حرب الـ 90 دقيقة: عيسى vs موشيه

رحت أحمل أعلام فريقي الصغيرة والكثير من الحماسة والاستعداد لجولة كرويّة حامية الوطيس، ورسمت في مخيّلتي صورًا لنفسي من الانفعالات، وقلبي وعقلي يترقّبان لحظات يباغت فيها الفدائيّ خصمه، لكنّني خضت خلال 90 دقيقة حربًا مع نفسي وأنا أحاول أن أشكمها خشية الإفراط في تعابير الملل والخيبة. ظننت "حرب الـ 90 دقيقة" حربًا على الروايات، وتصوّرت فيه متعة لا تضاهى، تجمع ملعبي الكرة والسياسة، لكنّني وجدت نفسي أمام محاولة نقد ذاتيّ ضعيفة، وروايات مجترّة، وكليشيهات عفى عليها الزمن، وصراعًا يكون فيه القول الفصل في النهاية لزير نساء!

نمطيّة

تعود فكرة الفيلم إلى كتاب "حرب الـ 90 دقيقة" (2008)، من تأليف الصحافيّ الإسرائيليّ إيتاي مئيرسون، وفيه طرح فكرة "مبتكرة" لحلّ الصراع الدامي عن طريق مباراة كرة قدم تجمع فريقي الشعبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ. أورد الكتاب تلخيصًا لبعض الممارسات السياسيّة والشعبيّة الإسرائيليّة ضدّ كلّ ما هو فلسطينيّ، سواء كان ذلك داخل ما يُعرف بالخطّ الأخضر، أو في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. يستحضر المخرج الإسرائيليّ، إيال حلفون، في فيلمه الذي يحمل اسم الكتاب نفسه، مشاهد من تاريخ المجتمع الإسرائيليّ، ويكثر من الرمزيّة التي غيّبها المشهد السياسيّ الآنيّ، لكنّه، طبعًا، لا يتخلّى عن الكثير من الآراء المسبقة والأفكار النمطيّة حول الفلسطينيّين، المتأثّرة بالخطاب السياسيّ – الإعلاميّ الإسرائيليّ، والساعية إلى استمرار توحيد الإسرائيليّين تحت شعار الضحيّة وهواجس الإبادة.

ومثلما يحاول الكتاب أن ينقل صورة فكاهيّة ساخرة لحلّ الصراع، فإنّ الفيلم يفعل أيضًا، لكنّ ضعف الحبكة وإيقاع الأحداث البطيء الخالي من التشويق، يجعل منه محاولة سينمائيّة فكاهيّة غير ناجحة. قد يكون للسخرية وقع على المشاهد الإسرائيليّ، لكنّها لم تكن كذلك لديّ.

استاد في البرتغال

تبدأ الحكاية من ملعب كرة قدم في البرتغال، حيث يدخل طاقم تصوير إلى استاد "ألجارفا" البرتغاليّ، ليعلن عن استضافة هذا الملعب تحديدًا لـ "حرب" كرويّة بين منتخبي إسرائيل وفلسطين! ونتابع على مدار 90 دقيقة، فعلًا، توثيق الطاقم للسيرورة التي تسبق الواقعة على أرض الملعب، وقد كان لاستخدام نمط "فيلم داخل فيلم" وقع مهمّ في عرض المواقف، إذ نقلها رئيس الاتّحاد الإسرائيليّ لكرة القدم إلى جمهوره وهو يصوّب نظره إلى أعينهم.

يقرّر رئيس الحكومة الإسرائيليّ ورئيس السلطة الفلسطينيّة اتّخاذ مسار جديد لحلّ الصراع، بعد أن فشلت المساعي الدبلوماسيّة كلّها، ولم يبق أمامهما إلّا ابتكار حلّ "سلميّ" يتجسّد في مباراة كرة قدم تجمع المنتخبين، لتقرّر النتيجة مَنْ سيكون الرابح الباقي على الأرض، ومَنْ الخاسر الذي سينتقل إلى دولة أخرى (ناهيك عن الحيرة في اختيار الدول التي سينتقل إليها أحد الشعبين!).

