلسطينيين ساهمت بتغيير الرأي العام في الحزب الديمقراطي عن الدعم المُطلق لإسرائيل، وإن بشكل محدود، بالإضافة إلى أن هذه الجماعات التي تحظى بوجود في الكونغرس، مثل "أميركيون مسلمون من أجل فلسطين" و"الصوت اليهودي من أجل السلام"، طورت علاقات وطيدة بمجموعة صغيرة من أعضاء الكونغرس التقدميين كذلك.

ولكن خوض حملة انتخابية يختلف عن الضغط في الكونغرس، خاصة في مقاطعة يمثّل سكانها اليهود 11 بالمئة من مجمل عدد السكان. وقد كان النقاش حول إسرائيل في المنافسة بين بومان وإنغل، محدودا للغاية، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الأول وداعميه لم يرغبوا بتنفير الجزء اليهودي من المقاطعة، وهو المجتمع الذي شكل أهميةً في فوزه.

وبالتالي، لم تكن الحملة ميدان مساءلة حول أسس العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أو سعي الولايات المتحدة لمحادثات إسرائيلية- فلسطينية غير مثمرة شهدت بناء إسرائيل للمستوطنات تحت غطاء الانخراط في "محادثات السلام".

أحد جنود الاحتلال قرب نابلس بالضفة الغربية المُحتلّة (أ ب)

ورغم أن جماعات الضغط الإسرائيلية حاولت تصوير بومان على أنه معاد متطرف لإسرائيل، إلا أن خطابه تجاه الدولة اليهودية كان معتدلا، وأقرب إلى حد كبير بخطاب جماعة "جي ستريت" اللبرالية اليهودية المؤيدة لإسرائيل، من تماهيه مع أي جماعة فلسطينية. ومع بلوغ الحملة أيامها الختامية، صاغ حاخام ريفيرديل البارز، آفي فايس، رسالة إلى بومان يشكك فيها بمدى تأييد الأخير الخالص لإسرائيل وينتقد موقفه المتمثل بقوله إنه لا ينبغي استخدام المساعدة العسكرية الأميركية لتمويل الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين. كما انتقد فايس، بومان، لعدم وضوح موقفه من حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي إس).

وكان رد بومان في صحيفة "ريفرديل تايمز" المجتمعية، "كاشفا" لممارسات إسرائيلية. فقد انتقد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وقارن العمل الشُرطي الأميركي ضد السود، بالاحتلال العسكري للفلسطينيين.

ومع ذلك، فقد تجنب تصريحاته السابقة بشأن اشتراط المساعدات، وبدلا من ذلك أكد أنه "يدعم استمرار المساعدة الأميركية لإسرائيل" في مواجهة "العنف والإرهاب من حماس والمتطرفين الآخرين". وكان أبرز ما قاله هو إنه يعارض "شخصيا، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل"، مضيفا أنه يدعم حق الأميركيين الدستوري بالمقاطعة إذا أرادوا ذلك.

وقد يكون الموقف حركة مقاطعة إسرائيل لانتهاكاتها لحقوق الإنسان، والتي يقودها المجتمع المدني الفلسطيني، الخط الفاصل الرئيسي بين الحركة المؤيدة لحقوق الفلسطينيين في الولايات المتحدة، وبومان. فبالنسبة للفلسطينيين وحلفائهم في الولايات المتحدة؛ يُعدّ دعم مقاطعة إسرائيل اختبارًا حاسمًا لمعرفة ما إذا كان السياسي يصغي للمجموعة الأكثر تأثرا بسياسات إسرائيل، أي، الشعب الفلسطيني.

لا شكَّ في أن بومان يدرك أن المجموعات المؤيدة لإسرائيل، حولت تأييد حركة المقاطعة الفلسطينية إلى ما يشبه الخطيئة، من خلال خلط دعمها بمعادات السامية، إذ هوجمت العضوين الوحيدتين في الكونجرس، اللتين تدعمان حركة المقاطعة علانية، وهما النائبان؛ رشيدة طليب وإلهان عمر، بلا هوادة بسبب دعمهما هذا.

عضوا الكونغرس؛ من اليمين: طليب وعمر (أرشيفية - أ ب)

وبِأَخْذ ذلك في عين الاعتبار، فإنه ليس مفاجئا أن بومان لا يدعم حركة المقاطعة. ومع ذلك، فإن هناك اختلافا كبيرا بين المعارضة الفعالة لحركة فلسطينية حقوقية وبين الصمت الإستراتيجي. وهنا نذكر أن منافسا يساريا آخر لإنغل، وهو آندوم غيبرغيورغيس، كان قد أبدى دعما لحركة المقاطعة، ولم يقتصر انتقاده على نتنياهو؛ بل رأى أن نتنياهو ما هو إلى القائد الإسرائيلي الأخير من سلسلة طويلة من القادة الإسرائيليين الذين سعوا لاحتلال الأراضي والتوسع الإقليمي. ولم تنطلق حملة غيبرغيورغيس كحملة بومان، لذا، فقد قدم تأييده لبومان في أوائل حزيران/ يونيو، للمساعدة في تعزيز الصوت التقدمي.

وبالنسبة لمناصري حقوق الفلسطينيين، تؤكد معارضة بومان لحركة المقاطعة، مدى عِظَم المخاوف من انتقاد إسرائيل في النقاشات الدائرة في واشنطن، إضافة إلى مدى العمل الذي يتطلبه تغيير الإطار من التمحور حول الأمن الإسرائيلي، إلى إطار يضع في قلبه الناس الذين يعيشون تحت نظام قمعي يحرم الفلسطينيين من حقوق الإنسان خاصتهم بسبب عرقهم فقط.

وتستعد هذه الجماعات لدفع بومان للتطرق لهذه القضية بمجرد وصوله إلى الكونغرس.

وقال المسؤول عن الشؤون الحكومية في "الصوت اليهودي من أجل السلام"، بيت ميلر، إن بومان "لم يخرج من الحركة المؤيدة لحقوق الفلسطينيين، ولا يعتبر (القضية الفلسطينية) قضية رئيسية بالنسبة له، ولا لهذا السباق (الانتخابي)، لكنه ينطلق من الفهم المدعوم بالقيم، بأنه يجب معاملة جميع الناس على قدم المساواة. وفيما يتعلق بالقضايا التي نختلف فيها، مثل دعم حركة المقاطعة كأداة لتنظيم العدالة الاجتماعية، نحن مستعدون، ونتطلع، إلى ما أنا متأكد منه، من أنه ستكون لدينا العديد من المحادثات معه كعضو حالي في الكونغرس".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