اللغة العربية والنظرة الاستشراقية: إلى أين؟ د. كاميليا سليمان

اللغة العربية والنظرة الاستشراقية: إلى أين؟ 
د. كاميليا سليمان

لقد مضى اكثر من ثلاثة عقود على انطلاق الخطاب التفكيكي لنظرة الغرب الثقافية لما يدعى الآن الشرق الاوسط. انا كمتخصصة في علم اللسانيات لا يسعني إلا ان اقف وقفة استغراب حول عدم تأثر علم اللسانيات عامة، وعلم لسانيات اللغة العربية خاصة، في الغرب، بنظرية نقد الاستشراق. وتمضي ابحاث اللغة العربية، كأن شيئاً لم يكن، وكأن ادوارد سعيد لم يكن ابداً، مع أن علم الاستشراق الاوروبي كان قد انبثق قبل قرون عدة من علم اللسانيات المقارن. لماذا هذا التناقض البادي؟ هذا ما سوف احاول الاجابة عنه في هذه المقالة القصيرة

ولكن اسمحوا لنا قبل ذلك بالكلام باختصار شديد عن علم اللسانيات الغربي الحديث، ثم عن التطور التاريخي لعلم لسانيات اللغة العربية، وعلاقة كل ذلك بالاستشراق.
علم اللسانيات الغربي، كسائر العلوم الاجتماعية والانسانية، مر بتجربة النقد الذاتي على الاقل منذ الثمانينات من القرن الماضي. اسئلة كثيرة سئلت ولا زالت تسأل: ما هي اللغة؟ هل من الممكن حصرها نظرياً؟ وكيف؟ عندما نصف قواعد لغة معينة، ماذا نصف بالضبط؟ هل نستطيع لمس قواعد اللغة، ام اننا نستنبطها من امثلة لغوية محصورة الاستعمال؟ كل هذه الاسئلة ادت إلى التراجع نوعاً ما عن ادعاءات تشومسكي وسوسور من قبله بان اللغة هي منظومة مستقلة، نستطيع التعامل معها بدون الالتفات الى فضائها الاجتماعي.

اللغة العربية تاريخياً درست من خلال اربع خطابات مستقلة، ولكن متأثرة ببعضها بعضا، نوعاً ما. في البدء كان علم اللسانيات العربي الاسلامي في العصور الوسطى. لم يبق امر لساني على حالة الا ودرس. برع العلماء العرب في كافة فروع علم اللسانيات المعروفة لنا اليوم، بدون تقصير في اي جانب لغوي كان. اضف الى ذلك انه كانت هناك حاجة عملية وليست فقط نظرية لفهم اللغة العربية وهي الحاجة الدينية ولذلك نرى ان علم اللسانيات ارتبط تطوره بالعلوم الدينية الى حد كبير منذ البداية.

الخطاب الثاني بالنسبة لما كتب في علم لسانيات اللغة العربية هو الخطاب الاوروبي الاستشراقي. في هذا الخطاب نلقى ان اللغة العربية صنفت كلغة سامية وان الشعب العربي صنف كشعب سامي، اي ان مقولة سامي وسامية اخترعتا في مختبر الفيلولوجيا الاوروبي حسب تعبير ادوارد سعيد، حيث اعطيت صفات حضارية لهذه التصنيفات. يضيف سعيد ان اوائل الاستشراقيين على الاقل اتقنوا اللغة العربية، بعكس الاجيال اللاحقة التي اكتفت باقتباس اقوال السلف. اثناء ذلك، العالم العربي المحاصر استعماريا لم يلبث ان تفاعل مع العلوم الاوروبية، ومن ضمنها علم اللسانيات المقارنة، فلذلك نرى مثلاً انه عندما افتتحت جامعة القاهرة في اوائل القرن الماضي، دعي اليها مستشرقون من امثال اسرائيل وولفسون لتدريس اللغات السامية. فكانت هذه بداية مرحلة فصل دراسة اللغة العربية عن دراسة علوم الدين في العالم العربي.

الخطاب الثالث هو الخطاب المتأثر بنهج تشومسكي، اللغة هنا اصبحت تدرس كقدرة متعلقة بالتفكير والعقل. هذه النظريات همشت الى اقصى الحدود التأثير الاجتماعي على تطور اللغة، والى حد كبير كادت تنسى الانجازات الانثروبوليجية في علم اللغة، خاصة في الولايات المتحدة حيث كانت الانطلاقة الاولى انثروبولوجية محضة في ابحاث ادوارد سابير وامثاله.

لخطاب التفكيري العقلي الغربي هذا اهمل اللغة العربية، ليس عن سوء نية، انما لأن الخطاب عامة قصر في ميزات اللغات الخاصة لصالح نظرية يراد من تطويرها ايجاد نظرية شمولية عن كيفية عمل العقل الانساني.