نواكب، بإيقاع بطيء، واقع المجتمعين الإسرائيليّ والفلسطينيّ، من خلال الاستعدادات للمباراة، ويطلّ علينا البطلان، رئيسا اتّحاد كرة القدم، كلّ في بلده (الممثّل نورمان عيسى) و(الممثّل موشيه إيفجي)، لنختبر معهما كيف يتعامل العالم مع هذا الصراع، وقد وضع المخرج كلًّا منهما في موقع مناطحة الآخر، ما يجعل الفيلم مثل رقصة تانغو تجعل عيسى وإيفجي في المركز وتستثني كلّ ما حولهما، فيصبحان ممثّلين للمواقف التي تبدو سائدة لدى شعبيهما، وفي هذا خطورة؛ إذ يستفزّنا رئيس اتّحاد كرة القدم الفلسطينيّ عندما يعلن أمام الإعلام بأنّ المباراة هذه ستحقّق ما لم تتمكّن من تحقيقه المفاوضات أو الحجارة أو الشهداء، وهو، بلا شكّ، موقف يهمّش دور المقاومة، ويضعها في خانة تأجيج الصراع والحيلولة دون حله.

الإسرائيليّ المؤَنْسَن

ينطلق الإعلام العالميّ لتغطية الحدث التاريخيّ المهمّ، ويعلن مذيع إحدى قنوات التلفزة أنّ هذه المباراة تأتي لإنهاء 50 عامًا من الصراع، أي منذ عام 1967، فأتساءل أنا: 50؟ وماذا عن 19 عامًا سبقتها؟ وأعوام أخرى بدأ خلالها الزحف من أجل احتلال هذه الأرض وتطهيرها من الشعب الذي بنى حضارته فيها؟ لكنّ المخرج جهّز لي إجابة ينطق بها رئيس الـ "ويفا" عند تفسيره عدم اختيار إنجلترا مستضيفة للمباراة، فيجيب بأنّ هذه الدولة لها علاقة بتاريخ الصراع بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين العائد إلى عام 1948، وقد قرّرت "ويفا" استثناء كلّ من يمتّ بصلة لتاريخ الصراع.

يسعى الفيلم، في الكثير من الحوارات والمؤثّرات والرموز، إلى أنسنة الجانب الإسرائيليّ، فتلوح في الأجواء ظلال شتلة زيتون في مكتب رئيس اتّحاد كرة القدم الإسرائيليّ، وهو هادئ الطبع متروٍ، حكيم، دبلوماسيّ قلّما يشتم، لكنّه مراوغ، كلاعب كرة قدم ماهر، حتّى لحظاته الأكثر خبثًا وعنفًا يؤدّيها بأناقة.

روايتان؟!

تظهر التعبئة والحشد في الشارع الإسرائيليّ في أوضح صورها؛ إذ تصول وتجول، في المواقف كلّها، استماتة الإسرائيليّين من أجل التأكيد على كونهم "الضحيّة" الأكثر معاناة على مرّ التاريخ، فيتجنّد الشعب من أجل الفوز تحت شعار "شعب إسرائيل حيّ"، وتبدأ طقوس تعزيز العلاقات بين لاعبي المنتخب و"أرض إسرائيل" وتاريخها، وتاريخ الشعب اليهوديّ، انطلاقًا من معارك مسادة حتّى الإبادة على يد النازيّة.

يخرج المنتخب الفلسطينيّ المجتزأ، بالمقابل، إلى مخيّم جنين، ليسمع حكايات البطولة التي استشهد على إثرها عدد من قيادات المخيّم، من دون أيّ ذكر لتاريخ الفلسطينيّين شعبًا ذا حضارة وتاريخ يعود إلى ما قبل عام 2000 بكثير. أمّا في غرفة ملابس المنتخب، فيتغنّى رئيس الاتّحاد بنضال الفلسطينيّين بشكل أقرب إلى كونه فكاهيًّا من أن يعكس موقفًا، وينتقد المواقف العربيّة المتخاذلة من القضيّة الفلسطينيّة، ويشعر بالشفقة تجاه ما آلت إليه سوريا؛ وفي هذا كلّه خليط غير متناسق من الأحداث والمواقف والانفعالات التي تبدو غير مدروسة.

