"ولا أقسم بالنفس اللوّامة": لماذا أرادت الملامَتيّة كسر صنم النفس؟

Mayank Soni

 

لم يبق للملامَتِيّ في لوم نفسه غير قتلها، ولولا أن حرّم الله قتل النفس لَفَعل. لقد اشتغلت فرق الصوفيّة وطرقها في زهد النفس وتهذيبها، لكنّه اشتغال كان بغرض النفس وعليها، بينما الملامتيّة، وإن بدت مسلكًا صوفيًّا في موطن نشأتها في نيسابور، إلّا أنّها تجاوزت التصوّف في بخع النفس وتجريمها، بشكل أحرجت فيه التصوّف حتّى لم تعد هو.

 

من نيسابور

قليلة الكتب والمؤلَّفات الّتي عنت بشأن الفرقة الملامتيّة وملامح نشوئها وتطوّرها، ومردّ ذلك - ربّما - لكون الملامتيّة مسلكًا عمليًّا من أوّله إلى آخره، بعيدًا عن التنظير والتأسيس الفكريّ، كما هي حال التصوّف الّذي تمايزت عنه الملامتيّة هنا بالتحديد، وأغلب الظنّ أنّه لم تكن للملامتيّة طريقة منظّمة وقواعد ثابتة؛ ما يفسّر قلّة الأدبيّات والمؤلَّفات فيها، باستثناء شذرات هنا وهناك وبعض الرسائل، أهمّها "رسالة الملامتيّة" الّتي ألّفها أبو عبد الرحمن السلميّ، المتوفّى سنة 412 هـ، أحد مؤسّسي الفرقة.

في نيسابور مدينة التقوى والورع، من إقليم خُراسان، ملاذ الزهّاد والعبّاد من ديار الإسلام حينذاك، وُلدت الملامتيّة واحدةً من طرق الصوفيّة، بعد أن قام عليها رجال من أصدق رجال الطريق، عند النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ، في مدينة تعجّ بزوايا المتحلّقين ومساطب القرّاء. بقيت الملامتيّة خُراسانيّة الملامح والمنشأ، ولم تعرف طريقًا إلى باقي الأمصار العربيّة إلى أن تلاشت؛ ما يؤكّد أنّها كانت حالة مسلكيّة محلّيّة في الزهد وملامة النفس.

 

في نيسابور مدينة التقوى والورع، من إقليم خُراسان، ملاذ الزهّاد والعبّاد من ديار الإسلام حينذاك، وُلدت الملامتيّة واحدةً من طرق الصوفيّة

 

والملامتيّة من قوله تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوّامة} (القيامة: 2)، فكان اسمها، وفي موقع آخر من القرآن: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} (المائدة: 54)، ولمّا سُئل حمدون القصار في ما تعنيه الملامتيّة، وهو من أكابر مشايخها وأوائل مؤسّسيها، قال فيها: "هي ترك التزيّن للخلق بحال، وترك طلب رضاهم في نوع من الأخلاق والأحوال، وألّا يأخذك في الله لومة لائم"؛ فالملامتيّ هو ذلك الّذي لا يرى لنفسه حظًّا على الإطلاق، ولا يطمئنّ إليها في عقيدة أو عمل؛ ظنًّا منه أنّ النفس شرّ محض، وأنّها لا يصدر عنها إلّا ما وافق طبعها من رياء ورعونة؛ لذلك وقف منها الملامتيّ موقف الاتّهام والمخالفة، وهذا هو المراد بلوم النفس.

يدرّب السالك الملامتيّ ذاته على ما يجب ألّا يفعل، وليس على ما عليه فعله؛ فالصفات الّتي يجب ألّا يتّصف بها، أكثر من تلك الّتي ينبغي أن يكون عليها، والأفعال المُطالَب بتركها أهمّ من تلك الّتي يُطالَب القيام بها. هي فلسفة سلوكيّة في فنّ الامتناع والتعفّف عن الأشياء، من دون الانزواء عنها بالضرورة.

 

في التمايز عن التصوّف

من غير الممكن فهم الحركة الملامتيّة بمعزل عن الصوفيّة؛ لكونها انبثاقًا منها وعنها لاحقًا، وإلى هناك تعود جذورها أصلًا، لكن الملامتيّة استقلّت عن التصوّف حين غدت تثويرًا عليه، وعلى ما كان مقرّرًا ومعترفًا به عند الصوفيّة. في نظر السلميّ؛ فإنّ الفرق الأساسيّ بين الصوفيّ والملامتيّ، يكمن في أنّ الأوّل ينمّ ظاهره عن باطنه، وتظهر عليه أنوار أسراره في أقواله وأفعاله، أمّا الملامتيّ فهو حفيظ على سرّ الله، يكتم في نفسه ما بينه وربّه؛ فكلاهما يجمعهما سرّ الله، إلّا أنّ الصوفيّ مداوم على تظهير سرّه في القول والفعل، بينما يثابر الملامتيّ على كتم ذلك، فلا دعوة له؛ لأنّ في الدعوة رعونة وجهلًا برأيه، ولا يُظهر الملامتيّ كرامة؛ خوفًا من أن تكون الكرامة ابتلاء من الله يمتحن بها غرور النفس، بينما الصوفيّ يرى في الكرامة تكريمًا من الله.

