"الهيبة": طرق بديلة للدراما السوريّة

تيّم حسن ونادين نجيم

لا يسهل في الموسم الدراميّ العربيّ الأكبر، في رمضان، متابعة جميع المسلسلات، كما لا يسهل التركيز في مناقب ومثالب كلّ منها، لذلك قد يذهب المرء إلى اختيار واحد يوليه اهتمامًا خاصًّا، ويبقى أن ينصفه هذا الخيار أو يخيب ظنّه. وقفت هذه السنة على عدّة مسلسلات، وجدتها تغربل نفسها وفق معايير عديدة: وقت العرض، وأسماء الممثّلين، وأداؤهم، والنصّ الذي يشكّل أساسًا في العمل. تابعت بعناية مسلسل 'الهيبة'، للمخرج السوريّ سامر برقاوي، وكاتب السيناريو السوريّ هوزان عكّو.

في أزمة

يمرّ المسلسل السوريّ في أزمة تعود أسبابها إلى الوضع السياسيّ، ثمّ الجغرافيّ، ثم العِلاقِيّ الذي تحكمه السياسة والمبادئ المتأتّية من مواقف الفنّانين السوريّين ممّا تشهده بلادهم، ولا سيّما أولئك الذين اختاروا إعلان مواقفهم، ما أدّى إلى فرزهم إلى مجموعات عدّة، كان عليها أن تعمل على شكل خلايا متفرّقة. يضاف إلى ذلك مسألة الشاشات المسخّرة لاستقبال الدراما السوريّة، والتي تتعامل معها انطلاقًا من الموقف السياسيّ والاصطفافات.

بدأ المسلسل السوريّ، في ظلّ تلك التحدّيات، يتبلور في صور مختلفة، فمرّة نرى نجوم الدراما السوريّة في مسلسل مصريّ، ومرّة نرى المخرجين السوريّين في أعمال خليجيّة، ومرّة نرى الدراما اللبنانيّة تفتح أبوابها لاستقبال السوريّين، لتسفر هذه اللقاءات عن نتائج متباينة.

تقول الفنّانة السوريّة ليلى سمّور في حديث إلى فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة: 'يواجه المسلسل السوريّ ضعفًا واضحًا أدّت إليه الحرب وتبعاتها، ومن ضمنها حصار وتضييق على توزيع المسلسلات السوريّة على المحطّات العربيّة، ما أفقد المسلسل السوريّ الجدّة والسلاسة، وشابه الملل والتكرار والفانتازيا المبالغ بها، ما خلخل الدراما السوريّة. تابعت جانبًا ممّا عُرض هذه السنة بسبب وجودي في فرنسا، وتابعت، أيضًا، ردود فعل المشاهدين من خلال السوشال ميديا، فوجدت معظمها سلبيًّا ومؤسفًا'.

وترى سمّور أن ثمّة دوافع عدّة لانتقال الممثّلين السوريّين إلى المشاركة في مسلسلات عربيّة، منها أنّ الممثل يسعى، دائمًا، إلى تجارب جديدة تغنيه وتمنحه فرصة للاستفادة من خبرات الآخرين، ولإضافة خبرات جديدة لممثّلين آخرين. وأشادت سمّور بالتجربة السوريّة – اللبنانيّة، وقالت إنّها استطاعت أن تخلق لوحة متكاملة، ممتعة وغنيّة الألوان. وأكّدت على أهمّيّة أن يقف كلّ ممثّل في مكانه الصحيح، معبّرة عن أسفها لتكرار أسماء محدّدة دون غيرها في الأعمال الدراميّة، واستثناء أخرى، مبدية قلقها من أن يؤدّي ذلك إلى ملل لدى المشاهد. وأشارت إلى أنّ الممثّل السوريّ ترك بصمة مهمّة في الأعمال العربيّة في الآونة الأخيرة، كما أنّه أغنى نفسه بخبرات جديدة تضيف إلى الرصيد الفنّيّ السوريّ.

