النهضة المعاقة: التخلف والاختلاف (8)



** كتاب "طروحات عن النهضة المعاقة" للمفكر العربي عزمي بشارة صدر عام 2003، ونُشر كسلسلة مقالات في صحيفة "فصل المقال"، يجمعها همّ عرض وتحليل المعوقات التي تقف في وجه النهوض بالمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني نحو التحديث، ويلتقي فيها البعد النظري بالاجتماعي والسياسي. نُعيد في موقع "عرب4 8" نشْرَ هذه المقالات لأهميّتها وراهنيّتها.


التخلف والاختلاف


يشكل اختلاط المعايير وطمس الحدود بين المجالات ظاهرة ما بعد حداثية إذا ما سبقها وضوح في الحدود بين المعايير والمجالات، وإذا ما تبع ذلك صراع ضد عشوائية هذه الحدود التي باتت إحدى أدوات السيطرة والقوة والرقابة ضمن البنى المعرفية القائمة. وبذلك تعتبر التيارات الفكرية الأساسية في المابعد حداثية الحدود المفروضة بين مجالات النشاط الإنساني تكريسًا اجتماعيًا أو أكاديميًا أو سياسيًا لعلاقات القوة والسيطرة في المجتمع الحديث. فهذا المجتمع يقوم على الفصل بين الفرد والمجتمع، الدين والدولة، العلم والغيب، الطب والشعوذة، والصناعة والطبيعة. يضع بين هذه كلها حدودًا ما هي إلا انعكاس لعلاقات القوة والسيطرة. كما يكرس اختصاصات هي احتكار للمعرفة في نخب مشرذمة وضعيفة، أمام مبنى الدولة الشامل، لكن مهيمنة في الوقت ذاته، كل في مجاله، لتكرس علاقات الهرمية والتراتبية القائمة.

وبغض النظر عن صحة هذا النقد والبدائل التي يطرحها (أو التي لا يطرحها، للدقة فقط) يبقى هذا النقد نقدًا للحداثة وفي سياقاتها. فالحدود التي ينتقدها أثبتت نجاعة في الإبداع والابتكار بشكل لم يعرفه المجتمع البشري. فقد غيرت وجه الإنسانية منذ النهضة Renaissance مرورًا بالثورتين المترابطتين العلمية والصناعية، وكافة الثورات المشتقة منهما في مجالات العلوم أو الأتمتة والحوسبة والاتصالات. كما أثبتت هذه الحدود بين المجالات المعرفية والعملية قدرة فائقة على تعديل وتكييف ذاتها، وإزالة حدود قديمة، وإقامة حدود جديدة إذا تطلبت الحاجات الاجتماعية والمعرفية ذلك.لكن قد ينفع هذا النقد لأن موضوع النقد قادر على التطور، ولأنه في مثل هذه السياقات العقلانية يترك النفي مجالًا لنفيه هو، ويترك النقد مجالًا لنقده، وبالتالي يدفع إلى التطور من النقد إلى تغيير الواقع باستيعابه للنقد، أي ينفي النقد.

لكن اختلاط المعايير قبل أن تقوم الحدود الحداثية بين المجالات، وقبل أن تتميز مجالات النشاط الإنساني، هو تبنٍّ لبعض لحظات ما بعد الحداثة منزوعة من سياقها التاريخي من أجل حماية وتكريس ما قبل الحداثة، أو ما تبقى منها في الحداثة المشوّهة. وغالبًا ما يعزّي أعداء التطور والتقدم أنفسهم بفتات من نظريات وفلسفات متأخرة تؤكد على: الاختلاف، خصوصية الهوية الثقافية، النسبية المعرفية، محدودية الخطاب العلمي، وغير ذلك.

فالانتقادات للديموقراطية الغربية مثلًا، خصوصًا بعد أن ترسّخت وأصبحت بذاتها موضوعًا لنقد ذاتها كديموقراطية ليبرالية، تُرجمت لدينا كدلالة على ضعف الديموقراطية ومحدوديتها، "فحتى أهلها ينتقدونها"، و"حتى أهل الغرب ينتقدون حضارتهم"، و"إنهم يعترفون بأنفسهم...".

