كيف أنقذت روسيا الروبل؟

كيف أنقذت روسيا الروبل؟
أمام محل صرافة في موسكو ("أ ب")

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48"، لمقالة بادي هيرش، الكاتب، والصحافيّ، والمحلّل الاقتصاديّ، الذي له مؤلّفات في الاقتصاد، من بينها كتاب "Man vs Markets".

ترجمة: أنس سمحان.


أشارت روسيا مؤخّرا إلى أنها تريد من الدول الأوروبية التي تشتري غازها الطبيعيّ، أن تسدد مدفوعاتها بالروبل، وليس بالدولار أو اليورو، ولربما كان هذا سيبدو منعشًا للدول الأوروبية، حيث انخفضت قيمة الروبل في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا 40%، أي عند 139 روبلا للدولار.

ولكن منذ تلك النقطة المنخفضة في 7 آذار/ مارس، شهد الروبل الروسي انتعاشًا كبيرًا، صار تداوله في وقت كتابة هذا التقرير عند 84 للدولار، وهو ما يعيده إلى ما كان عليه في وقت بداية الغزو، وهذا الصعود ليس ارتدادًا ميتًا، وإنما انتعاش سريع ومستدام جعل الروبل العملة الأفضل أداءً في العالم في شهر آذار/ مارس، على الرغم من جميع العقوبات التي فُرضت عند بدء الحرب، والتي لا تزال قائمة، وفي بعض الحالات زادت من شدّتها، فكيف تمكّن الروس من إنعاش عملتهم؟

عقوبات مثقوبة

لهذا الانتعاش عدة مكونات، يعود أولها للثغرة الهائلة في العقوبات المفروضة: الغاز الطبيعي. تهدف العقوبات إلى تقييد قدرة روسيا على الحصول على العملات الأجنبية مثل الدولار واليورو على وجه الخصوص، لكن العديد من الدول الأوروبية تواصل شراء الغاز الروسي، لأنها تعتمد عليه بشدة، ولعدم وجود مُوَرّدين بديلين كافين لتلبية الطلب. أضف إلى ذلك الزيادة في أسعار النفط والغاز الطبيعي، فضلا عن مرونة العلاقات التجارية لروسيا مع الاقتصادات الكبرى الأخرى مثل الصين والهند، والنتيجة؟ يوجد تدفُّق ثابت ومستمر للعملات الأجنبية إلى روسيا، وقد خفَّف هذا من المخاوف من أن تصبح روسيا معسرة، وساعد في وضع حدٍّ أدنى لانهيار الروبل.

الرئيس الروسي، بوتين (Getty Images)

وتجدر الإشارة هنا إلى ثغرة أخرى في العقوبات: اقتطاع الديون السيادية. كانت إحدى أكبر العقوبات وأكثرها تأثيرا على روسيا تجميد حساباتها الأجنبية، إذ تمتلك روسيا نحو 640 مليار دولار من اليورو والدولار والين، والعملات الأجنبية الأخرى في البنوك حول العالم، ويتواجد نحو نصف هذا المبلغ في الولايات المتحدة وأوروبا، وقد مَنعت العقوبات وصول روسيا إلى تلك الأموال، إلا عندما يتعلق الأمر بسداد مدفوعات الفائدة على ديونها السيادية. وتركت وزارة الخزانة الأميركية نافذة مفتوحة للسماح للوسطاء الماليين بمعالجة المدفوعات لروسيا، ومن المقرر أن تغلق هذه النافذة هذا الشهر، لكنها كانت مساعدة كبيرة لروسيا، وبدونها، ربما كانت لتحتاج إلى جمع الدولارات عن طريق بيع الروبل، الأمر الذي كان سيدفع سعره للهبوط، ولو لم تكن روسيا قادرة على جمع تلك الدولارات، لكانت قد تخلفت عن السداد.

خيمياء مالية

كانت العوامل أعلاه هي العوامل الخارجية والملموسة الدَّافِعة إلى تعافي الروبل، أما العوامل الداخلية فلم تكن ملموسة بالمقدار نفسه، حيث رفع البنك المركزي الروسي في 28 شباط/ فبراير، أسعار الفائدة إلى 20٪، وهذا يعني أن أي روسي قد يميل إلى بيع الروبل وشراء الدولار أو اليورو، صار لديه الآن حافز كبير لتوفير هذا المال بدلا من ذلك. كلما قلّ عدد الروبل المُباع، قلّ الضغط الهبوطي على العملة.

