مات في صلب الموضوع..

دون مقدمات غادر جوزيف سماحة، مات في صلب الموضوع.
في هذه الحالة غالبا ما يقولون: "انسحب"، "انسل بهدوء"، ويقولون أيضا "اغتاله الموت"...وأنت تريد ان تتجنب أن تقول ما يقال.
- ولكن لماذا تتجنب وفي التجنب تكلف؟
- لا يجوز أن نفكر بكليشيهات مكرورة عند وفاة صديق.
- ولذلك علينا ألا نكتب عند وفاته.
- لو كنت الآن بينهم في بيروت، لصفنت، وما كتبت إلى أن يحين الوقت.
من أجل الحي الباقي منه، هو الحي الباقي، لكي لا يفقد الحاضر بفقدان الفقيد، من أجل من بقى منه هنا وهناك ولم يرحل مع رحيله، ومن أجل ما بقي منه نكتب...ونكتب لأنه كاتب، كاتب حقيقي. ولأن كل أميّ قد يسمي نفسه صحافيا و"كاتب ومحلل سياسي"، ولأن الكذب بات يدعي أنه خيال إبداعي يجب أن نقيم للحقيقة نصبا ضد النصب، وللإبداع والخيال نصبا يفزع البِدَعَ والاحتيال.
ربما للموت أسلوب، كما للكتابة أسلوب. وللكتابة عن الموت أسلوب ولكن ليس للصداقة والحب أسلوب. هذا أكيد!!

الحب واحد، لا ينقسم إلى شكل ومضمون، ولا يغطي فيه الشكل على المضمون...وإذا تجرأ وفعل، فقد أعدمه، أي أثبت عَدَمَه لا وجوده، أو جزّأه فقتله.
لا ندري إلى أين غادرنا جوزيف، ولكننا نعرف تماما من أين غادر؟
غادرنا إلى زمن الموت هذا من زمن آخر، كما تخيل هو الزمن الآخر وأسطره. وكما كان جوزيف عقلانيا تشريحيا جراحا في مقالته، كان خرافيا عاطفيا عاشقا صامتا في تأمله، صاخبا في فرحه خارج المقالة، مع الأصدقاء في المقهى وفي المطعم وفي الجماعة ... ابن المدينة والمدنية المولع بكل ما هو "غير صحي" بلغة المربعين..

- وماذا بقي من معنى غير بضعة أصدقاء تعرف أنهم مثلك يبحثون عن معنى؟
- وكأن هذا لا يكفي تراهم يتناقصون عددا وعدة.
غادر لا ندري إلى أين، ولكننا ندري أنه:
غادر من زمن المدنية العربية المتنورة، مدينته المنورة. ولو قالوا "المغفور له" ألف مرة، لكي يغفر لهم بأثر رجعي بعد وفاته، إلا إنه لم ولن يغفر لمن وأدوها.
غادر من زمن الشهامة والرجولة والاستقامة وكلمة الرجال دون ماتشوية، حيث القسوة والفظاظة إما مكروهة عند الكرام أو محصورة للتندر والنكات عن اللئام.

غادرنا من الهشاشة والحساسية المفرطة ضد العنف إلى أبعد الحدود إلى درجة الانسحاب بصمت إذا تجاوز النقاش حدود الأدب.
غادرنا من العشق الأبوي الذي يكتشف موهبة ما في كل شخص طيب، وغباء في كل شخص سيء حتى لو كان ذكيا.
غادرنا من عاطفة أسطورية ما زالت تسكن المادة، من حب الأشياء الجميلة بصمت، من دين المحبة ضد أحقاد الطوائف غادرنا، من محبة للوطن لم تمر بعملية علمنة ولا نزع السحر، ولا تبديد الخوف الأبوي عليه...من مقاومة الظلم والاستعمار والاحتلال وعملائه، ومن التكبر على المتكبرين على الفقراء والمظلومين غادرنا.

غادرنا جوزيف من الصدق والإخلاص في التعامل مع قضايا الناس، ومن التنوير الفكري والسياسي والاجتهاد في القراءة قبل الكتابة، ومن نشر التفكير العقلاني بقضايا المجتمع والوطن. لم ينجح أحد في جعل جوزيف يعتقد، وهو العقلاني، أن التسامح مع جريمة إسرائيل على الأرض العربية أو التحالف معها دليل عقلانية وتعقل. لقد آمن بعقلانية أخرى، من زمن آخر، لا ترى بالاستسلام اعتدالا، وترى أفقا لنهضة عربية، وترى إسرائيل وحلفاءها، كما ترى المعادين بتشنج للتفكير العقلاتي لفهمها وفهم دورها، أو المعادين لليهود وللآخر المختلف الغريب بحجتها، كلهم مظاهر وظواهر مرافقة لإعاقة إسرائيل لأي نهضة عربية.

