سينما فلسطين 2019... لا تزال المحاولات فردية

من فيلم "إن شئت كما في السماء" لإيليّا سليمان

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

فنّ باهظ

تُعَدّ السينما من الفنون "الباهظة"؛ فميزانيّتها أعلى كثيرًا من أيّ فنّ آخر مثل المسرح والموسيقى ونشر الكتب والرسم والنحت، إذ إنّ أقلّ فيلم تفوق تكلفته نصف مليون شيكل (140 ألف دولار تقريبًا)، وهذا يُعَدّ ميزانيّة ضئيلة جدًّا جدًّا للإنتاج؛ لذلك فإنتاجاتنا الفلسطينيّة السينمائيّة تُعَدّ شحيحة بسبب شحّ التمويل، لكن على الرغم من قلّتها إلّا أنّها وصلت بعيدًا، وشاركت في أهمّ المهرجانات الدوليّة ونالت جوائز دوليّة قيّمة.

السؤال الّذي يُطرح: لماذا؟ والجواب بسيط جدًّا؛ لأنّ ثَمّة اهتمامًا دوليًّا اليوم، وتركيزًا في المهرجانات الكبيرة على مشاركة أفلام من مناطق نائية وغير معروفة، عدا "الهجمة" الأخيرة للمهرجانات الدوليّة على أفلام النساء العربيّات، وكأنّ المهرجانات اكتشفت سينما المرأة العربيّة في السنوات الأخيرة؛ على سبيل المثال "مهرجان البندقيّة الدوليّ" (الّذي يُعَدّ واحدًا من أهمّ ثلاثة مهرجانات عالميّة، وهي مهرجانات "كان" و"برلين" و"البندقيّة")، الّذي شاركت فيه هذا العام سبعة أفلام عربيّة أغلبها للنساء، والفيلم الفائز كان لامرأة عربيّة، عدا دعوة النساء العربيّات ليكنّ عضوًا مشاركًا في لجان التحكيم؛ ففي هذا العام كانت الممثّلة التونسيّة الأصل هند صبري عضوًا في اللجنة، وقبلها المخرجة السعوديّة هيفاء المنصور، وقبلها المخرجة والممثّلة اللبنانيّة نادين لبكي.

 

هل من صناعة سينمائيّة فلسطينيّة؟

يمكننا القول إنّ فلسطين تخلو من صناعة السينما، وما تشهده منها محاولات فرديّة؛ فكلّ مخرج ومخرجة يبحث عن مصادر التمويل بنفسه حتّى يستطيع أن يُنتج فيلمه ليرى النور، يتطلّب هذا الأمر سنوات طوالًا، على الأقلّ 3 - 5 سنوات بين الكتابة حتّى التمويل، وثمّة مخرجون استغرقهم 10 سنوات ليستطيعوا أن يجنّدوا التمويل اللازم، وعندما نتحدّث عن التمويل فإنّ أغلب الأفلام الفلسطينيّة ينتج بتمويل ضئيل جدًّا لا يتعدّى نصف الميزانيّة المطلوبة، والقلّة فقط مَنْ يستطيع الحصول على تمويل كامل والعمل براحة.

ثَمّة اهتمامًا دوليًّا اليوم، وتركيزًا في المهرجانات الكبيرة على مشاركة أفلام من مناطق نائية وغير معروفة، عدا "الهجمة" الأخيرة للمهرجانات الدوليّة على أفلام النساء العربيّات، وكأنّ المهرجانات اكتشفت سينما المرأة العربيّة في السنوات الأخيرة

ثمّة نقلة نوعيّة في الموضوعات الّتي تطرحها السينما الفلسطينيّة في السنوات الأخيرة، إذ نشهد نوعًا من النضج العاطفيّ والسياسيّ في تناول القضيّة الفلسطينيّة، الّتي تُعَدّ الشاغل الأكبر لأغلب المخرجين والمخرجات؛ فالتركيز على الإنسان الفلسطينيّ أصبح هاجس السينما، ومن خلال تجربة الإنسان تُروى حكايتنا وقضيّتنا، بعد أن استطعنا الابتعاد عن الشعارات السياسيّة الرنّانة.

