المطبخ الفلسطينيّ: شعوب وحضارات تلتقي في طبق

حلوانيّ في نابلس يعدّ عجينة الكنافة | فلسطين الآن

يشغلني 'المطبخ الفلسطينيّ'، بمختلف تفاصيله، منذ سنين، وكنت سابقًا أرى أنّه فلسطينيّ أصلًا وفصلًا، تدفعني إلى ذلك العاطفة وحبّ فلسطين، إلّا أنّني عندما قرّرت خوض غمار البحث في هذا المطبخ بخاصّة، والمطبخ العربيّ الإسلاميّ بعامّة، وجدت غير هذا، فما الذي وجدته؟

سمن في مصر... زيت في الشام

تنحدر الشعوب العربيّة من أعراق وجغرافيّات مختلفة، ولا تنتمي جميعها إلى الجزيرة العربيّة (المعروفة بدول الخليج اليوم)، وهي لا تشترك في المادّة الوراثيّة (DNA) بالضرورة؛ فأصولها متنوّعة؛ بابليّة، وآشوريّة، وفرعونيّة، وفينقيّة، وعدنانيّة، وقحطانيّة، وغيرهم ممّن جمعهم لسان العرب.

وعندما نقول إنّ مصر عربيّة، فهذا لا يعني إطلاقًا أنّ المصريّين من نسل قحطان وعدنان، لكنّها عربيّة الثقافة واللغة والمطعم، كما هي حال بلاد العرب كلّها. وفي حالتي الشام والعراق، فإنّ أهلهما من أعراق مختلفة وكثيرة، ويُقال إنّ العراق سمّي بذلك لكثرة أعراقه.

المناطق التي حكمها المسلمون في العصر العبّاسيّ

وإذا ألقينا نظرة سريعة على ما تأكله عرب اليوم، كلّ العرب، لوجدته امتدادًا لما أكله السلف في القرون الوسطى، إلّا أنّه لم يبق على حاله حتّى وصلنا؛ فقد خضع لعمليّات تغيير وتجديد مستمرّة، ربّما نتيجةً لتجارة جديدة، أو لاختلاف المنتجات في المناطق العربيّة المتعدّدة، لاختلاف الطبيعة. ومع تنقّل الطبق من بلد إلى آخر، ربّما استُبدلت بعض حوائجه بحوائج محلّيّة، وربّما زيد عليه أو أُنقص منه، كما أنّه يخضع للعادات الغذائيّة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما يُطبخ في مصر مع السمن، يُطبخ في بلاد الشام مع زيت الزيتون.

الشعوب العربيّة، وعلى الرغم من اختلاف المناخ بين بلدانها، وكذلك اختلاف خبرات أبنائها، وعاداتهم، وأصولهم، إلّا أنّه يجمعهم لسان واحد، فالجميع يتحدّث لغة واحدة، ويطعم طعامًا واحدًا، وفي رأيي، إنّ قدر الاختلاف في أطعمة العرب من بلد إلى آخر، لا يتعدّى الاختلاف بين لهجاتهم.

مطابخ صارت مطبخًا

لقد كان لكلّ شعب من الشعوب التي تشكّل الوطن العربيّ مطبخًا يخصّه، المصريّ، والشاميّ، والعراقيّ، والمغربيّ، ومطبخ قحطان، غير أنّنا لا نعرف ما أكله هؤلاء القدماء من طعام، وماذا من طعامهم قد وجد امتدادًا له على المائدة العربيّة المعاصرة، كما أنّه لا توجد وثيقة تخبرنا عن أطعمتهم غير ما اعتاشوا عليه وبعض حوائجهم.

