"1917": رقصة الكاميرا في الحرب

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

بلقطة واحدة متواصلة

"النصّ الآتي يحدث في وقت حقيقيّ - باستثناء لحظة واحدة – كُتب وصُمّم ليكون بلقطة واحدة متواصلة". هذا ما كُتب على غلاف النصّ )سكريبت( لفيلم "1917"، للمخرج البريطانيّ سام مِنْدِس Sam Mendes، الّذي حصد قبل أيّام ثلاثًا من جوائز "الأوسكار" لعام 2020؛ جائزة أفضل مزج صوتيّ، وأفضل تصوير، وأفضل مؤثّرات بصريّة.  

يسرد الفيلم قصّة بسيطة ظاهريًّا لجنديَّين بريطانيَّين في الحرب العالميّة الأولى، وُكِّلت إليهما مهمّة توصيل رسالة إلى قائد فيلق مكوَّن من 1600 جنديّ، يُثنيه مضمون الرسالة عن الشروع في فتح جبهة قتال مع الألمان، إنقاذًا للمحاربين من فخٍّ حُضِّر للقضاء عليهم، علمًا بأنّ أخا أحد الجنديَّين المُرسلَين موجود في هذا الفيلق. استوحى مِنْدِس قصّة الفيلم من حكايات جدّه، الّذي أُوكلت إليه مهمّة أن يكون رسولًا بين الخنادق في الحرب العالميّة الأولى. يقول مندس عن تقنيّة تصوير الفيلم: "ليس ثَمّة طريقة أفضل لسرد هذه القصّة، سوى التصوير بلقطة واحدة متواصلة".

المُبهر بصريًّا  وثيميًّا في هذا كلّه، الخروج بصور سينمائيّة شعريّة تبدو كأنّها رسومات متدفّقة دون تدخّل خارجيّ، تذكّر بأشعار الحرب العالميّة، لشعراء مثل ويلفريد أوين...

لطالما جذبت فكرة تصوير فيلم سينمائيّ بلقطة واحدة متواصلة، أو بمجموعة لقطات طويلة بحدّ أدنى من التقطيع، العديد من المخرجين منذ التجارب القديمة، كفيلم "الحبل" (1948) لألفريد هيتشكوك، وصولًا إلى أليخاندرو إينرياتو في "بيردمان" (2014)؛ فلا شكّ في مدى قوّة التأثير النفسيّ للسرد البصريّ والتراكم الحسّيّ، في اللقطة الواحدة المتواصلة - أو ما يُهيَّأ أنّه كذلك - في المتلقّي.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

صور شعريّة

في فيلم "1917" نقف أمام مزيج متدفّق من تقاطعات السرد والفعل المسرحيَّين المتواصلَين: حركة ممثّلين وأغراض منضبطة ومحسوبة بأجزاء الثانية، في حبكة تسير في اتّجاه واحد خطّيّ لمدّة ساعتين تقريبًا.صُمّمت الخنادق والأماكن المدمّرة في الفيلم، بإحكام كامل وانسجام كلّيّ لعاملَي المسافة والزمن؛ أي بين المسار الّذي يسلكه الممثّلون، وتوجد فيه الأغراض الجامدة ومعدّات الحروب والجثث وما إلى ذلك، وبين الحوار المحكيّ في الفيلم، وتضبط كلّ ذلك عدسة الكاميرا وإيقاع حركتها.

المُبهر بصريًّا  وثيميًّا في هذا كلّه، الخروج بصور سينمائيّة شعريّة تبدو كأنّها رسومات متدفّقة دون تدخّل خارجيّ، تذكّر بأشعار الحرب العالميّة، لشعراء مثل ويلفريد أوين، بما فيها من تراجيديّة وكوابيس في وصف الخنادق، ما يعيدنا إلى خاصّيّتين سينمائيّتين أصيلتين: السينما بصفتها فنًّا زمنيًّا بحتًا في هذه الحالة؛ لأنّ الشريط متواصل بصريًّا وخطّيّ سرديًّا، ويحصل في وقت حقيقيّ، والسينما بصفتها عملًا متلصّصًا؛ إذ طوال أحداث الفيلم نتّحد مع الكاميرا المتلصّصة بلا انقطاع، نشعر بأنفاس البطلين، نفزع لفزعهما، ونُصعَق من جنون كلّ ما حولهما وعدميّته، في فصول الشريط المتلاحقة.