الفناّانة ليلى سمّور

أمّا كاتب السيناريو، هوزان عكّو، فقال في حديث لفُسْحَة: 'الدراما صناعة تتّكئ على عوامل عديدة، لمّا تزل الدراما السوريّة تحتفظ بالعديد منها، وبقوّة، من كتّاب ومخرجين وفنّيّين، وتكتمل هذه الأعمال بجهات إنتاج تتصدّى لتناول موضوعات الدراما، على الرغم من أزمة التسويق. التسويق والمحطّات العارضة هما التحدّي الأبرز، إذ إنّ أعمدة الدراما يثبتون علوّ كعبهم، سواء في أعمال مشتركة، أو محلّيّة، في ظروف صعبة وغاية في التعقيد'.

خيارات سامر برقاوي

ولعلّ مسلسل 'الهيبة' واحد من أكثر المسلسلات جذبًا هذه السنة، فلقد نجح في استقطاب الجمهور من خلال النجوم الذين اعتمد عليهم، بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة.

تتنامى أحداث المسلسل في جوّ من الإثارة والتشويق، حيث تعود (عليا) مع ابنها من كندا بعد مقتل زوجها هناك، لتدفنه في بلدته الحدوديّة، 'الهيبة'، لتفاجأ بقرار أمّه التحفّظ على الطفل، الأمر الذي سيقود إلى قرار آخر، زواج (عليا) من (جبل)، شقيق زوجها المتوفّى وزعيم العشيرة التي تعمل في تهريب السلاح على الحدود السوريّة اللبنانيّة. تقاوم (عليا) هذه القرارات وتحاول الفكاك منها، إلّا أنّها ترضخ أخيرًا، فتتزوّج من (جبل) لتتوالى الأحداث بعد ذلك، ما يجعل الزواج الكذب حبًّا مفاجئًا، وعلاقة حقيقيّة.

المخرج سامر برقاوي

نجح المخرج السوريّ، سامر برقاوي، في خلق مجتمعات عربيّة منسجمة على نحو معقول خلال أعماله السابقة، في دبيّ، ولبنان، والقاهرة، وفي أماكن أخرى أيضًا، وقد حرص على تسجيل حضور لامع في المواسم الرمضانيّة الماضية بمسلسلاته: 'لو'، و'تشيللّو'، و'نصّ يوم'، وأخيرًا 'الهيبة'.

يختار برقاوي نجومه بدقّة ملموسة ليتسيّدوا المشهد، كما يبرع في تأليف فريق متمكّن من القيادة ينجح في نقل المشاهدين من حياة إلى أخرى كلّ مرّة، ما يمنع الملل من الوجوه التي بدت محدودة في أعماله الأخيرة، إذ في المسلسلين الأخيرين، 'تشيلّلو' و'نصّ يوم'، اعتمد بشكل كبير على الثنائيّ السوريّ، نادين نسيب نجيم وتيّم حسن، بالإضافة إلى يوسف الخال، إلّا أنّه قرّر هذه السنة، على ما يبدو، أن يسلك طريقًا بديلة، فأضاف نجومًا أقلّ نجوميّة واستغنى عن يوسف الخال. كما فاجأنا بتقديم السوريّة منى واصف هذه المرّة، لتمنح عمله الجديد، 'الهيبة'، فخامة ورزانة، وأضاف كذلك اللبنانيّ عبده شاهين، الذي أبلى بلاء مدهشًا. ونجد أنّه باعد بين نجيم وحسن، بحكمة، فلا هو خذل المشاهدين المنتظرين ظهور هذا الثنائيّ، ولا انساق في مغامرة التكرار الخطيرة.