 

من غير الممكن فهم الحركة الملامتيّة بمعزل عن الصوفيّة؛ لكونها انبثاقًا منها وعنها لاحقًا، وإلى هناك تعود جذورها أصلًا، لكن الملامتيّة استقلّت عن التصوّف حين غدت تثويرًا عليه

 

في الغاية من الحياة الروحيّة؛ يرى السهرورديّ الفرق بين الطائفتين على حدّ قوله؛ فغاية الصوفيّة الفناء في الله ورؤية الخلق بعين الزوال، بينما الغاية من طريق الملامتيّة الإخلاص في الأعمال، وتحريرها من كلّ معنًى من معاني الرياء؛ ما يقتضي مراقبة دقيقة للنفس وعدم الفناء عنها. إنّ إخلاص الملامتيّ يكمن في رؤية التقصير في عمله، في ما الصوفيّ إخلاصه في "فنائه" (ابعتاده) عن العمل أساسًا.

 

في فتوّة الملامتيّ

إذا كانت الصوفيّة الحاضنة الّتي نشأت الملامتيّة في كنفها، فإنّ الفتوّة الرافعة الّتي دفعت بحركة الحركة الملامتيّة وتمايز مسلكها. الفتوّة اسم أُطلق على مجموعة من الفضائل، مثل: الكرم والسخاء والشجاعة والمروءة، الّتي يتفتّى بها المرء ليكون من أهلها. ارتبطت الفتوّة بالتصوّف، لكن جذورها سابقة عليه؛ إذ تعود إلى ما قبل الإسلام، عرفها العرب وأهل فارس كذلك، لكن الفتوّة في ذلك الحين كانت شأنًا فرديًّا، ولم تنظَّم في إطار جماعيّ منظَّم إلّا في ما بعد الإسلام، وتحديدًا مع نشأة التصوّف في العراق، فالحسن البصريّ (110هـ/ 728م)، الّذي يعتبره المتصوّفة من أقطابها المؤسّسين، أُطلق عليه "سيّد الفتيان"؛ في إشارة إلى المتحلّقين في حلقات دروسه من أهل الفتوّة.

 

حملت الملامتيّة بذور فنائها معها منذ تأسيسها، بعد أن غلت على النفس إلى حدّ تجريمها، وخاصّة مع الجيل الّذي تلا جيل الأُوَل؛ فغالى هؤلاء، ومنهم محمّد بن حمدون الفرّاء، المتوفّى سنة 370هـ، حين دعا مريديه بتعمّد المخالفة

 

نشأ التصوّف مجدولًا بفضائل الفتوّة ومسوحها، كما راكم على الفتوّة مبادئ وصفات، مثل "كفّ الأذى، وترك الشكوى، وإسقاط الجاه، ومحاربة النفس، والعفو عن الزلّات، وغير ذلك من معاني التصوّف". تفتّى مؤسّسو الملامتيّة على فضائل الفتوّة وخصالها؛ لأنّهم فهموا "الملامة" على أنّها شكل من أشكال الفتوّة، فسُمّوا الفتيان؛ ففي أصل الفتوّة ألّا يرى الفتى فضلًا واحدًا لنفسه؛ فهي كسر الصنم، وصنم كلّ إنسان نفسه، فمن "خالف هواه فهو فتًى على الحقيقة"، وهكذا هم الملامتيّون الّذين وجدوا أنفسهم فتيان زهّاد المسلمين؛ إذ تظهر الفتوّة فيهم بآثارها الباطنة والظاهرة، أكثر من ظهورها في غيرهم من فرق التصوّف الأخرى.

حملت الملامتيّة بذور فنائها معها منذ تأسيسها، بعد أن غلت على النفس إلى حدّ تجريمها، وخاصّة مع الجيل الّذي تلا جيل الأُوَل؛ فغالى هؤلاء، ومنهم محمّد بن حمدون الفرّاء، المتوفّى سنة 370هـ، حين دعا مريديه بتعمّد المخالفة، والظهور في الناس بالمظاهر الّتي تثير لومهم، وتجلب عليهم سخطهم وازدراءهم. ومضى الملامتيّة في غلوّهم هذا؛ إلى أن أضحى الفارق بين الحسن والقبيح من سلوكهم صفرًا؛ فصاروا المستهترين بنظر الناس، وإلى هناك انتهوا.

 

 

علي حبيب الله

 

كاتب وباحث في التاريخ الاجتماعيّ والشأن السياسيّ. حاصل على البكالوريوس في التاريخ، والماجستير في فلسفة التاريخ من الجامعة الأردنيّة، وماجستير ثانٍ في الدراسات العربيّة المعاصرة من جامعة بير زيت، وهو ناشط سياسيّ وثقافيّ.

 

 

 

تعليقات Facebook