الخطاب الرابع هو الخطاب الانثروبولوجي الامريكي، كان قد بدأ منذ مطلع القرن الماضي بأبحاث لغوية مستقلة نوعاً ما عن الفيلولوجيا الاوروبية، فنجد مثلاً كتاباً عن خصوصيات اللغة العربية ونصها الحضاري من تأليف مارغريت ميد، هذا الخطاب ايضا نراه في ابحاث كليفورد غيرتس، عملاق الانثروبولوجيا الامريكية في منتصف القرن المنصرم، مع انه لم يول البحث اللغوي اهتماما كبيراً، الا انه رفض النهج العلمي الاستشراقي. الخطاب اللغوي الانثروبولوجي الامريكي لم يكتب له التوفيق لسببين: طغيان النهج التشومسكي على ابحاث اللغة عامة (اللغة العربية تأثرت من ذلك ككل اللغات)، والسبب الآخر بحسب رأي زكاريا لقمان، المؤرخ من جامعة شيكاغو هو ارتباط دراسات الشرق الاوسط في الولايات المتحدة ارتباطا وثيقا بسياسة امريكا الخارجية بالمنطقة منذ الحرب الباردة وحتى الآن.

اليوم ماذا يحدث؟ بحثت عن مقالات عن اللغة العربية في مجلة 'لغة' المجلة العلمية الرئيسية في الولايات المتحدة في علم اللسانيات منذ ثلاثة عقود حتى الآن فلم اجد سوى ثلاثة مقالات، لا اكثر، اي ان اللغة العربية اما غائبة (بسبب نظريات اللغة الفكرية)، او مغيبة ربما بسبب الارتباط الوثيق الذي ذكرناه بين علوم الشرق الاوسط والسياسة الامريكية، حيث تدرس اللغة العربية في معظم الاحوال في اقسام دراسات الشرق الاوسط.

ما العمل؟ كيف نعيد للغة العربية اعتبارها؟ اليوم تشهد الولايات المتحدة اقبالاً شديداً على دراسة اللغة العربية. هذا امر ايجابي على المدى البعيد، (بالرغم من الهاجس الامني الامريكي على المدى القصير الذي يدفع الامريكان لتعلم اللغة العربية)، لأن اللغة مفتاح الحضارة. على مدرسي اللغة العربية ان يطوروا الكتب والاساليب لتسهيل عملية تعليم اللغة العربية على الطالب الاجنبي، ولكن هناك موضوعاً آخر لا يقل اهمية وهو ضرورة القيام بدراسات منهجية جدية للغة العربية لكي تعرّف اللغة العربية وارثها الحضاري على الباحث الغربي بطريقة متحررة من الارث الاستشراقي الى أبعد الحدود. اي بمعنى ان هناك مسؤولية كبيرة تقع على عالم اللسانيات العربي لكي يعرض ابحاثاً جادة في وعن اللغة العربية للباحث الغربي.

ثمة موضوع آخر. هناك في جامعات الولايات المتحدة عودة خجول للنظرة الانثروبولوجية الحضارية في علم اللسانيات. هذه اشارة ايجابية ولكنها قد تعني المزيد من الحذر بالنسبة للغة العربية بسبب الارث الاستشراقي الثقيل لهذه اللغة، فمثلا علينا ان ندحض وبمنتهى الاقناع مقولة التسمية السامية للغة العربية. هذه المقولة ما زالت قوية بالرغم من تاريخها البغيض. علينا كباحثي لغة ان نفسر ان لا علاقة بين اللغة والعنصر البشري، بمعنى ان البشر بامكانهم تغيير انتمائهم اللغوي، ولذلك يجب الكف عن تبعيات هذه التسميات، كاستنباط العقل العربي او السامي من اللغة مثلا. العلاقة بين الهوية والمجتمع من جهة واللغة من جهة اخرى هي علاقة مركبة جدا ولا يمكن اختصارها. لقد اعتصر قلبي من الالم مؤخراً لدى سماعي محاضرة لمؤرخ امريكي متخصص في الشرق الاوسط ومعدود على الليبراليين عندما القى محاضرة عن العراق وركز في محاضرته على كون اللغة الكردية لغة اندواوروبية بينما اللغة العربية لغة سامية، اكثر من مرة ذكر هذا الموضوع متناسياً قروناً عديدة من التاريخ الذي يجمع هذين الشعبين، وفكرت ما الذي اراده هذا المؤرخ؟ بحسب رأيي اراد ان يقول للطالب الامريكي المستمع ان العرب عنصر آخر غريب عن العناصر الاندواوروبية، او على الاقل ان يوحي بذلك، وللتأكيد على استنتاجي تذكرت انه في اليوم الذي سبق المحاضرة كنت وزوجي قد دعوناه وزوجته البنجابية لتناول طعام العشاء معنا، ذكر لنا ان اسم ابنه هو نفسه باللغة الاردية، الفارسية، الفرنسية والايطالية. اي انه نوه في اليوم الذي سبق للاسطورة الاندواوروبية وتبعياتها. احسست بفشلي كمتخصصة في علم اللسانيات، مما دعاني للنظر الى علم اللسانيات كما نعرفه الآن ودور اللغة العربية فيه.


' محاضرة فلسطينية في كلية برن ماور في الولايات المتحدة


.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة