لاعبات تعزيز في منتخب الذكوريّة!

خاتون وزوجها

 

كيف نكون نحن نصف المجتمع، ولا نعترف ولو بربع المسؤوليّة عن حالة الذكوريّة والتسلّط المفرط على حياة معظمنا؟ هل نحن شريكات في معاناتنا؟ لماذا نُبقي على مفاهيم لا تزيد إلّا من تأطيرنا وقولبتنا، بمكان أدنى ممّا نستحقّ بصفتنا بشرًا قبل أن نكون نساء؟

 

إسراء غريب... خاتون

نصف ساعة قبل بداية الفيلم جلست وصديقتي، نتبادل حديثًا حول مقتل إسراء غريب، حول تربية البنات في مجتمعنا وسهولة التملّص من الجرائم المرتكبة ضدّهنّ، وحول دور النساء في استمرار ذلك. قالت صديقتي: "لماذا لا يحبّون البنات؟ تربية الذكور أكثر صعوبة؛ فالإناث يمِلنَ إلى التنازل والسكون". لم نكن نعرف أثناء حديثنا هذا أنّ السكون والتنازل سيكونان قدَر بطلة فيلمنا.

 

 

عام 2004، أثار مقتل الشابّة الألمانيّة الكرديّة الأصل خاتون (آينور) سوروج، ردود فعل غاضبة في ألمانيا. شابّة ابنة 22 عامًا وُجدت مقتولة قرب منزل والديها، وسط حيّ سكنيّ في برلين.

"مجرّد امرأة Nur Eine Frau"، فيلم سيرة ذاتيّة ألمانيّ من إخراج شيري هورمان عام 2019، يعزّز الدراما ببعض مقاطع الفيديو والصور التوثيقيّة، يصوّر حياة خاتون ومصيرها، ويحاول بلغة سينمائيّة بسيطة، تخلو من العبقريّة والتعقيد، عرض نضالها من أجل حياة حرّة ومواجهة عائلتها المتزمّتة الّتي تتأثّر جدًّا بالمجتمع الكرديّ المحيط، الّذي يحاول الحفاظ على هويّته في بلد غريب. يعكس الفيلم الكمّ الكبير من التناقضات والمفارقات، الّتي تنخر في ألباب معظم عائلات المهاجرين من المجتمعات الملتزمة دينيًّا واجتماعيًّا إلى أوروبّا، الّتي لا تبادلهم قوانينها الودّ أو التفهّم.

 

هروب... فقمع

يبدأ الفيلم بالإيحاء إلى الكثير من الدمويّة، تنطلق أصوات موسيقى تركيّة شعبيّة، يرقص على وقعها ثلاثة شبّان، وسط صالة أفراح تعجّ بالأبيض والأحمر. صراع بصريّ محتدم بين اللونين لا يمكننا تجاهله، لا في زينة الصالة ولا في زيّ العروس! تُزَفّ خاتون (الممثّلة Almila Bagriacik) عروسًا، وهي لا تزال فتيّة صغيرة تنصاع لقرارات والديها. بمرور فترة من الزمن، تعود إلى بيت والديها حاملًا، أنهك العنف جسدها.

"لماذا لا يحبّون البنات؟ تربية الذكور أكثر صعوبة؛ فالإناث يمِلنَ إلى التنازل والسكون". لم نكن نعرف أثناء حديثنا هذا أنّ السكون والتنازل سيكونان قدَر بطلة فيلمنا.

هروبها من زوجها يخلق حالة الرفض لدى إخوتها الذكور، الّذين يرون في فعلتها عملًا مشينًا يهدّد شرفهم وكرامتهم بين أبناء مجتمعهم، إلّا أنّ خاتون تختار الهروب بحلمها أبعد من ذلك، أمّ وحيدة ترغب في تربية طفلها وإتمام دراستها والخروج للعمل. لكن كلّ ما حولها كان حاجزًا، والنساء كنّ شريكات في بناء هذا الحاجز، فأمّ خاتون كانت تحاول قمع رغبتها في عيش حياة مختلفة مستقلّة بلا غطاء الرأس (المعروف بالحجاب إسلاميًّا)، والمسؤولة عن ملفّها في قسم الخدمات الاجتماعيّة تعاملت معها بصورة روبوتيّة مثل "ملفّ" و"حالة". أخت خاتون، واسمها شيرين، كانت شريكة في تضييق مساحتها في التعبير عن إرادتها.

وإذ هي أمّ وحيدة وصغيرة، يتصاعد الرفض لها، وتزداد محاولة ردعها من قِبَل الإخوة، إهانات وتهديدات يغذّيها النبش في تعاليم الدين الصارمة وتنفيذها حرفيًّا، وانقياد الذكور في عائلتها وراء شخصيّات تمتهن تحريف تعاليم الدين، وغسل الأدمغة، وإقامة الحدّ على الخطّائين.

 

"ثمّ انثري بعض الدم على الشراشف"

لعلّ أبرز ما في الفيلم الإضاءة على الذكور وعقليّتهم، وكيفيّة اتّخاذهم القرارات، عن مسؤوليّتهم عن الجريمة وسط نوع من التجاهل، وتهميش النساء، ولو أنّهنّ في هذه الحالة كنّ أكثر إثارة للفضول، ولم يكنّ بريئات من دم خاتون. وأختار هنا الإشارة إلى بعض المشاهد:

ليلة زفافها تقدّم والدة خاتون، واسمها دنيا، بعض النصائح والإرشادات من خبرتها: "التزمي الطاعة لزوجك، لا تتحدّثي بصوت عالٍ؛ فالرجال لا يحبّون النساء الصاخبات، كوني جميلة وناعمة الجسد لتُشبعي رغباته". ثمّ تصدمنا بتقديم شفرة حلاقة لابنتها قائلة: "إذا حدث أيّ طارئ، قومي بإحداث جرح في إصبعك، ثمّ انثري بعض الدم على الشراشف".

هروبها من زوجها يخلق حالة الرفض لدى إخوتها الذكور، الّذين يرون في فعلتها عملًا مشينًا يهدّد شرفهم وكرامتهم بين أبناء مجتمعهم، إلّا أنّ خاتون تختار الهروب بحلمها أبعد من ذلك

من الواضح أنّ هذه الأمّ لا تُبدي شكًّا في عذريّة ابنتها، لكنّها تختار الحيلة للتغلّب على أيّ "خطأ"، رغبتها المبطّنة في خلاص ابنتها من أيّ مكروه مبنيّ على المعتقدات تجتاح المشهد. ولكن... على بُعد مشهدين فقط، تقف هذه الأمّ نفسها على النقيض؛ مدافعة عن وهْم الشرف والرجولة وكرامة العائلة.

تنتاب دنيا (الممثّلة Meral Perin) حالة من الغضب الّذي تَبْرع في أدائه إلى حدّ استفزازنا، تتّهم ابنتها بإهانة العائلة عندما تترك منزل زوجها، وتضرب بعرض الحائط كلّ التعاليم الزوجيّة. أمّا نوبة غضبها الثانية فتجد طريقها عند معارضة خاتون لما تعرّضت له من تحرّش جنسيّ، على يد أخيها سنان! تتّخذ الأمّ موقفًا يحمي ابنها المتحرّش بأخته!

هذه المرأة مثيرة للاهتمام، مثيرة للريبة والشكّ، مثيرة للشفقة. تتبنّى دنيا كلّ مفاهيم الذكوريّة، وتقف في خطّ الدفاع عنها، تطبّقها على نفسها والمحيطات بها، أي بناتها الأربع، لكنّها - ويا لدهشتنا! - تختار مقابلة ابنتها المنبوذة وحفيدها سرًّا، ثمّ تحتفل مع مجتمعها يوم "غسل العار" وقتل خاتون.

 

كم نحن مؤمنات بالأخواتيّة؟

شخصيّة الأمّ دنيا تقضّ المضجع، تضعنا في خانة النقاش حول مدى مسؤوليّتنا عن ذكوريّة المجتمع، حول دورنا وإسهامنا في حالة قمع النساء. كلّ واحدة منّا ليست مجرّد امرأة، كلّ واحدة منّا حلقة ترتبط بالأخريات لنشكّل معًا "مجتمع النساء"، لكنّ سؤالًا يدور في ذهني حول ماهيّة هذا الارتباط، كم نحن مؤمنات بالأخواتيّة؟ كم نحن مستعدّات للتضحية من أجل الأخريات؟ كم نحن على استعداد لقمعهنّ وإحباطهنّ ولو بأبسط الأمثلة؟

هذه المرأة مثيرة للاهتمام، مثيرة للريبة والشكّ، مثيرة للشفقة. تتبنّى دنيا كلّ مفاهيم الذكوريّة، وتقف في خطّ الدفاع عنها، تطبّقها على نفسها والمحيطات بها...