 

ثلاث حركات متوازية

مدير التصوير روجر ديكينس هو أحد أبطال الفيلم بالتأكيد؛ ليس بالإمكان إغفال واحد من أكثر مشاهد الفيلم إبداعًا، على مستوى الخلق الجماليّ وإعادة الاعتبار البصريّ للدمار: يركض بطل الفيلم في ليل معتم داخل قرية فرنسيّة مدمّرة، تبقّى منها معماريًّا نتوءات أسمنتيّة شاهقة، في الوقت الّذي تلوح به أقواس من قنابل مشتعلة في السماء، لتتراقص أمامنا ثلاث حركات متوازية شكّلت تحفة بصريّة على الشاشة، بطلُها الظلال في انعكاسات ساحرة وجوثيّة (Gothic): حركة الممثّل، وحركة الضوء الصادر عن القنبلة، وحركة الكاميرا.

في مشهد مفصليّ في الفيلم، تلوح في السماء من بعيد طائرة في عمق الشاشة، خلال وقوف الجنديّين على تلّة خضراء في باحة أحد البيوت، وتدريجيًّا وبسلاسة بالغة تكبر نسبتها وحجمها في الشاشة، إلى أن تقترب جدًّا منّا نحن المشاهدين، وكذلك البطلين، وترتطم منفجرة بالأرض، وكلّ ذلك دون تقطيع (حتّى وإن استُخْدِمَت تقنيّات ساعدت في ذلك)، بشكل يُعيدنا حسّيًّا إلى ذلك الشعور السينمائيّ البِكر، لفطرة الهروب من قطار الأخوين لوميير قبل أكثر من 120 عامًا.

 

ثنائيّات وجدانيّة

في تاريخ العلاقة بين السينما والحروب، ثمّة أفلام بلا شكّ أيقونيّة، وضعت الإنسان في المركز، وطرحت أسئلة وجدانيّة، وانتقدت الحروب، مثل "فول ميتال جاكيت - Full Metal Jacket" (1987) لستانلي كوبيرك، أو "أبوكاليبس الآن  - Apocalypse Now " (1979) لفرانسيس فورد كوبولا. لكن تتفرّد تجربة مِنْدِس في أنّ أحداث الفيلم تجري في الوقت الواقعيّ، أي لمدّة ساعتين من الزمن، دون الخوض كثيرًا في تفاصيل لها علاقة بسير الحرب وإستراتيجيّتها، ساعده بلا شكّ في ذلك التقنيّات الحديثة المتوفّرة، ومن الغباء التنازل عنها للحفاظ على عذريّة السينما بشروطها الكلاسيكيّة، لكن الأهمّ ما خُلق على الشاشة نتاجًا لهذه التقنيّات، ولرغبة المخرج الجامحة في تنفيذ الفيلم.

تتفرّد تجربة مِنْدِس في أنّ أحداث الفيلم تجري في الوقت الواقعيّ، أي لمدّة ساعتين من الزمن، دون الخوض كثيرًا في تفاصيل لها علاقة بسير الحرب وإستراتيجيّتها...

نحن أمام سرد شاعريّ متراكم بصريًّا يُلامس ثنائيّات وجدانيّة عديدة: الحياة والموت، الجمال والقبح، السلم والحرب، الطمأنينة والرعب، الآلة والطبيعة، الفرد والمجموعة. يختزل "1917" الحرب بالإنسان، بالجنديّ في الجبهة، نغوص معه في بشاعة الحرب كغوْص يد بطل الفيلم الجريحة خطًّا داخل جثّة متعفّنة في أحد المشاهد، لا يُحاسب مندس أطرافًا، ولا يُسائل التاريخ أو جهات رسميّة بعينها، عمليًّا لا يهمّه سرد مجريات الحرب في 6 نيسان (أبريل) 1917، بقدر كشف ما حلّ داخل الجنديّ، الإنسان، بنَفَس تجريديّ، خلال أقلّ من ساعتين، منذ اتّكائه على شجرة في افتتاحيّة الشريط، حتّى عودته متّكئًا عليها في النهاية.

 

 

صالح ذبّاح

 

 

باحث سينمائيّ وصحافيّ ثقافيّ، يكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة. يهتمّ بالسينما والدراما والموسيقى العربيّة، وتقاطعات السياق السياسيّ مع التعبير الصوريّ. أعدّ وقدّم برنامج 'كلاكيت فلسطين' على التلفزيون العربيّ.

 

 

تعليقات Facebook