عزمي بشارة... مناصر الحركة الأسيرة



لعل البعد الإنساني الصادق الذي دفع الدكتور عزمي بشارة للتواصل مع الحركة الأسيرة، هو ما حفزه لنسج علاقات اجتماعية وإنسانية مع عائلات أسرى الداخل على وجه التحديد، إلى جانب ما تحمله قضية الأسرى من أبعاد أخلاقية ووطنية.

في السجون والزنازين الإسرائيلية لعزمي بشارة أصدقاء وبصمات رسخت لمرحلة جديدة في حياة الحركة الأسيرة، التي أسهم بنقلها للمحافل الدولية وللمنابر العربية والإسرائيلية.

ولعل أبرز المحافل الذي حضرت إليه كان الكنيست الذي غيب الحركة الأسيرة وحاصر معاناتهم وقضيتهم، إذ أتى تواصل بشارة مع الأسرى ليكسر هذا الحصار، ويفرض قضايا الأسرى على الأجندة والرأي العام الإسرائيلي كقضية رئيسية أساسية في الصراع.

دون الوقوع في خطاب سياسي مباشر، ركز بشارة في علاقاته مع الحركة الأسيرة على البعد الإنساني وتماهى مع معاناة وعذابات الأسرى بالسجون الإسرائيلية، عاش وتعايش مع الألم الإنساني للأسير وعائلته، سواء بفعل جدران الزنزانة أو جدران الحياة التي حصنت وحاصرت عائلات الأسرى.

ونصرة للأسرى، شجع بشارة من خلال الحركة الوطنية على تفعيل قضايا الحركة الأسيرة على المستوى الجماهيري والشعبي لدى المجتمع العربي بالداخل، ما ساهم بتعميق الوعي والتحشيد الشعبي والاحتضان المجتمعي للأسير وعائلته ما جدد الحلم بالحرية وبعث بارقة أمل وحياة.

ومع تنامي وتصاعد قوة التيار الوطني وتغلغل مشروع حزب التجمع الوطني الديموقراطي الذي أسسه بشارة في منتصف تسعينات القرن الماضي، عادت الحركة الأسيرة لتتفاعل وتنشط من جديد بالبلاد، حيث التف النشطاء والأسرى المحررون حول قضية الأسرى لتكون البوصلة والموجه في النضال وصمام الأمان للثوابت الفلسطينية.

تواصل ومتابعة

تحولت زيارة الدكتور عزمي بشارة بمنتصف التسعينيات للأسير وليد دقة لرابط اجتماعي وإنساني وعائلي بين بشارة وعائلة الأسير من سكان بلدة باقة الغربية في المثلث، والذي يقبع بالأسر منذ 32 عاما، بعد إدانته ورفاقه إبراهيم ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة بالعضوية في خلية نفذت عملية خطف وقتل الجندي الإسرائيلي موشي تمام في العام 1984.

رفضت المؤسسة الإسرائيلية الإفراج عن وليد ورفاقه بعمليات تبادل الأسرى، كما ورفضت أي حديث عنه وعن أسرى الداخل الفلسطيني من قبل المفاوض الفلسطيني وبالتالي تجاوزتهم إفراجات اتفاقيات أوسلو، بادعاء أنهم يشكلون خطرا على أمن إسرائيل.

سناء سلامة، زوجة الأسير دقة، حيث عقد قرانهما في سجن عسقلان في العام 1999، كانت على موعد للقاء بالدكتور بشارة والتعرف عليه من خلال زيارته للأسرى وتواصله مع عائلاتهم. لم يكن تواصل بشارة مع الحركة الأسيرة وزيارته للأسرى موسمي أو لمجرد خبر في صحيفة أو للصور، بحسب سلامة، التي أكدت أن الحركة الأسيرة كانت في صلب وجوهر عمله والسقف الأعلى لنشاطه، حيث لم يسمح لذاته التنازل عن سقف العمل هذا.