هل نقوم مدافعات عن حقوق الأخريات، مع شعور تامّ بالسلام الداخليّ وعدم الخوف من المنافسة؟ هل نشعر بالقوّة ذاتها والرغبة نفسها عندما نكون في صفّ المعارضة أمام رجل، كما نشعر أمام امرأة؟ هل نثق حقًّا بالنساء مديرات وقائدات، ونحن على وعي تامّ بوجود نقاط ضعفنا المشتركة، الّتي يمكن تهميشها والتركيز على نقاط القوّة؟ هل لدينا شعور بالتماهي مع مصائب الأخريات؟

ما الّذي يدفع امرأة تربّي 8 أبناء وبنات، إلى تعزيز مفهوم الرجولة لدى أبنائها، وإقناع بناتها بفوقيّة إخوتهنّ؟ ما الفكرة والقناعة اللتان تجعلان امرأة تعطي الأولويّة لرجل متسلّط قامع، لا يرى فيها إلّا عورة وإثارة للشهوات، وتجعل هذا المفهوم سلاحها لإحباط نساء أخريات وإخضاعهنّ؟ على أيّ فكر يقوم التناقض الخارق بمفاهيم الشرف، بين السرّ (سِفاح الأقارب) والعلن المتمثّل بالحبّ، والتحرّر الفكريّ والحرّيّة على الجسد. أيّ إرادة تحوّل امرأة إلى لاعبة دفاع في منتخب الذكوريّة!

 

حلقات متشابكة

لا يأتي هذا الفيلم ليروي حكاية خاتون فقط، بل ليفكّك بعض المفاهيم ويعرض مركّباتها الصغيرة للنقاش والتمعّن. مثلًا: لِمَ تريد امرأة الحطّ من قيمة حرّيّة الاختيار والقرار لدى الأخريات؟ ثمّة نماذج للأمّهات والأخوات يقدّمها الفيلم، ويترك أثرًا لدينا للتفكير في تبنّي الفَرْض. الفرض المشتقّ من العادات والتقاليد، وحرص مجتمعيّ على الإبقاء على صور نمطيّة للمرأة كما الرجل، لكنّه يبقى البطل.

لم أحزن على خاتون شخصيًّا، لكن المحزن أن نعي أنّنا جميعًا، نقرأ كلّ يوم العشرات من وجوه الضحايا المحتملات، ولمّا نجد بعدُ مسارًا مناصرًا ومنصفًا، واستعدادًا حقيقيًّا لأخذ دور يتحدّى منظومة الذكوريّة.

لا يبلغ هذا الفيلم من الأهمّيّة السينمائيّة ما يجعله تحفة، ولا ينجح في التعمّق في قضيّة شغلت الرأي العامّ، لكن ضرورته تكمن في عرض حالة تقتل فيها عائلة بأكملها - نساء ورجالًا – امرأة، على خلفيّة الإرادة والتوق إلى التحرّر والانعتاق من العبوديّة، من مفاهيم غير عادلة، حالة تعرض لنا حلقات متشابكة من استغلال النساء على أيدي الرجال والنساء، حلقات من النفاق العاطفيّ والفكريّ، وحالة قتل يُبرَّأ مخطّطوها ومنفّذوها لعدم كفاية الأدلّة!

لم أحزن على خاتون شخصيًّا، لكن المحزن أن نعي أنّنا جميعًا، نقرأ كلّ يوم العشرات من وجوه الضحايا المحتملات، ولمّا نجد بعدُ مسارًا مناصرًا ومنصفًا، واستعدادًا حقيقيًّا لأخذ دور يتحدّى منظومة الذكوريّة، مسارًا يبدأ بالاعتراف بالمسؤوليّة.

 

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

تعليقات Facebook