حول الشخصيّات

اعتدنا أن يُظهر تيّم حسن مهارة في التعابير الجسديّة، وهو مَنْ أبدع في 'تشيلّلو' مشية متّزنة لشخصيّة (تيمور)، تتوافق مع حاشيته التي تمشي خلفه دائمًا، كما أظهر أناقة تليق بهذه الشخصيّة، ملبسًا ومأكلًا ومزاجًا. أمّا (ميار) في 'نصّ يوم'، فقد اختار له مشية الأبله، فنجح في إظهار الشخصيّة ضعيفة وفقًا لمقتضيات الدور.

الفنّان تيّم حسن

لكنّ حسن واجه مشكلة مع دور (جبل) في 'الهيبة'، على ما يبدو، إذ كان عليه أن يتصرّف مثل جبل راسخ؛ قليل الكلام، وهادئ، ومتّزن، وقادر على أن يكون قوام عشيرته التي يتزعّمها. كما كان عليه أن يُظهر، في الوقت نفسه، قوّته وغلبته على أفراد عشيرته وعلى العشائر الأخرى في قرية الهيبة الحدوديّة، وعلى تجّار السلاح الذين يشكّلون مصدر دخل له ولـ 'عائلته'، أهل الهيبة، وفق تعبير العمل، ولا سيّما أنّ العمل الذي أنتجه أنور صادق صبّاح، لم يشأ أن يظهره زعيم عصابة، بقدر ما أراد أن يظهره ابنًا بكرًا لعشيرة تقيم على خطّ النار.

مَنْ اختار أن يتعامل مع أدائه من هذا المنظور، فلا بدّ أنّه سيسجّل إعجابًا كبيرًا، أمّا مَنْ اختار أن ينظر إلى أدائه من خلال الصورة النمطيّة للزعيم التي اعتدنا عليه في الفيلم المصريّ، أو مسلسلات مثل 'باب الحارة'، فلن يعجبه الأمر، وهنا كان التحدّي الصعب أمام حسن.

أمّا نادين نسيب نجيم، وقد أدّت دور (عليا)، الفتاة كَنَديّة الجنسيّة والثقافة، فقد أظهرت قوّة في الشخصيّة، بالإضافة إلى ردود فعلها بصفتها امرأة متحرّرة ترفض السلوك العشائريّ. كما أبدعت في إظهار مشاعرها شيئًا فشيئًا تجاه الهيبة، أرضًا ومجتمعًا، وهي جزء من أرضها الأمّ، فظلّت علاقتها بها بين مدّ وجزر، تمامًا كما هي علاقتها بأمّها البيولوجيّة. هذا التأرجح الفصاميّ شكّل تحدّيًا برهنت من خلاله نجيم قدرتها وبراعتها، لكن يؤخذ عليها عدم إتقانها للّفظ الإنجليزيّ الصحيح في بعض الكلمات التي دأبت على ترديدها، كما هو متوقّع من شابّة قضت ما مضى من عمرها في كندا.

الفنّانة نادين نسيب نجيم

أمّا عبده شاهين، فقد أظهر قدرة مفاجئة في التعامل مع دور 'الذراع اليمنى' للزعيم، معتمدًا على تعابير الوجه، وديناميكيّة الحركة، واستثمار كلّ ما لديه من قوى كامنة في سبيل عدم الظهور بشخصيّة 'الإمّعة' الذي ينفّذ أوامر الزعيم، من دون أن يضع لمسته الساحرة. تفوّق شاهين على الدور الضيّق ليصنع منه خطًّا أساسيًّا في العمل، جعل المشاهدين ينتظرون ظهوره اللافت.

أمّا أويس مخلّلاتي، فقد تقمّص شخصيّة الشيطان في هذا المسلسل أيضًا، لكنّه ظهر بلا مخالب هذه المرّة، لأنّ 'أصول' العشيرة اقتضت ذلك، فأبدع في تجسيد الفتى المتهوّر، الذي لا يعجبه اتّزان أخيه الأكبر، (جبل)، إلّا أنّه يرضخ له دائمًا.

