قهوة أبو سالم... حكايات في تاريخ الناصرة

قهوة أبو سالم... حكايات في تاريخ الناصرة

تعتبر "قهوة أبو سالم"، في حي اللاتين، بالبلدة القديمة في مدينة الناصرة، واحدة من أقدم المقاهي البلاد، وأعرقها على الإطلاق، أسسها أندراوس أبو سالم عام 1914 حين كان في الرابعة عشرة من عمره، وحافظ المقهى على نمطه التقليدي في تقديم القهوة العربية والقرفة مع الجوز (الإينر) حتى اليوم، حيث لا يزال هذا المشروب الساخن من أبرز مميزات المقهى.

منذ العام 1914 ولغاية العام 1963 كان المقهى يستقطب الرجال من مختلف أنحاء المدينة، يجتمعون فيه للعب الورق (الشدّة) وطاولة النرد، قبل أن تنتقل من إدارة أندراوس سالم إلى نجله جورج سالم الذي حافظ على الطابع التقليدي للمقهى لغاية العام 1990 حين تسلم إدارتها "الجيل الجديد" متمثلا بالشاب وسام جورج أبو سالم الذي أراد أن يرتقي به إلى الحداثة بعد أن درس موضوع التصميم الجرافي المحوسب والموسيقى، ورأى بأن المقهى بالنسبة للجيل القديم أشبه بموقع للتواصل الاجتماعي، أو مجموعة "واتساب"، يكون فيها اللقاء اليومي الذي يتناقل فيه الكبار أخبار البلد ويتحدثون عن كل جديد.

"عرب 48" التقى مدير قهوة أبو سالم العريقة في البلدة القديمة بالناصرة، وسام أبو سالم، والمرشدة السياحية نهى بولس، التي ترافق المجموعات السياحية إلى المقهى بشكل شبه يومي للتعرف على أحد المعالم التاريخية والمهمة في مدينة الناصرة.

تواصل اجتماعي

قال أبو سالم لـ"عرب 48" إنه "عندما يجتمع روّاد المقهى يوميا يتنافسون فيما بينهم في لعبتي 'النرد' والـ'ورق' وأحد من شروط المنافسة أن يدفع الطرف الخاسر ثمن المشروب بدل الطرف الرابح، وهذا النمط من المنافسة متبع في المقهى منذ ما يزيد عن 100 عام. كان المقهى أشبه بموقع للتواصل بين الناس، فإذا كان أحدهم يبحث عن النجار أو الحداد أو صاحب أي مهنة أخرى يذهب إلى قهوة أبو سالم ليجده هناك، وحين لم يكن هناك محرك البحث 'غوغل' كانوا يتحركون باتجاه المقهى".

وأضاف: "كان الشباب يلتقون ويتبادلون أطراف الحديث حول كل القضايا، كل يدلي بدلوه، وكل الذين يتواجدون في المقهى، اليوم، هم أبناء الجيل الثاني، كان آباؤهم يلتقون هنا في نفس المكان حين أدار المقهى جدي أندراوس وبعده والدي جورج، وأنا أواصل إدارة المقهى على نفس النمط، أقدم القهوة العربية والقرفة المغلية مع الجوز والزهورات والبابونج، بالإضافة إلى أنني حافظت على نفس الكراسي والطاولات القديمة لتجذب نفس النوعية من الناس الذين يعتبر كل واحد منهم موسوعة في تاريخ الناصرة، وكلهم يروون أحداثا من ماضيهم أو ماضي الآباء والأجداد".

وسام أبو سالم (تصوير "عرب 48")

العريس من روّاد المقهى

وروى أبو سالم لـ"عرب 48" أنه في الماضي حين كان يتقدم شاب لخطبة فتاة، كانوا يسألون عنه وعن أهله، كيف يعيش وأين يذهب ومن يرافق؟ فإذا كان الشاب أو والده من روّاد قهوة أبو سالم، كانت عائلة الفتاة تقبل به زوجا لكونه يرافق الرجال ويحافظ على أصالة مجتمعه!