إلى جانب من سيلعب إياد؟

يسلّط الفيلم بعض الضوء على قضيّة داخل القضيّة: الفلسطينيّون في إسرائيل، من خلال شخصيّة لاعب المنتخب الإسرائيليّ، إياد زعمط (الممثّل مجد بيطار)، شخصيّة شابّ فلسطينيّ يؤكّد الفيلم على هويّتها الدينيّة المسيحيّة بشكل مبالغ به. إياد الذي يتمتّع ببشرة بيضاء وملامح أوروبيّة لا يشبه لاعبي المنتخب الفلسطينيّ، لكنّه ليس إسرائيليًّا، فمن هو؟ لمن يتبع؟ ما هي هويّته؟ ما هو انتماؤه؟ ويصبح إياد موضوع حديث الأوروبيّين الذين يسألون: إلى جانب من سيلعب؟

لا تستغني الرواية الإسرائيليّة، بخبث، عن خلق شخصيّة "العربيّ الإسرائيليّ"؛ فإياد يشعر بشيء من الانتماء لعروبته، لكنّه يطعنها في أوّل فرصة سانحة عندما يدافع عن سيّارته الثمينة من انفعال أولاد بلدته وتحلّقهم حولها، هامسًا للصحافيّ: "سيّارتي جديدة، وهؤلاء العرب حالما تدير لهم ظهرك يخونوك". يتخلّى إياد عن اللعب مع المنتخب الإسرائيليّ، فيحوّله ذلك إلى "خائن، ومخرّب، وطابور خامس"، يتبعها حرق سيّارته الذي يعيد للذهن نشاطات "دمغة الثمن" (تاج محير). أمّا رئيس اتّحاد كرة القدم، فلا يكفّ عن التشديد والتأكيد على إياد بأنّ إسرائيل مَنْ "طوّرته، وعلّمته، وفتحت له الأبواب ليكون لاعبًا ناجحًا"، وها هو الآن يُمتحن في ولائه للدولة (ألا يشبه هذا تحميل فلسطينيّ مهمّة إشعال شعلة الاستقلال للأسباب ذاتها؟).

عسكرة

يخرج المنتخب الإسرائيليّ في جولة "نبش الجذور" بمسادة، وتشرح لهم المرشدة تاريخ المكان، ثمّ تقول لهم: اتبعوني إلى منطقة الانتحار الجماعيّ، فيمشون وراءها جميعًا، إلّا إياد. ربّما أراد المخرج أن يلوّح لشعبه بأنّهم ماضون نحو انتحار جماعيّ، لكنّني لم أتمكّن من فكّ شيفرة هذه الإشارة، هل يقصد بها أنّ الحلّ الحاسم انتحار جماعيّ؟ أم أنّ المفاوضات والتنازلات لصالح الفلسطينيّين انتحار؟ وإلى جانب ذلك، تتجلّى عسكرة المجتمع الإسرائيليّ بكلّ وضوح، وكذلك إيمان الإسرائيليّين بقوّة جيشهم الذي يتعدّى حدود الصراع السياسيّ، فتنافس "بساطير" وحدات النخبة أحذية كرة القدم، وذلك عندما يعلن رئيس الاتّحاد نيتّه الاستعانة بالجيش، معلّلًا ذلك بخبرة الأخير في التمارين والاستراتيجيّات والحملات، وفعلًا، نراه يستضيف ممثّلين عن "وحدات النخبة" قبيل المباراة.

لا يترك الفيلم مناسبة إلّا ويذكر فيها محرقة اليهود على يد النازيّة، فكلّ دولة أوروبيّة تُمتحن حسب علاقتها بالنازيّة قبل 50 عامًا، وكلّ حَكَمٍ تُنبش شجرة عائلته لفحص إن كانت له علاقته بالنازيّة، حتّى مولر الألمانيّ، مدرّب المنتخب الإسرائيليّ، يستغني عن مهمّته بعد زيارة متحف ذكرى المحرقة النازيّة.