'فضالة الخوان في طيّبات الطعام والألوان' لابن رزين التجيبيّ (ت 692 هـ)

الوثيقة الوحيدة التي بين أيدينا لطعام العرب قبل الإسلام، تعود لمطبخ قحطان في الشعر العربيّ مثلًا، وبعد الإسلام في السيرة النبويّة، وثمّة عدّة كتب طبخ وصلتنا من العصور الوسطى، أهمّها اثنان من العراق ('كتاب الطبيخ' لابن سيّار الورّاق، و'كتاب الطبيخ' للبغداديّ)، وثلاثة من الشام ('كتاب الوصلة إلى الحبيب'، و'كتاب الطباخة'، و'فوائد الموائد')، وثلاثة من مصر ('كتاب الأطعمة المعتادة'، و'كتاب زهر الحديقة في الأطعمة الأنيقة'، و'كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد')، واثنان من المغرب والأندلس ('كتاب فضالة الخوّان في طيّبات الطعام والألوان'، و'كتاب الطبخ في الأندلس والمغرب العربيّ')، وكلّها تشترك في معظم الوصفات، وتمثّل المطبخ العربيّ الإسلاميّ.

من المؤكّد وجود بعض التشابه في مطابخ هذه الشعوب ما قبل الإسلام، نتيجة الجيرة والعلاقات التجاريّة والثقافيّة؛ فقد كانت التجارة قائمة بين مكّة، والشام، واليمن، في ما يُعرف بالإيلاف، وكذلك وجود الأسواق الجامعة، مثل دومة الجندل، وعكاظ، وذي المجاز، بإلإضافة إلى التحالفات والاحتلالات، وكذلك الهجرات العربيّة من جنوب الجزيرة إلى الشمال، بفعل الجفاف والمجاعة. وعندما خرج الإسلام من الجزيرة العربيّة وانتشر في أرجاء آسيا وأفريقيا، وبلغ أوروبّا، وحّد بين هذه الشعوب، وجمع كلّ مطابخها ودمجها في مطبخ واحد للجميع، مضافًا إليه مطبخ الفرس.

عولمة

بدأت عمليّة الدمج هذه بعولمة المطبخ في عصر الخلافة الراشديّة، بأن انتشرت أطعمة مكّة بين عموم المسلمين لوجودها في السيرة النبويّة. وفي عصر الخلافة الأمويّة، انتشر المطبخ الشاميّ جنبًا إلى جنب مع المطبخ القرشيّ، ثمّ أتى العصر العبّاسيّ، فمثّل عصر النهضة، وكان مطبخهم بدايات لما يُعرف الآن بالمطبخ المعاصر، وهو مطبخ بلاد الرافدين، جامعًا معه ما أصبح من طعام كلّ بلاد الإسلام، من مطبخي قريش والشام، بالإضافة إلى طعام فارس. وكذلك فعلت مصر أيّام كانت مركزًا للخلافة، ومثلها فعلت الأندلس. والآن نرى عولمة مشابهة لمطابخ العرب من جديد، من خلال تقارب الشعوب العربيّة، وعن طريق السياحة، ووسائل الإعلام، وبرامج الطعام، والكتب، والمسابقات، ودون ذلك.

'تذكرة أولي الألباب في معرفة الآداب' للحدّاديّ (ت 1301 هـ): فيه وصفات وشروح عن أطعمة وموائد

دمج المطابخ ببعضها لم يلغ خصوصيّة كلّ منها، فكلّ من مطابخ العرب له ما يميّزه عن غيره ببعض الأطباق، ولعلّ هذه الأطباق هي ما يميّز كونها اندثرت وضاعت، ولم يعد يعملها أحد غير بلد المنشأ، أو أنّها لم تُعولم أصلًا، أو أنّها معاصرة وليست تراثيّة.

فلسطينيّة تمامًا

وأستطيع أن أذكر من المطبخ الفلسطينيّ، من غير جهد، خمسة من الأطباق التي ينفرد بها، مثل: طبق المسخّن، والكنافة النابلسيّة، وكعكة القزحة، ولا يوجد مساءلة عندي حول فلسطينيّة هذه الأطباق. السمّاقيّة كذلك لا تطبخ في الوطن العربيّ، إلّا في غزّة، إلّا أنّها قد ذُكرت في معظم كتب الطبخ العربيّة من القرون الوسطى.