نسبة المخرجات للأفلام الروائيّة الطويلة في العالم، حتّى لو شملنا هوليود، لا تتجاوز 10%، أمّا فلسطينيًّا فنسبة المخرجات الفلسطينيّات تجاوزت 60%؛ وهو ما يُثير دهشة العالم والمهرجانات. لقد سمعت من مديري مهرجانات أوروبّيّين عدّة قولهم "النساء الفلسطينيّات قويّات جدًّا"، صدّقوا، أن تكون المخرجة امرأة، فهذا عمل فدائيّ يتطلّب الكثير من التضحية؛ ليس سهلًا أبدًا أن "تصنع فيلمًا" إذا كنت رجلًا أو امرأة، ليس بالأمر الهيّن، والأمر للنساء أصعب وأصعب.

عدم وجود صندوق سينما يشارك في تمويل الأفلام، أو مدارس سينما فلسطينيّة، أمور تحول دون أن تصبح للسينما صناعة، عدا أنّه لا يمكن اليوم إنتاج فيلم فلسطينيّ دون تدخّل أجنبيّ، إذا كان على صعيد التمويل أو استخدام طواقم. ينقصنا مهنيّون ومختصّون في نواحٍ عدّة، كمصوّرين ومهندسي إضاءة وتقنيّين آخرين؛ فلدينا مصوّر سينمائيّ واحد، هو إيهاب أبو العسل.

ومن القضايا الشائكة الّتي تواجه صناعة السينما الفلسطينيّة، قضيّة التمويل الإسرائيليّ، وهي معضلة في حدّ ذاتها، وتحتاج إلى ورشات نقاش موسّعة وموضوع تعريف هويّة الفيلم والتطبيع. 

 

الإنتاج المشترك

اليوم، أغلب الأفلام الفلسطينيّة يُموَّل أجنبيًّا، إضافة إلى ما يُسمّى "مساهمات خاصّة"؛ أي أنّ المخرج يستغني عن راتبه، أو أن يأخذ قرضًا من البنك أو مساعدة من عائلته، أو أن يتوجّه إلى أصحاب رؤوس الأموال، ليحصل على مبلغ ماليّ مشروط بإعادته عندما يُنتَج الفيلم، لكن للأسف لا تستطيع السينما الفلسطينيّة في أغلب الحالات أن تُعيد المبلغ، لأنّها لا تربح كثيرًا في دور العرض، فضلًا عن اقتسام الموزّعين والشركاء الأجانب لأغلب مدخول الأفلام؛ لذلك نرى أنّ أغلب رجال الأعمال الّذين شاركوا في دعم الأفلام الفلسطينيّة، لم يُعيدوا الكرّة مرّة أخرى. مثال على ذلك فيلم "عمر" للمخرج هاني أبو أسعد، الّذي حقّق نجاحًا عالميًّا واسعًا، لكنّه لم يستطع أن يُعيد التمويل لعائلة زعيتر الفلسطينيّة المقيمة في أمريكا، وبعد فيلم "عمر" لم تساهم العائلة دولارًا واحدًا في أيّ فيلم فلسطينيّ.

عدم وجود صندوق سينما يشارك في تمويل الأفلام، أو مدارس سينما فلسطينيّة، أمور تحول دون أن تصبح للسينما صناعة، عدا أنّه لا يمكن اليوم إنتاج فيلم فلسطينيّ دون تدخّل أجنبيّ