غادرنا من الجمال الهادئ "دون تعجيق"، والحداثة غير المزركشة، ومن حب الفن والموسيقى، ومن الطرب الجذل للجمال وللموقف، ومن اعتبار التخلف والانحلال وجهين لنفس العملة.
غادرنا جوزيف من الانفعال في الجلسة إلى درجة تبني موقف متطرف تحديا ضد من يراه متخاذلا، فيقول في التضامن مع العراق ضد الحرب عليها، ولو كان السبب احتلال الكويت: "لقد وضعنا جميعا معه على السفينة ومن يقفز منها خائن". ولكنه في صبيحة اليوم التالي ينطق بالقلم وليس باللسان. وقلمه السيال بتوازن خرافي بين السرعة والاتزان رصين هادئ لا يلهث رغم جري المسافات الطويلة والسيجارة التي لا تنطفئ يسبك المقال بالعقل والمنطق التحليلي سبكا بالأسلوب السهل على الفهم الممتنع على التقليد، الذي يزن الأمور بميزان العقل والاستقامة فقط.

كان في قرارة النفس مكنون لا يفهمه إلا يفهم بالعرفان أن وطنيته قومية، وقوميته وطنية، وكلاهما إنساني النزعة. يشرك في حب لبنان حب العرب، والعكس صحيح. ولا تدري، وهو نفسه لا يدري هل يريد تعريب لبنان أم لبننة العرب، وأقصد لبننتهم كما يعرف ويحب لبنان، وليس كما يحبه مستهلكوه وسائحوه وزعماء طوائفه. تجده قبل عقد من الزمن في فترة نقده الشديد للممارسات السورية في لبنان يقول في لحظة عشق صوفية: "المصيبة أنها تثبت بهذه الممارسات عدم إمكانية الوحدة العربية، ولا حتى مع لبنان." ثم تجد هذا العروبي عندما يعود إلى لبنان من المنفى يأبى الوقوف حيث يقف من يحتقر منطلقاتهم السياسية والاقتصادية في نقد سوريا. لا كان معهم عندما كانوا مع سوريا، ولا هو معهم عندما وقفوا ضدها، لا يقف أبدا حيث يقفون...القومي العربي الديمقراطي ابن ثقافة الحياة وحب الحياة ومتع الحياة يقف مع المقاومة ضد زعماء الميليشيات وضد زعماء الطوائف من مصممي ثقافة الموت وجماليات الموت...

- هذه صياغتك أنت. لماذا تقول مع الحياة ضد الانحلال؟
- لأن جمالية ثقافة الموت تعتبر الانحلال حياة. الانحلال حياة للموت، أما حب الحياة فلا يمكن أن يعني شيئا غير الحياة بحب.
أعرف جيدا من مصدر أول، هو معرفتي به، أنه غادرنا من ثقافة الحياة وحب الحياة، ليس كشعار ميت، وديكور للموت، بل الحياة الحقيقية الفعلية التي تعني الحب وفرح وأمل وخيبات العشاق. وأعرف أنه كان خائفا على مصير لبنان من ثقافة الموت عندما غادرنا.

- لا تعرف شيئا عن موت صديقك جوزيف سماحة. لماذا لم يمت في بيروت؟
- لا أعرف.
- لماذا ورد الخبر، وكيف ومتى، وماذا كنت تفعل بين وفاته وورود الخبر؟
- كان جسده في لندن وروحه في بيروت والقدس والقاهرة ودمشق...وفي كل حواضر العرب. وأنا كنت في القدس. هنا صعقني خبر وفاة أخي وصديقي جوزيف سماحة.كنت أناديه سماحة أحيانا. وكنت أخشى عليه كثرة التدخين.
كان سيغضب كثيرا إذا ميزه أحدهم ليمتدحه عن بقية الوطنيين والقوميين والفقراء المعترين والمقاومين، لأنه يعرف أنها قولة حق يراد بها باطل، فقد كان في حياته بغنى عن مديح يفصله عن موقفه. وهو غني في موته أيضا.

- أراك تكتب بغضب، هل أنت غاضب أم حزين؟
- أكتب بحزن. ثقافة الموت هي التي تخاف من عمق الحزن وتأمله، وتمارس الغضب بدل الحزن، تماما كما تمارس الاختيال والغرور والاستعراضية بدل الفرح. وأنا في هذه اللحظة من الوحدة حزين على من أحب.



القدس، 26 شباط 2007
عن صحيفة "الأخبار" اللبنانية

تعليقات Facebook