الملاحقة الأمنيّة: عندما تطبّق إسرائيل توصيات لجان تحقيقها

AP

 

بعد أكثر من عقد ونيّف على ما يُعرف بـ "هبّة أكتوبر"، وهي الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948 مع انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000، يبدو أنّ المؤسّسة الإسرائيليّة تمكّنت من تحقيق عدد لا يُستهان به من توصيات لجانها التي أقامتها بهدف التحقيق في تلك الأحداث، التي قتلت الشرطة الإسرائيليّة خلالها 13 شابًّا فلسطينيًّا من المتظاهرين.

ولا يمكننا قراءة الملاحقة الأمنيّة الجارية للعمل السياسيّ في أراضي 48، وما يرافقها من تجريم لرموزه، دون التفات أساسيّ لـ "هبّة أكتوبر"؛ فإذا عقدنا مقارنة بين توصيات تلك اللجان، مثل لجنتي "أور" و"لبيد"، وما حصل خلال الـ 17 عامًا الماضية على أرض الواقع، نرى أنّ تلك التوصيات لم تكن حبرًا على ورق.

 

في المنفى أو السجن

حمّلت لجنة "أور" قيادات سياسيّة عربيّة جزءًا من مسؤوليّة ما جرى، وتحديدًا عزمي بشارة ورائد صلاح، وقد أصبح الأوّل في المنفى منذ عام 2007، والثاني في السجن أكثر من مرّة؛ واتّهمت اللجنة حركات سياسيّة عربيّة "متطرّفة" بتغيير الخطاب السياسيّ لفلسطينيّي أراضي 48، كالتجمّع الوطني الديمقراطيّ والحركة الإسلاميّة - الجناح الشماليّ، وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة هجمة غير مسبوقة عليهما، إذ حُظرت الإسلاميّة بشكل نهائي عام 2015، ويُجرّم أيّ شخص يُشتبه في أنّه ينشط ضمن صفوفها، كما تعرّض التجمّع لواحدة من أكبر الحملات البوليسيّة عام 2016، استهدفت سلخه عن الآلاف من كوادره ومجتمعه، باستدعائهم لتحقيقات، وحبس عدد منهم على ذمّة التحقيق ومصادر ممتلكاتهم، في محاولة لتلفيق ملفّ جنائيّ ذي طابع سياسيّ بذريعة "مخالفة قانون تمويل الانتخابات".

 

عزمي بشارة، رائد صلاح، باسل غطّاس، أمير مخّول

 

كما رأت لجنة "أور" بتزايد عدد المؤسّسات الأهليّة وتنامي تأثيرها في السياسة، عاملًا إضافيًّا يؤدّي إلى "تطرّف" المجتمع العربيّ، وقد شهدنا قوانين جديدة تحاصر عمل هذه المؤسّسات، بالإضافة إلى قضيّة سجن أمير مخّول عام 2010، أحد أبرز وجوه العمل الأهليّ في أراضي 48.

قائمة الأسماء والأمثلة تطول؛ منها ما يتعلّق بالسياسة الناعمة التي تصدر عن المؤسّسة الإسرائيليّة تجاه فلسطينيّي أراضي 48، مثلًا، من خلال احتواء رؤساء السلطات المحلّيّة (المجالس والبلديّات) وإغداق ميزانيّات عليهم (ولا يهمّ إن حصلت عمليّات فساد في صرف هذه الأموال، ومن الأفضل لإسرائيل أن يحصل الفساد)، كما هو حاصل هذه الأيّام، بهدف تصدير هؤلاء الرؤساء بصفتهم زعامة سياسيّة، وظيفتها "تهدئة" العرب في أراضي 48 أثناء فترات الغليان الشعبيّ.

 

تفكيك النظام

هذه المقاربة المهمّة يتناولها الباحثان الفلسطينيّان أنطوان شلحت وامطانس شحادة، في دراستهما الصادرة حديثًا بعنوان "إسرائيل: الملاحقة الأمنيّة كأداة سياسيّة – فلسطينيّو 48 بين فكّيّ الملاحقة الأمنيّة لرموز الوعي القوميّ وتجريم العمل السياسيّ" (2017)، الصادرة عن دائرة التثقيف المركزيّ في حزب التّجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ.