والمفترض، بموجب هذه العقلية، أن تشكل "شهادة شاهد من أهله" دليلًا دامغًا. وهي في الحقيقة ليست دليلًا إلا على تطور وقوة الديموقراطية، وعلى تخلف وعصبوية العقلية التي تنطلق من "أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فتحولها إلى "أنصر ثقافتك كما تتصورها...". فهي لا تتذهن "أبناء ثقافة" ينتقدون ثقافتهم إلا كدليل على انحلالها، وهو كذلك فعلًا في حالة القبلية. ذلك أن نقد القبيلة من داخلها لا بد أن يكون دليلًا على انحلالها. هذه العقلية قبلية تستخدم حوارات "الآخرين" شماتة وتحول الاقتباس إلى نوع من "نقل الحكي" و"استغياب" الثقافات الأخرى لتفنيد الهوة والفجوة القائمة بين الديموقراطية وغيابها، بين التطور والتقدم، و"يعني إذا ناس منهم وفيهم بيحكوا هيك شو نقول نحنا؟".

تستولي العقلية القبلية، إذن، استيلاء الغازي على انتقادات حداثية تنطلق من فهم محدد للديموقراطية باعتبارها مرتبطة بنمط حياة "غربي"، أو ثقافة "غربية" محددة ومتشكلة تاريخيًا، وبالتالي فهي ليست كونية كما تدعي. كما أنها تتبنى بغبطة الاعتداد بالنفس، الخبيثة والغبية في آن، هذه الانتقادات الموجهة إلى الاغتراب الحداثي بين الفرد والمجتمع في الديموقراطية مع ازدياد قوة عنصر المنافسة وغيرها. فهذا الاغتراب غير قائم في القبيلة، وبقمعه المجتمع التقليدي لكن بثمن غياب الفرد أصلًا ومنع تفرده. أما في المجتمع الحديث المشوه الحداثة، والذي يتبنى التقاليد القبلية كأيديولوجية ضد الديموقراطية والتقدم، واللاهوت الديني كأيديولوجية تبريرية للنظام السياسي والاجتماعي، فإن الثمن مدفوع من حرية وخصوصية الفرد المقموعة. ويجبى هذا الثمن بطمس الفرق بين الحيز الخاص والعام.

يتخذ التخلف الاجتماعي والسياسي شكل الاختلاف والتميز الحضاري والثقافي مبررًا ذاته عبر تسخير النسبية الفجة لنظريات ما بعد الحداثة. قد نكون فخورين بتميزنا، ولا بأس بذلك، فمن دون تميز لا توجد هوية. لكن التميز يختلف عن النسبية التي تحوّل التخلف إلى مجرد اختلاف، والفقر إلى فرق، وطغيان الجماعة على الفرد إلى حميمية تميز دفء "الشرق" عن اغتراب "الغرب"، والصفنة الفارغة من أي معنى إلى تأمل يدل على حكمة، والغباء والبدائية في التفكير إلى أصالة، والفهلوية الشارعية، المجلوبة إلى أروقة الحكم، والشطارة إلى حنكة ودهاء سياسي لا يلبث أن يتحول إلى فقدان تام للمصداقية.

إن خطاب ما بعد الحداثة، بما فيه نقد الاستشراق على وجاهته، قد ترك وراءه مضمونه وسياقاته التاريخية، أي نقد الحداثة لذاتها. لكن النقد الوحيد الممكن لما قبل الحداثة هو الحداثة ذاتها. وهذا لا يعني أن تمر حداثتنا بدرب الآلام التي مرت فيه الحداثة الأوروبية وزجّت بالآخرين فيه. فليس من سبب وجيه يدفعنا إلى رفض الاستفادة من التجربة الأوروبية ومن نقدها: الرومانسي والماركسي والمابعد حداثي. فقد كان لهذه الانتقادات معنى لأن الحداثة كانت قادرة بعد آلام عسيرة على استيعابها وتكييف ذاتها من أجل استيعابها. وحيث تم تبني هذه الانتقادات خارج قبول أسس الحداثة، أو خارج توفرها، فإنها إما تحولت إلى رؤيا إسكاتولوجية خلاصية كارثية كما في الحركات الفاشية أو الصينية، أو إلى نظريات هندسة اجتماعية بدائية حالة الأنظمة الشيوعية، أو إلى تركيبة من كلا العنصرين أدت إلى مذابح وجرائم كبرى حقيقية: الستالينية، الماوية، الخمير الحمر... أو إلى إعادة إنتاج قسرية للجماعة العضوية التي لا ينفصل فيها الفرد عن المجتمع في القومية الفاشية والتدين السياسي ذي الخطاب الجماهيري. نحن قادرون على الاستفادة من نقد الحداثة فقط إذا تبنينا الحداثة. والنفي النقدي هو الذي يفسح المجال لنقد ذاته ليكون نقد النقد هو الطريق نحو التطور.
 


تعليقات Facebook