البرلماني والشعبي

عكس بشارة في عمله البرلماني ونشاطه السياسي وحضوره الجماهيري وتواصله مع الميدان، تقول سلامة 'واقع الأسرى في السجون الإسرائيلية وأساليب التعذيب النفسية والجسدية التي تتبعها مصلحة السجون ضد الأسرى وعائلاتهم، وما يتعرضون له من انتهاكات ممنهجة تتناقض والمواثيق الدولية، فعزمي إلى جانب الفهم للظلم السياسي الواقع على الأسرى، فهم وعاش وعايش المعاناة الإنسانية للأسرى وعائلاتهم، وكان صادقا في تعامله وطرحه'.

  عقد قران وليد وسناء في السجن

ولفتت إلى دوره في تسليط الضوء كذلك على البعد الإنساني والاجتماعي للأسير وعائلته، حيث تابع من خلال الكنيست قضايا العزل والاعتقال الإداري وحرمان الأسرى من التعليم والزيارات، وكذلك متابعة هذه الملفات قبالة مفوضية السجون والوزارات الحكومية ذات الصلة، حتى تحقيق الإنجازات وتواصل الأسرى مع الفضاء الخارجي، فيما نشط واهتم كذلك في التحشيد وخلق حالة مجتمعية داعمة للأسرى وعائلاتهم.

إنساني واجتماعي

لا المنفى القسري ولا ظلمات السجون حالا دون بقاء العلاقة المميزة والروابط ما بين بشارة والأسير دقة وعائلته، حيث تطغى على هذه العلاقة البعد الإنساني والاجتماعي والعائلي، فسلامة التي ما زالت تكن التقدير والاحترام لعزمي بشارة لدوره ومواقفه الداعمة والمناصرة للأسرى وعائلاتهم، تستذكر محطات في علاقة بشارة بعائلات الأسرى.

فصل المقال - ١٩٩٦

ولفتت سلامة إلى أن الدكتور بشارة الذي ساعدها ووليد لعقد قرانهما بالسجن، الأمر الذي شكل سابقة تاريخية في الحركة الأسيرة، اختار عدم المشاركة في المراسيم الاحتفالية لتمكين أحد أفراد العائلة من الدرجة الأولى الحضور، علما إن إدارة السجن اشترطت فقط على أفراد العائلة المشاركة بالاحتفال إضافة إلى 9 أسرى من أصدقاء وليد.

مناسبة عائلية أخرى شبيهة لكنها كانت خارج السجون، حيث تتذكر سلامة طلب أحد الأسرى من عزمي بشارة أن يحل مكانه عند خطوبة ابنته، وبالفعل تقول سلامة: 'اتصلت الفتاة ابنة الأسير ووجهت دعوة له لمشاركة العائلة عقد القران، حيث لبى الدعوة وشارك العائلة فرحتها لينوب عن الوالد الأسير، إذ طلبت عائلة العريس يد العروس من الدكتور بشارة بتفويض من الولد الأسير'.

في تشرين الأول/أكتوبر 2011 عانق مخلص برغال ابن مدينة اللد الحرية بموجب صفقة 'الوفاء للأحرار' بعد أن قضى في الأسر الإسرائيلي 28 عاما، إذ حوكم بالمؤبد مدى الحياة لمجرد انخراطه في المقاومة الفلسطينية وإدانته بإلقاء قنبلة على حافلة، حيث منع من الزواج وهو بالسجن وسمح له بمعانقة والدته لأول مرة بعد 18 عاما من الأسر، ومنع من إلقاء نظرة الوداع على والده ومشاركة العائلة العزاء.

في الأسر، تعرف برغال على عزمي بشارة من خلال الصحف المكتوبة التي كان يسمح بإدخالها للسجون، حيث كانت مقالات بشارة وانطلاقة حزب التجمع وما يبادر إليه من نشاطات ومشاريع وأفكار بمثابة تحفيز وشحذ للهمم والمعنويات لدى برغال ورفاق دربه بالأسر من فلسطينيي 48، خصوصًا وأن بشارة اهتم بالحركة الأسيرة الأمر الذي أعاد إليها حيويتها وزخمها الجماهيري.

