الغزّيّون "في أمان"!

EPA

اعتدت في الآونة الأخيرة على تلقّي إشعارات من فيسبوك تخبرني أنّ صديقًا يعيش في مدينة أوروبيّة ما "في أمان"، بعد انفجار أو حتّى كارثة طبيعيّة وقعت بالقرب منه، لكن هذه كانت المرّة الأولى التي أتلقّى إشعارًا بأنّ 73 من أصدقائي في قطاع غزّة "في أمان"، بعد انفجار وقع في المدينة نتيجة تسريب غاز ضمن شجار عائليّ. كان هذا الإشعار الأوّل الذي يتركني في حالة صمت وذهول أمام رغبة سكّان القطاع في تجربة هذه الرفاهية: أن تخبر أصدقاءك أنّك نجوت من انفجار، و كأنّ الانفجارات وانعدام الأمان هناك شيء استثنائيّ.

عرفت عن الانفجار منذ الدقائق الأولى، على الرغم من أنّني خارج البلاد، وبحثت عن مكانه وحتّى أسماء الضحايا، وكان اللافت أنّ جميع أصدقائي الذين قالوا إنّهم "في أمان" لا يعيشون بالقرب من تلك المنطقة أصلًا، ومنهم من يعيش خارج المدينة. استمرّ أصدقائي بإشعار أصدقائهم أنّهم "في أمان" حتّى ساعات متأخّرة من اليوم التالي للانفجار، ربمّا كانوا سعيدين بتجربة شيء مرتبط بالمدن الآمنة غالبًا، أو ربّما أرادوا أن يشعروا أنّهم "في أمان" فعلًا، حتّى لو كان ذلك عبر إشعار فيسبوكيّ، ولا سيّما أنّها المرّة الأولى التي يتيح فيها فيسبوك لسكّان قطاع غزّة استخدام هذا الخيار على الرغم من الانفجارات غير المتوقّفة: "طمأنة أصدقائهم" بأنّهم نجوا من الانفجار. الفرق هنا أنّ الانفجار كان داخليًّا، وغير ناتج عن قصف إسرائيليّ.

في الليلتين التاليتين للانفجار، قصفت الطائرات الإسرائيليّة مواقع متعدّدة، وعجّت وسائل الإعلام المحلّيّة بتهديدات إسرائيليّة بشنّ حرب جديدة على القطاع، لكن لم يكن لهذه الخاصّيّة أيّ حضور؟

في حرب عام 2014، حين كنت لا أزال أعيش في القطاع، ولم يكن فيسبوك قد طوّر هذه الخاصّيّة بعد، أنشأ مطوّرون إسرائيليّون تطبيقًا يطلق صوت تنبيه بشكل متكرّر في حال سقوط صاروخ محلّيّ نحو إسرائيل، كما كان التطبيق يتيح للمشتركين إرسال رسائل واتس أب لكلّ جهات الاتّصال لديهم، تخبرهم بأنّهم "في أمان" بعد سقوط الصاروخ. حمّلت حينها التطبيق وإخوتي، لأنّ الفكرة بدت لنا خياليّة في وقت كانت تسقط العمارات السكنيّة على رؤوس أصحابها من دون سابق إنذار. كان هاتفي يعطيني في كلّ مرّة تنبيهًا بأنّ صاروخًا سيسقط خلال ثوان؛ كنت أتساءل إذا كان هذا شيء أستطيع أن أطلق عليه اسم "رفاهيّة الحروب".

كتبت منشورًا على صفحتي الخاصّة لأستهجن هذا الإقبال على خاصّيّة غير مرتبطة أبدًا بالسياق الغزّيّ، فعلّق بعض أصدقائي قائلين إنّهم شعروا بالحماس لتجربة شيء جديد كهذا، وبعضهم قال إنّه أحبّ فعلًا استعمال عبارة: "أنا في أمان". لكن هل فعلًا يشعر أكثر من مليوني مواطن هناك بالأمان، في أكبر سجن مفتوح في العالم؟ هل يشعرون بالأمان وهم محرومون من السفر حتّى لأسباب علاجيّة؟ وهم يعانون من أكبر معدّل بطالة في العالم؟ هل يشعرون بالأمان في ظلّ توقّف المستشفيات عن العمل تدريجيًّا بسبب نفاد الوقود؟ هل كان كلّ من استعمل هذه الخاصّيّة مقتنع فعلًا أنّه "في أمان"؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عبير أيّوب

 

صحافيّة فلسطينيّة من قطاع غزّة. تدرس الإعلام الجديد في المعهد الأردنيّ للإعلام في العاصمة الأردنيّة، عمّان. 

 

 

 

 

تعليقات Facebook