وكذلك طبق حبّة الرمّانة الذي لا يطبخه سوى أهل يافا وغزّة، والذي أتى ذكره في كتاب 'ألف ليلة وليلة'، حيث كان يباع في أسواق دمشق. ولو أنّ الأمر احتاجني لذكر خمسة أطباق أخرى لم يعرفها ولا يعرفها غير الفلسطينيّ، لوجدت في ذلك عناءً كبيرًا.

المسخّن والكنافة

المسخّن هو الرغيف الذي يُسخّن، بمعنى أنّه رغيف بائت، وإلّا لما سُخّن، ولكي يُسخّن أضيف له زيت الزيتون حتّى يطرّيه، وهذا هو الأصل، إلّا أنّه تطوّر بعد ذلك ليكون له طعمه الخاصّ، فأُضيف له البصل المحيوس والسمّاق، ثمّ أُضيفت الدجاجة والقلوب.

مسخّن

المسخّن لم يعرفه أيّ من العرب قبل الهجرة الفلسطينيّة إلى بلدانهم، وليس له أيّ ذكر في كتب الطبخ العربيّة التاريخية، وبإمكاننا أن نقول، بالتالي، إنّه فلسطينيّ أصلًا وفصلًا، فهو يعكس الإرث المطبخيّ الفلسطينيّ؛ رغيف الطابون وزيت الزيتون.

الكنافة مثل آخر، مع أنّها ذُكرت في كتب الأدب أيّام معاوية بن أبي سفيان، وتُعرف في كلّ العالم العربيّ وغيره، تُقلى وتُخلط بالعسل، أو القطر، وتُنثر بالقلوب (مثل: البندق، واللوز، والفستق)، تمامًا كما كانت تُصنع في القرون الوسطى، وعلى هذا النحو جاء وصفها في كتاب 'ألف ليلة وليلة'.

الكنافة اسم للعجين وليست وصفة، وتُعدّ الكنافة النابلسيّة بأن تُفرد في سدر، ويُجعل لها طبقة من الجبن، وتُحلّى بالقطر. وثمّة كنافة أخرى في نابلس تُصنع من فرك السميد، وليس من عجينة الكنافة، سُمّيت كنافة ناعمة لتشابهها مع الوصفة الأولى.

ترجمة للمطبخ العربيّ الإسلاميّ

التعريف العلميّ الموضوعيّ للمطبخ الفلسطينيّ إذًا، أنّه الترجمة الفلسطينيّة للمطبخ العربيّ الإسلاميّ، مع وجود بعض الأطباق التي تميّزه كما أشرنا، وهذا ينطبق على المطابخ العربيّة جميعها، اللبنانيّ، والمصريّ، والمغربيّ، وإلخ...

كعكة القزحة

من المؤسف أنّ بعض الشعوب العربيّة تحاول نسب أطعمة من هذا المطبخ المشترك لها دون غيرها، لفكّ هذا الدمج الذي أحدثه الإسلام، فصرت تسمع عن مطبخ لبنانيّ، ومطبخ مصريّ، ومطبخ فلسطينيّ، وهكذا. لكنّ هؤلاء لا دليل عندهم ولا وثيقة، وحجّتهم لا تتعدّى الاعتقاد والتخمين والتمنّي.

 

سفيان مصطفى

 

باحث ومصمّم أطباق فلسطينيّ، من مواليد القدس ويقيم في بريطانيا، يعمل في إنتاج الكتب المطبخيّة في مؤسّسة Taste Of Jerusalem. يهتمّ في بحوثه بالمطبخ الفلسطينيّ بخاصّة، والعربيّ الإسلاميّ بعامّة. صدرت له ولزوجته، لميس خوري، 'الموسوعة الثقافيّة لمطابخ العرب' (2014) عن مكتبة كلّ شيء، كما صدر لهما كتاب 'من مكّة إلى قرطبة: ' (2017) عن دارة المها.

تعليقات Facebook