يأتي بعد ذلك مطلب حكومي من الشركات الروسية يقضي بضرورة مبادلة 80٪ من أي أموال تجنيها تلك الشركات في الخارج بالروبل، ويفرض هذا على صانع الصلب الروسي الذي يربح 100 مليون يورو، ويبيع الصلب لشركة في فرنسا، أن يعمل على تحويل 80 مليون يورو إلى روبل، بغض النظر عن سعر الصرف. تقوم الكثير من الشركات الروسية بالعديد من الأعمال التجارية مع الشركات الأجنبية، وتجني الكثير من معاملاتها باليورو والدولار والين، ويؤدي تحويل 80٪ من هذه الإيرادات إلى روبل إلى زيادة الطلب على العملة الروسية، ممّا يساعد في دعمها.

داخل مركز تسوّق في موسكو (Getty Images)

كما أصدر الكرملين مرسوما يحظر على الوسطاء الروس بيع الأوراق المالية المملوكة للأجانب، إذ يمتلك العديد من المستثمرين الأجانب أسهم شركات روسية وسندات حكومية، وقد يرغبون في بيع هذه الأوراق المالية بشكل مفهوم في هذا الوضع، ولكن ومن خلال حظر هذه المبيعات، تعمل الحكومة على دعم أسواق الأسهم والسندات والحفاظ على الأموال داخل البلاد، وكل ذلك يساعد في منع انخفاض قيمة الروبل.

وقد استهدفت الحكومة الروسية المواطنين الروس أنفسهم، عبر تقييد قدرتهم على تحويل الأموال إلى الخارج. وأظهر الحظر الأولي، تعليق جميع قروض وتحويلات النقد الأجنبي، وأدّى ذلك إلى إبقاء العملة الأجنبية في البلاد وثَنَى الروس عن بيع الروبل مقابل الدولار أو اليورو، ما كان من شأنه أن يضغط على العملة. وقد خُفِّفت هذه القيود إلى حدٍّ ما في الآونة الأخيرة لإعطاء الروس الذين يرسلون الأموال إلى الخارج بانتظام، مساحة للتنفُّس، ولكن تحويل العملة الصعبة سيقتصر على 10 آلاف دولار فقط للأفراد حتى نهاية هذا العام.

ولكن قد تكون حيلة بوتين المحفوفة بالمخاطر، العامل الأكبر في إنعاش الروبل: أي عبر إخباره بعض مشتري الغاز الطبيعي الروسي أنه سيتعين عليهم بعد هذا الوقت دفع فواتير الغاز بالروبل. عادة ما تُكتب عقود الغاز الطبيعي التي تتطلب الدفع باليورو أو بالدولار، والدول التي تشتري الغاز الطبيعي مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية، تميل إلى عدم امتلاك احتياطيات كبيرة من الروبل، لذا إذا نجح بوتين في إجبار هذه البلدان على الدفع بالروبل، فسيتعين عليهم بدء البحث عنه وشراؤه؛ حينها سيرتفع الطلب على العملة، وسيرتفع سعر الروبل بشكل طبيعي. وقد دفع هذا التوقع بارتفاع قيمة العملة في دفع القيمة السوقية للروبل إلى الأعلى.

عملة بوتيمكين

ما تقوم به الحكومة الروسية من تحركات لإنقاذ عملتها طبيعي، حيث يقوم الاحتياطي الفيدرالي بتعديل أسعار الفائدة طوال الوقت، وتفرض وزارة الخزانة الأميركية قيودًا على التحويلات المالية إلى بلدان معينة. ولماذا لا ينبغي لأي بلد أن يكون قادرًا على تحديد العملة التي يدفع بها؟ ألا تتحمل الحكومات مسؤولية الدفاع عن عملاتها بأي حال من الأحوال؟ جميع الأسئلة السابقة في محلها، ولكن ما تفعله الحكومة الروسية هنا أكثر من مجرّد دفاع عن عملة، فهي تتلاعب بسوق الروبل والطلب على التصنيع الذي لم يكن ليوجد لولا ذلك.