حاول أبو سالم أن يدمج بين أصالة المقهى وطابعه القديم، وبين الحداثة من أجل استقطاب الوافدين إلى مدينة الناصرة، وإلى البلدة القديمة بشكل خاص وخصوصا السائحين سواء من الداخل أو من الخارج.

امرأة في المقهى

نهى بولس (تصوير "عرب 48")

المرشدة السياحية، نهى بولس، قالت لـ"عرب 48" إن "المقهى كان يقتصر على الرجال، ومن غير المقبول أن تُشاهد امرأة في حيّز قهوة أبو سالم، لكن الأمور تغيرت اليوم مع دخول السائحين والعائلات أيضا إلى المقهى". وأضافت أن "الفضل في ذلك يعود إلى إحدى مرشدات السياحة التي عملت في أحد بيوت الضيافة في البلدة القديمة، وهي مرشدة ليست من سكان الناصرة، وبما أنها كذلك فلم تكن تعلم بأن المقهى لا يدخله إلا الرجال، وكانت هذه المرشدة تأتي مع مجموعات إلى المقهى، وهكذا فقد حطمت القيود والمحظورات وأفسحت المجال لغيرها من النساء بدخول المقهى".

وتابعت بولس: "أنا شخصيا دخلت قهوة أبو سالم لأول مرة قبل نحو عامين، وحين عدت إلى البيت وذكرت أمام والدتي، وهي ابنة السوق والبلدة القديمة، نشأت وترعرعت فيها، وجدتها مستغربة من كلامي 'هل يعقل أن تدخل امرأة قهوة أبو سالم؟!' فالأمر كان مفاجئا جدا بالنسبة لها، وكذلك كان الأمر مفاجئا بالنسبة لروّاد المقهى في البداية فلم يكن من السهل عليهم تقبل رؤية النساء داخل المقهى. أما اليوم فقد أصبحت أدخل بشكل شبه يومي مع المجموعات السياحية، وكذلك تدخل الفتيات والعائلات بصورة تدريجية".

رواد المقهى (تصوير "عرب 48")

خمارة عثمانية!

وعن تاريخ المقهى منذ عهد العثمانيين، قالت بولس، إن "المكان كان خمّارة، تباع فيه المشروبات الكحولية ولغاية العام 1948 كان يقدم مشروب 'العرق' الذي اشتهر أهل الناصرة بشربه مع توابعه، ومنذ ذلك العام قرر أبو سالم أن يحول المقهى إلى قهوة تقليدية بمفهومها الموجود، اليوم، ومشروباتها الساخنة والباردة التقليدية".

نجفة تجسد ثلاثة أجيال

في وسط قهوة أبو سالم علقت إحدى أفخم وأغرب ثريات الإضاءة (نجفة) المكونة من ثلاث حلقات إضاءة تجسد ثلاثة أجيال من إدارة المقهى، وعلى كل واحدة من الحلقات الثلاث حفر اسم صاحب المقهى، والسنوات التي عمل فيها على إدارة المقهى، والنجفة هي إحدى أبرز قطع الديكور الموجودة في المقهى وأحدثها عمرا.

نجفة الأجيال الثلاثة (تصوير "عرب 48")

بدأ المقهى، مؤخرا، بتنظيم أمسيات فنية في نهاية الأسبوع، يحييها فنانون محليون وتشارك فيها عائلات من الناصرة، وقريبا ستقام في المقهى مسابقة أو بطولة للعب طاولة النرد بين رواد المقهى من الجيلين القديم والجديد.. فلمن تكون الغلبة؟

 



قهوة أبو سالم... حكايات في تاريخ الناصرة

قهوة أبو سالم... حكايات في تاريخ الناصرة

قهوة أبو سالم... حكايات في تاريخ الناصرة