الإنتاج المشترك عبارة عن مبلغ محلّيّ بنسبة 30 – 40%، ويكون من صناديق محلّيّة أو تمويلًا خاصًّا، ودون توفّر هذا المبلغ لن تضع أيّ دولة أجنبيّة قرشًا واحدًا في أيّ فيلم فلسطينيّ. لذلك؛ ثمّة تعجيز كبير للحصول على تمويل أجنبيّ لأيّ فلسطينيّ، إن كان من أراضي 48 أو الضفّة الغربيّة أو قطاع غزّة أو الشتات، ولا يملك جواز سفر أوروبّيًّا. لذلك نجد أنّ أغلب مخرجي أراضي 48 يقيمون في الدول الأوروبّيّة، ولديهم جواز سفر أوروبّيّ؛ وهو ما يسهّل مهمّتهم في الحصول على تمويل من الدولة الّتي يقيمون فيها، وليس بمحض الصدفة أنّ أغلب العاملين في هذا القطاع قرّروا الهجرة، وأنا أسمّي ذلك بـ "الترانسفير الذاتيّ الثقافيّ"؛ فمن غير ذلك من الصعب أن يُنتجوا أفلامهم.

وتبقى القلّة القليلة، وهم خمسة مخرجين ومخرجات في أراضي 48، يعانون الأمرّين في الحصول على التمويل، وويلهم إذا حصلوا على تمويل إسرائيليّ؛ حينها سيتّهمون بالتطبيع والخيانة!

فلسطينيّو أراضي 48 يعانون الأمرّين في ما يتعلّق بالمساهمة العربيّة في أفلامهم، إن كان على صعيد تمويل الأفلام أو عرضها في المهرجانات العربيّة لاحقًا؛ إذ إنّ سؤال التطبيع له أثر كبير في هذه المسألة، نظرًا إلى حملهم جوازات سفر إسرائيليّة. أغلب الصناديق العربيّة والمهرجانات المهمّة، مثل "مهرجان دبي السينمائيّ" و"مهرجان أبو ظبي"، استُثني فلسطينيّو أراضي 48 تمامًا من الحصول على تمويل منها بسبب جواز السفر.

نجد أنّ أغلب مخرجي أراضي 48 يقيمون في الدول الأوروبّيّة، ولديهم جواز سفر أوروبّيّ؛ وهو ما يسهّل مهمّتهم في الحصول على تمويل من الدولة الّتي يقيمون فيها، وليس بمحض الصدفة أنّ أغلب العاملين في هذا القطاع قرّروا الهجرة

ثمّة أربعة صناديق فاعلة في المجال: صندوق "الدوحة" الّذي يمكّن فلسطينيّي أراضي 48 من الحصول على تمويل، لكنّه تمويل صغير جدًّا لا يكفي لكي يُبنى عليه إنتاج مشترك، وصندوق "آفاق" في لبنان، لكن بنفس المشكلة أيضًا، وصندوق "القطّان"، لكنّه يموّل الأفلام القصيرة لا الروائيّة الطويلة، والصندوق "الثقافيّ" التابع لـ "وزارة الثقافة الفلسطينيّة"، الّتي تموّل أفلامًا فلسطينيّة أيضًا بنسب قليلة جدًّا؛ فميزانيّتها محدودة جدًّا، وهذا الصندوق لا يشمل أراضي 48.

 

إنتاجات 2019

إذا أخذنا عام 2019، فقد أُنتجت خلاله الأفلام الآتية: "إن شئت كما في السماء" لإيليّا سليمان، وفيلم "بين الجنّة والنار" لنجوى نجّار، وأفلام طلّاب "كلّيّة دار الكلمة"؛ أفلام قصيرة أُنتجت من خلال الكلّيّة، وشاركت في مسابقات دوليّة عديدة، وحصدت جوائز. أمّا عن الإنتاج الإسرائيليّ الأوروبّيّ للأفلام الفلسطينيّة، فكان عبر فيلم سامح زعبي "تل أبيب على نار"، والفيلم الوثائقيّ لجونا سليمان "شقيقة موسوليني".

نستطيع القول إنّه على الرغم من شحّ الإنتاج عام 2019، إلّا أنّ الأفلام الفلسطينيّة حقّقت نجاحًا باهرًا؛ ففيلم إيليّا سليمان وفيلم "إمبيانس" للمخرج الشابّ وسام الجعفري، من "كلّيّة دار الكلمة"، شاركا في "مهرجان كان السينمائيّ"، وقد حصل إيليّا على تنويه خاصّ، أمّا فيلم الجعفري فقد حصل على جائزتين.