تبحث الدراسة ردّات الفعل الإسرائيليّة على النشاط السياسيّ الجمعيّ الفلسطينيّ في أراضي 48، وتنطلق من أنّ المقاربة الأمنيّة جوهر هذه الردّات في تعامل المؤسّسة مع المواطنين الفلسطينيّين، التي بدأت بُعيد النكبة مباشرة، حين كان عدد السكّان الفلسطينيّين المتبقّين داخل الخطّ الأخضر حوالي 150 ألفًا بعد التهجير الكبير. وتتطابق ردّات الفعل الرسميّة مع تلك الصادرة عن كثير من المحلّلين، ومعاهد الأبحاث، ووسائل الإعلام.

 

 

وتوضح الدراسة أنّ إسرائيل لا تملك رغبة حقيقيّة في إنهاء حالة العداء بينها ومواطنيها الفلسطينيّين، كونها تعرف أنّ إنهاء هذا العداء يتطلّب منها، لزومًا، تفكيك الصيغة الحاليّة لنظام الدولة، وإقامة نظام عادل وديمقراطيّ مكانه، وهو ما يطالب به فلسطينيّو أراضي 48 من خلال برامج عدّة أحزاب وحركات سياسيّة، أبرزها التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، الذي ينادي بـ "دولة جميع مواطنيها"، كما طالبت به أوراق التصوّر المستقبليّة الصادرة عن مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ في أراضي 48.

 

ضرورة المواكبة

تقدّم دراسة شلحت وشحادة تسلسلًا تاريخيًّا لمحطّات مركزيّة في التاريخ السياسيّ للعرب في أراضي 48، منذ النكبة حتّى اليوم؛ إلّا أنّ أهمّيّتها تكمن في الإضاءة على جانب يبدو أنّه أصبح خارج دوائر الحديث العامّ والإعلام، وينحصر في دوائر أكاديميّة ضيّقة، تتمثّل بـ "إنجازات" إسرائيل في سياساتها الأمنيّة بعد أكتوبر 2000 تجاه مواطنيها العرب. لكن، يبدو أنّ التحرّك الفعليّ بدأ على أرض الواقع بعد عام 2006، عندما انطلق العمل على أوراق التصوّر المستقبليّ للفلسطينيّين في أراضي 48، وما لحقها بعد ذلك من حرب على لبنان عام 2006، وعدوان على غزّة عام 2008، وما بعدهما.

 

من أحداث "هبّة أكتوبر" بداية الانتفاضة الثانية 2000 | Getty Images

 

تقدّم الدراسة، بأسلوبها التحليليّ، قراءة جدّيّة للعلاقة بين المؤسّسة الإسرائيليّة والفلسطينيّين في أراضي 48، تستدعي من العاملين في الحقل السياسيّ والحركات السياسيّة أخذها بعين الاعتبار، وقراءة وتقييم ما تمكّن المجتمع الفلسطينيّ من صدّه وإفشاله من هذه الملاحقات.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسة لم تتناول أحداثًا مركزيّة وفارقة شهدها المجتمع السياسيّ الفلسطينيّ في أراضي 48، بعد عام 2014، واختار مؤلّفاها التطرّق لها بشكل عابر، ما يفقدها خاصّيّة المواكبة في زمن سريع التطوّر والتغيّر، وأحداثه شديدة الكثافة؛ من تلك الأحداث مثلًا، حظر الحركة الإسلاميّة – الجناح الشماليّ، وآخر اعتقال لرئيسها، رائد صلاح، وبعده مجموعة من قياداتها، وكذلك اعتقال النائب باسل غطّاس، والهجمة البوليسيّة على قيادات وكوارد التجمّع.

ونرجو، في وقت قريب، تناول هذه الأحداث ضمن دراسات مكمّلة على غرار هذه الدراسة، لأهمّيّتها في فهم الحالة الاستعماريّة التي يعيشها الفلسطينيّون، وإن من خلال التركيز على جزء منهم في أراضي 48، وكذلك لقلّة هذا النوع من الدراسات الجدّيّة المكتوبة بالعربيّة.

 

ربيع عيد

 

صحافيّ فلسطينيّ ومحرّر في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على البكالوريوس في  العلوم السياسيّةمن جامعة حيفا، والماجستير في الإعلام والدراسات الثقافيّة من معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

 

تعليقات Facebook