حلول منطقيّة

يتنوّع ممثّلو 'الهيبة' في الجنسيّة واللهجة، بين السوريّة واللبنانيّة، وقد كان لذلك أثر واضح في بناء العمل، الذي تمكّن كاتبه، هوزان عكّو، من تقديم نصّ محبوك له، عبر معادِلات موضوعيّة كثيرة تسند عقدة العمل الرئيسيّة، بالإضافة إلى مُكنة ملحوظة في الحوارات والفلسفات الخاصّة بأبطاله، كلّ حسب ثقافته المكتسبة من المكان الذي وفد منه.

 وقد قال هوزان عكّو حول تعدّد جنسيّات العمل: 'الحلول المنطقيّة لوجود ممثّلين من جنسيّات مختلفة يتطلّب بناء خاصًّا ودقيقًا، لا إقحام فيه ولا تكلّف، فيبدو متناسقًا ومنسجمًا مع بيئة العمل العامّة وحكايته. المكان الذي تدور فيه أحداث العمل (الحدود السوريّة اللبنانيّة)، لا يترك لبسًا في كون الأمّ سوريّة، وأن يتحدّث أبناؤها لهجتها. هذا التنوّع المنطقيّ، السوريّ اللبنانيّ، يأتي من طبيعة المكان الحدوديّ، ولو أنّ المكان كان بيروت، مثلًا، لاختلف الأمر تمامًا'. ويضيف: 'الحضور السوريّ واللبنانيّ في ’الهيبة’ مبنيّ على العلاقة المتداخلة، ثمّة خيط رفيع  يشتدّ ويظهر حسب تطوّر الحدث، من دون أن يؤثّر في الحكاية الرئيسيّة'.

الكاتب هوزان عكّو

وقد قدّم عكّو حجّة مقنعة حول كون البطل (جبل) لبنانيًّا يتحدّث اللهجة السوريّة، إذ إنّ أمّه ذات الشخصيّة القويّة سوريّة، وتزوّجت من اللبنانيّ سلطان شيخ الجبل، لكنّ الزوج مات مبكرًا، فربّت أولادها في بيئة ينسجم فيها السوريّ واللبنانيّ، لتظلّ عبارة 'ابن الشاميّة' وسمًا يلاحق (جبل) شيخ الجبل، وتذكّر المتلقّي بالسبب المنطقيّ لذلك.

واختار  عكّو لعائلة 'شيخ الجبل' أسماء تقترن بالصلابة والعلوَ: ناهد، وسلطان، وجبل، وصخر، ومنى، وعلياء، وشاهين. أمّا الابن المقتول، فاختار له اسم عادل، في إشارة إلى غياب العدل في هذه البيئة الملتبسة.

أحلاهما مرّ

عانى 'الهيبة' من بطء ملحوظ في أحداث الحلقات العشر الأولى، إذ خلت، تقريبًا، من أيّ حدث مهمّ، ويرجع ذلك، في تقديري، إلى بنية الـ 30 حلقة التي يفرضها الموسم الرمضانيّ، ما يجعل المخرج أمام واحد من خيارين أحلاهما مرّ، إمّا أن يختار قصّة طويلة يضطّرّ إلى القفز داخلها عن محطّات عدّة، أو أن يختار قصّة قصيرة فيضطّر إلى مطّها لتصبح على قياس الشهر.

على الرغم من ذلك، أستطيع القول إنّ مسلسل 'الهيبة' واحد من أفضل مسلسلات هذا الموسم، والسبب الأساسيّ يعود إلى كفاية المخرج سامر برقاوي، وأداء الكادر التمثيليّ الذي لم يألُ جهدًا مهما كان الدور صغيرًا، كما أنّ النصّ الذي لم يضطّرّ إلى ليّ عنق المنطق، كان هو الأساس هذه المرّة.

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا، من مواليد الثمانينات، يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ 'بائع النبيّ' عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

تعليقات Facebook