الحرية والمنفى

يقول المحرر برغال لـ'عرب ٤٨': 'لم يكن اهتمام عزمي بشارة بالحركة الأسيرة وقضايا الأسرى من خلال الكتابة والأدبيات فقط، وإن كانت هي الطريقة التي تعرفنا بها عليه. أتذكر منتصف تسعينيات القرن الماضي، حين انتخب نائبا بالكنيست سارع للتواصل مع الأسرى وزيارتهم والتشاور معهم حول سبل معالجة قضاياهم العالقة والتباحث في الآليات لنيل حقوقهم، إذ لمست كغيري من الأسرى الجدية والصدق والإخلاص بتعامل بشارة مع قضية الأسرى بأبعادها السياسية والوطنية والإنسانية'.

الأسير المحرر مخلص برغال

برغال الذي كان يتوق للقاء بشارة عند تحرره ويفتقده كثيرا بعد سنوات من الحرية كان يعي أن المنفى القسري حرمه من ذلك، إذ أستذكر المحطات التي جمعته به خلال اللقاءات به، في البداية التقاه وجها لوجها، ولاحقا  الزيارات واللقاءات كانت من خلف فاصل زجاجي، لكن لم تنجح الجدران وإجراءات سلطات السجون من منع تعزيز الروابط والعلاقة ما بين الأسرى وبشارة، بحسب برغال.

ولفت برغال إلى أن جوهر التواصل مع الأسرى كان متابعة القضايا والملفات من قبل بشارة، الذي نقل قضايا الحركة الأسيرة وفعلها أولا بالمجتمع العربي لتعود مجددا إلى الوجدان والاهتمام، وثانيا الأمر الذي لا يقل أهمية، وهو طرح ملفاتهم وطلباتهم من خلال منبر الكنيست ومتابعة قضايا الأسرى أمام الجهات والمؤسسات الرسمية، إذ نجح بفرض قضية الحركة الأسيرة على الأجندة والخطاب العام بالمجتمع الإسرائيلي ونجح بسبب أدائه المميز إلى إيصالها لمتخذي القرار بالحكومة الإسرائيلية ولدى الفصائل الفلسطينية أيضا.

من هنا يمكن أن نلحظ بوضح، يقول برغال 'هذا الدور لبشارة الذي أسهم في حينه في تحقيق بعض الإنجازات للحركة الأسيرة، فدوره تخطى التعامل الرسمي، حيث ركز جل اهتمامه بالتعامل والتعاطي الإنساني مع القضية والنظرة الاجتماعية، بحيث أن بشارة تحول لصديق للأسير وكأنه جزء لا يتجزأ من عائلته، إذ اهتم أيضا بالعائلات واعتمد زيارتها وتفقدها وشحذها بالهمم والمعنويات'.

 

فصل المقال - ١٩٩٦

ويرى برغال أن النشاط بقضايا الأسرى لم يكن فرديا مقتصرا على بشارة أو الحركة الوطنية، فجميع الأحزاب والحركات والقيادات نشطت وما زالت تدعم وأن كان بتفاوت، لكن ما قدمه عزمي بشارة ودوره كان مميزا ورياديا، حيث ترك بصمات لدى الحركة الأسيرة بالسجون الإسرائيلية، وساهم  بتحقيق إنجازات جدية للأسرى وأيضا خلق حالة التفاف شعبي وجماهيري في المجتمع حول الأسرى.

وخلص برغال إلى القول: 'تميز بشارة بالإصغاء لقضايا الأسرى وأبدى دراية وإدراك لاحتياجاتهم وطلباتهم ومتابعة الملفات حتى النهاية، فهذا الاستمرارية بالتعامل والاحتضان والدفء جعل الأسير يتوق وينتظر الزيارة للقاء بشارة، فهذه اللقاءات كانت تأخذ منحى العلاقة الشخصية والاجتماعية والإنسانية إلى جانب ما تحمله قضية الأسر من بعد سياسي'.


تعليقات Facebook