كليشيه

يسعى الفيلم، في مشاهد كثيرة، إلى أن يكون ناقدًا للممارسات الإسرائيليّة تجاه الفلسطينيّين والعرب والعالم؛ مثل حوار يدور في اتّحاد كرة القدم، والذي يخلص إلى ضرورة فرض حصار لمنع أيّ فلسطينيّ من دخول مناطق السلطة، فلا يؤهّله يتأهّل، بذلك، للّعب في منتخبها، الفلسطينيّ، فيكون الردّ: "لكنّنا نفرض عليهم الحصار في كلّ الأحوال".

وللأمّ الإسرائيليّة دور بارز، فهي تحاول أن تمنع إقامة المباراة، وتعترض على زجّ ابنها في قضيّة تثقل كاهل العائلة. وهي صورة تعيد تاريخ تنظيمات "نساء في سواد" و"4 أمّهات"، اللواتي حملن مواقف ضدّ تقديم أولادهنّ ضحايا.

لا يخلو الفيلم من كليشيهات، لا سيّما كليشيه "كلّنا بشر"، وأنّ الصراع ليس فرديًّا ولا شخصيًّا. يجتمع رئيسا الاتّحادين، الإسرائيليّ والفلسطينيّ، مع مندوب الدولة المضيفة، البرتغال، يرفعون نخب أولادهم وأحفادهم، ويتبادلون صورهم، ويضحكون ويمضون وقتًا ممتعًا، ويستخدمون دواء آلام المعدة نفسه، ليظهر لنا، على ما يبدو، كم نحن بشر متشابهون في التفاصيل الصغيرة الحميميّة، ثمّ يعود كلّ إلى غرفته ليعلن أنّ الأمسية كانت لطيفة، وأنّ الصراع لو اعتمد على المصالحات الفرديّة لما كان موجودًا أصلًا، ثّم يُختتم المشهد بيقين الإسرائيليّ من فوز منتخبه، واعتقاد الفلسطينيّ أنّه سيفوز.

نور في آخر النفق؟!

في اليوم التالي، توجّه أنظار العالم كلّها نحو استاد "ألجارفا"، ليدخل لاعبو المنتخبين، والمدرّبان ورئيسا الاتّحادين في نفق يسطع في آخره نور يعمي الأبصار!

في مشهد الاحتفالات الفلسطينيّة والتجنّد الشعبيّ لدعم المنتخب، يظهر مشهد "وثائقيّ" مأخوذ من مسيرة يوم الأرض ومهرجانها الخطابيّ الذي أُقيم في دير حنّا؛ مشهد "شاذّ" بالكمّ الكبير من الفلسطينيّين المتجنّدين لمنتخبهم مقابل كلّ المشاهد المصوّرة الأخرى.

هذا الفيلم إسرائيليّ بتفاصيله كلّها، وهو يستهدف الإسرائيليّين، وربّما يوجّه لهم بعض الملاحظات لدفعهم إلى التفكير؛ لكنّه فيلم سطحيّ في طريقة طرحه، يظهر الفلسطينيّ فيه محفّزًا للتأمّل الداخليّ والنقد الذاتيّ، وليس كيانًا له تاريخ وحضارة وحقّ في هذه الأرض وعليها. في المحاولة السينمائيّة استماتة لزجّ كلّ القضايا الصغيرة في 90 دقيقة: الصراع، التاريخ، الضحايا، الحواجز، حصار غزّة، الملاجئ، دمغة الثمن، جودة الحياة، موقف دول أوروبّا، جهل العالم بالقضيّة، والكثير غيرها؛ الأمر الذي لا يترك مكانًا للتعمّق، ولا نور يعمي الأبصار في آخر النفق.

أعود الآن إلى كنبتي الخضراء الصغيرة لأتابع بحماس مباريات دوري أبطال أوروبّا!

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة "دوغري نت" بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز "إعلام". حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، طالبة ماجستير في ثقافة السينما.

 

تعليقات Facebook