Foxtrot"": ملل هائل وفلسطيني أخرس

من فيلم "Foxtrot"

 

'راعٍ عربيّ يبحث عن جديه فوق جبل صهيون

وعلى التلّة المقابلة أبحث أنا عن ولدي الصغير

راعٍ عربيّ وأب يهوديّ

كلاهما غارق في خيبته المؤقّتة'.

[يهودا عميحاي]

 

في فيلم'Foxtrot' ، أو 'خطوة الثعلب'، والذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقيّة هذا العام،  ابتعد المخرج الإسرائيليّ شموئيل ماعوز عن مرمى النار قليلًا، ليقدّم صورة أكثر هدوءًا وأعمق فكرًا من الصورة التي قدّمها في فيلمه الأوّل  'Lebanon'، والذي حاز على جائزة الأسد الذهبيّ في المهرجان نفسه عام 2009.

تراجيديا

ترك ماعوز المشهديّة المباشرة في فيلم'Lebanon' ، والتي نقلت حياة مجموعة من الجنود في دبّابة تتقدّم باتّجاه بيروت عام 1982، واتّجه بفيلمه الجديد إلى مشهديّة عضويّة، أكثر تكاملًا مع الخلفيّة المدنيّة في عمق الدولة/ الشقّة/ الأسرة.

شموئيل ماعوز خلال تصوير فيلم 'Foxtrot'

استراتيجيّة المخرج الجديدة كانت استعمال النمط التقليديّ للتراجيديا اليونانيّة، إذ يتكوّن فيلم 'Foxtrot' من ثلاثة فصول: الأوّل عندما يتلقّى الأب خبر مقتل ابنه، ثمّ يُخبر بعد ذلك أنّ الابن لم يُقتل، بل هو حيّ وعلى رأس عمله على الحدود. الفصل الثاني يسرد حياة الابن المرابط على حدود غير معرّفة، مع ثلاثة جنود. أمّا الفصل الثالث، فهو الذي يظهر فيه الأب مع الأمّ في حالة حداد بعد شهور من موت الابن.               .

الرقصة/ الشيفرة

''Foxtrot، أي 'خطوة الثعلب'، اسم رقصة، وهي أيضًا شيفرة عسكريّة يُستخدم في أبجديّة حلف الناتو. يحيل الاسم إلى فعل ما إذًا، في مستوى ما، فعل يحتاج إلى راقص أو متكلّم من جهة، وفاعل آخر من الجهة الأخرى. هو فعل سورياليّ تراجيديّ في هذا الفيلم، يبدأ بخبر موت الابن، وسحب الأمّ إلى غرفة جانبيّة بعد تخديرها من البعثة العسكريّة التي أبلغت الأب بالخبر الحزين.

هناك تبدأ رحلة إدارة الحزن من الأب الغاضب، الذي لا يستوعب فكرة اختفاء الابن. كأنّ الرقصة أو الشيفرة العسكريّة فعل قائم بين الأب والابن، وليس بين الزوج والزوجة، وهو ما أشار إليه المخرج في مقابلة هامشيّة على طرف مهرجان البندقيّة، والذي حاول وصف فيلمه الفيلم على نحو فلسفيّ مؤنسن، بقوله: 'الفيلم بمثابة أحجية فلسفيّة عن علاقة أب بابنه، وكيف نتج عن ذلك تعريف ما لمصير كلّ منهما'. هي 'دراما عائليّة' في سياق واقع ليس بالإمكان السيطرة عليه.

       

غرائبيّة

الفصل الثاني من الفيلم، وهو الأهمّ سياسيًّا وفلسفيًّا، يحمل جرعة كبيرة من الغرائبيّة. النقطة الحدوديّة التي يخدم فيها الابن يوناتان، نقطة في مجال ميتافيزيقيّ على نحو ما: منطقة صحراويّة قاحلة فيها عربة آيس كريم عليها رسم لامرأة شقراء، يجلس فيها الجنود المناوبون في حالة ملل هائل. 'كلّ شيء تراه هنا خيال في خيال يا صديقي'، يقول جنديّ لزميله. يقطع خيط الملل الطويل من حين لآخر جمل، أو سيّارة تجاريّة، أو عائلة قادمة من حفل زفاف.

في مشهد ليليّ، تكسر ملل الجنود سيّارة تستقلّها مجموعة من الفتيان: شابّان وفتاتان. سقوط علبة بيرة من السيّارة يؤدّي إلى ارتباك الجنديّ الذي يفحص الهويّات، ما يدفع بالجنديّ يوناتان إلى قتل كلّ مَنْ في السيّارة. بعد ذلك، تأتي جرّافة ضخمة وتدفن السيّارة بِمَن فيها خلف المقطورة التي ينام فيها الجنود.

شيء مثل باقي الأشياء

الفلسطينيّ في 'خطوة الثعلب' طرف في معادلة الملل ضمن المشهد الصحراويّ الطويل، استجوابه أو تركه ينتظر في ميدان الوقت الواسع، أو قتله، كلّ ذلك منتج ثانويّ للعبة إدارة الملل خارج مقطورة الجنود المتّجهة للغرق في الطين.

الجنديّ/ الابن يوناتان

الفلسطينيّ، والذي لم يمنحه كاتب السيناريو (وهو المخرج نفسه) أيّ نصّ، كائن أخرس لم ينطق بكلمة واحدة طوال الفيلم. عدّة مركبات تمرّ بالمعبر، لكنّك لا تسمع كلمة واحدة، أو حوارًا واحدًا، بإمكانه أن يعطيك فرصة لتوقّع حدوث اشتباك لغويّ تفاوضيّ في ما يخصّ علاقة الطرف العابر في النقطة الحدوديّة بالمكان، كخلفيّة عضويّة وجوديّة، باستثناء المرور إلى الطرف الآخر.

ثمّة تأفّف، ونزق، وألم، وإذلال تحت المطر، وابتسامات... يتبعها قتل في نهاية الأمر. يتكلّم الفلسطينيّ بلغة الإشارة، وهو بذلك شيء مثل باقي أشياء النقطة الحدوديّة. مصير ذلك الشيء ليس بيده، بل بيد المصادفة. هو يبحث عن شيء ما، عن جَدْيِهِ ربّما، بتعبير يهودا عميحاي. كأنّ الفلسطينيّ (العربيّ) بلا ابن، بلا عائلة، بلا بيت.

احتمال فوضويّ

على النحو الغرائبيّ ذاته، الذي يعيش فيه مع زملائه على الحدود، يموت يوناتان في حادث سير، حين يتمشّى جمل في منتصف الطريق التي كان يوناتان يسلكها للعودة إلى بيته للقاء عائلته.

الأب

على النقيض من أيّ تصوّرات أو احتمالات شائعة ومتوقّعة، يظهر الجمل من اللامكان. الجمل، رديف الملل، والمعادل الموضوعيّ للمكان الميتافيزيقيّ القاحل، يقتل الابن يوناتان.

كأنّ المصير الذي تحدّث عنه ماعوز في مقابلته على طرف مهرجان البندقيّة، هو ذلك الاحتمال الفوضويّ القابع خارج الرقصة السياسيّة.

 

أشرف الزغل

 

شاعر وباحث من فلسطين. له أربع مجموعات شعريّة؛ 'دواليب الرماد' (بالاشتراك مع عبد الرحيم الشيخ)، و'نوم كما أرى'، و'صحراء في المترو'، و'صورة العائلة البشعة'. حصل على جائزة الكاتب الشابّ – حقل الشعر، من مؤسّسة عبد المحسن القطان عام 2001.

 

تعليقات Facebook