أمّا عن أفلام الإنتاج الإسرائيليّ المشترك، ففيلم سامح زعبي "تل أبيب على نار" حقّق نجاحًا باهرًا؛ فقد حصد جوائز عالميّة عدّة، وشارك في أهمّ المهرجانات الدوليّة، وعُرض في العديد من دور السينما العالميّة، واعتُبر في فرنسا من أكثر الأفلام رواجًا، وقامت "لوكسمبورغ" الّتي كانت الشريك الأكبر في إنتاج هذا الفيلم، بترشيحه لـ "الأوسكار" فيلمًا يمثّلها.

على الرغم من شحّ الإنتاج عام 2019، إلّا أنّ الأفلام الفلسطينيّة حقّقت نجاحًا باهرًا؛ ففيلم إيليّا سليمان وفيلم "إمبيانس" للمخرج الشابّ وسام الجعفري، من "كلّيّة دار الكلمة"، شاركا في "مهرجان كان السينمائيّ"، وقد حصل إيليّا على تنويه خاصّ، أمّا فيلم الجعفري فقد حصل على جائزتين.

أمّا فيلم "شقيقة موسوليني" لجونا سليمان، فقد حقّق نجاحًا على صعيد المهرجانات، وشارك في "مهرجان إدفا" في أمستردام، الّذي يُعَدّ من أهمّ المهرجانات الدوليّة للأفلام الوثائقيّة، وفي العديد من المهرجانات الأخرى.

 

ماذا ينتظرنا في عام 2020؟

في عام 2020، ثَمّة تسعة أفلام روائيّة طويلة ستُنتَج؛ فيلمان في المراحل النهائيّة للإنتاج، غير الأفلام القصيرة. ما يميّز هذه الإنتاجات أنّ 90% منها لا يعتمد أبدًا على التمويل الإسرائيليّ. وهنا أضع قائمة باسم المخرجين الّذين سوف يصوّرون أفلامهم:

- باسل خليل.

- هاني أبو أسعد.

- مها حاجّ.

- توفيق أبو وائل.

- الأخوان عرب وطرزان.

- إسكندر قبطي.

- مؤيّد عليّان.

- فراس خوري.

- ليلى عبّاس.

ثمّة أيضًا فيلمان صُوِّرا نهاية عام 2019، سوف يريان النور عام 2020، غير الأفلام القصيرة والوثائقيّة. إذن، عام 2020 سيكون عامًا مزدحمًا، سيكون عام السينما الفلسطينيّة، ولا أظنّ أنّنا في تاريخ السينما الفلسطينيّة أنتجنا هذا الكمّ من الأفلام، وهذا سيف ذو حدّين؛ لأنّ المهرجانات الدوليّة المهمّة لن تستطيع أن تعرض جميع هذه الأفلام في العام نفسه، وفي انتظارنا أيضًا في الأعوام المقبلة جفاف في الإنتاج؛ لأنّ الأغلبيّة الساحقة استطاعت بعد عشرات السنوات، أن تجمع المبلغ المطلوب للإنتاج في نفس العام، وهذا يعني أنّ الحصول على تمويلات للأعوام القليلة القادمة سيكون عسيرًا، ما سيؤدّي إلى إضعاف عجلة الإنتاج.

 

 

* تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ خاصّ بعنوان "الإنتاج الثقافيّ الفلسطينيّ 2019"، بالتعاون مع جمعيّة الثقافة العربيّة، حيث شاركت كاتبة المقالة ضمن أمسية تلخيصيّة خاصّة تحمل العنوان نفسه.

 

سهى عرّاف

 

كاتبة ومخرجة وصحافية فلسطينية. كتبت سيناريو وأخرجت عددًا من الأفلام، من ضمنها "نساء حماس" و"فيلا توما"، وقد حصلت على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، أبرزها جائزة أفضل مخرجة امرأة في "مهرجان المرأة الدولي للسينما والتلفزيون - لوس أنجلوس" لعام 2014.

 

 

 

تعليقات Facebook