(Getty Images)

يقول بعض المراقبين إن روسيا أنشأت بشكل أساسي عملة بوتيمكين، وفي هذا إشارة إلى غريغوري بوتيمكين، الذي عُيِّنَ حاكمًا لشبه جزيرة القرم بعد أن ضمتها كاثرين العظيمة في عام 1784. حرصًا على إظهار كاثرين، مدى نجاحها في إعادة توطين القرم مع القرويين الروس، بنى بوتيمكين قرية متنقلة، وقام ببنائها وتفكيكها على طول طريق كاثرين في أثناء تفقدها المنطقة. تلعب رئيسة البنك المركزي الروسي، إلفيرا نابيولينا، دور بوتيمكين مع بوتين، أي باستخدام مجموعة من الأدوات لجعل الروبل يبدو كعملة ذات قيمة، بينما في الواقع؛ قلّة قليلة من الناس خارج روسيا يرغبون في شراء روبل واحد ما لم يكن عليهم ذلك، وخصوصًا لعدم رغبة كثير من الناس داخل روسيا بالروبل أيضًا.

توجد مخاطر كبيرة على كل هذا التدخل الحكومي، فالإجراءات الحمائية التي أقرها البنك المركزي الروسي هي فعليًا نوع من جسر الإنقاذ للروبل، وإذا تمكنت روسيا من التوصل إلى نوع من القرار بشأن أوكرانيا يتضمن سحب العقوبات وإعادة العلاقات التجارية مع الغرب، فقد يحتفظ الروبل بقيمته الحالية بمجرد سحب الإجراءات، ولكن إذا سُحبت العقوبات دون حلّ، فقد ينهار الروبل، مما سيؤثر على الاقتصاد، وسيرفع التضخم ويسبب ألمًا هائلا للشعب الروسي، وسيتعين سحب الإجراءات الحمائية أو بعضها على الأقل في نهاية المطاف. لا يمكن للمقترضين الروس الاستمرار في دفع أسعار فائدة تزيد عن 20٪ لفترة طويلة، هذا إذا كان بإمكانهم تصوُّر الاقتراض بهذا المعدل، وسوف يختنق النموّ، ومن المتوقع بالفعل أن ينكمش الاقتصاد الروسي بأكثر من 8٪ هذا العام وسوف تتراجع الصناعة.

("أ ب")

ولعلّ أكبر المخاطر هي تلك المرتبطة بحيلة بوتين للغاز الطبيعي، وكما ذكرنا سابقًا، تنص جميع عقود الغاز الطبيعي التي وقعها المشترون مع روسيا على أن الدفع سيتم باليورو أو الدولار أو العملات الأجنبية الأخرى، ولا يمكن لبوتين أن يشطب "الدولار" أو "اليورو" ويكتب مكانها "بالروبل"، بل سيتوجب عليه إعادة التفاوض بشأن شروط تلك العقود، وإذا فعل ذلك، فمن المحتمل أن تقلِّل هذه الدول ما تشتريه من روسيا من غاز طبيعي.

روسيا هي أكبر منتِج للغاز الطبيعي في العالم، فضلا عن كونها أكبر مصدِّر له، لكنها ليست المصدِّر الوحيد، ويمكن لمشتري الغاز الروسي التحول إلى موَرّدين جدد، إذ ترسل الولايات المتحدة بالفعل شحنات إلى أوروبا، وثمة حديث عن إمدادات قادمة من المملكة المتحدة والنرويج وقطر وأذربيجان. كما تدرس إسرائيل فكرة إنشاء خط أنابيب. قد لا تستطيع الدول التي تشتري كميات كبيرة من الغاز الروسي أن تفطم نفسها بين عشية وضحاها، ولكن إذا أصرّت روسيا على اتخاذ هذه الخطوة، فإنها تخاطر بتحويل أحد أكبر مصادر إيراداتها إلى قطرة صغيرة. باختصار، المشكلة في إنشاء مظهر قوي للعملة ليس فقط في أنها قد تنهار، بل قد تأخذك معها إلى الهاوية.

بودكاست عرب 48