"كيف تلتئم"... ما لاتحكيه الأمّهات عن أرحامهنّ

hannahillphotography

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

العنف

يُقرَأ كتاب "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" بحذر وانتباه؛ إذ يمكن للمرء أن يضيع في لحظات كثيرة خلال قراءته. المصريّة إيمان مرسال، الشاعرة وأستاذة النقد الأدبيّ في "جامعة ألبرتا" – كندا، اختارت أن تكتب ما لا تحكيه الأمّهات الجديدات أو القديمات، وما لا يعرفه أغلب الرجال عن وحشة الأمومة وارتباكاتها.

كلّ ما في الكتاب (الصادر عام 2017 ويتكوّن من 147 صفحة) يشير إلى ذوات النساء المختبئة تحت كلمة "أمّ"، ويخفّفهنّ بطريقة ما من حمل أُلقي عليهنّ في لحظة واحدة، وسيرافقهنّ حتّى النهاية، حين تجد الأمّ الّتي تتستّر على ذعرها وعدم سيطرتها أمّهات يشاركنها مشاعر متشابهة، على نقيض ما تظنّ هي؛ إذ تحيط بالأمّ مجموعة نساء يحتفلن بأمومتها ويُشعِرنها بتميّزها وعظمتها، وهو ما يجعل مشاركتها لأيّ من المشاعر المتعبة الّتي ترافق أمومتها مهمّة صعبة، وبحاجة إلى تمرين طويل في محاولة النطق بها.

 

الذنب

بدأ خوف مرسال على طفلها منذ لحظة معرفتها بحملها، حين شعرت بأنّها لا تصلح لمهمّة الخَلْق، ووصفت جسدها بجملة: "إنّه مجرّد وعاء". كانت مرسال تشعر بالفراغ والحزن، وبعدم وجود أيّ شيء يستحقّ التوريث لطفلها.

 

 

لقد أُنهك جسد مرسال من السجائر وعقاقير الاكتئاب ودورة الحياة غير الصحّيّة، وذنوبها جرّاء أمومتها بدأت من اللحظة صفر؛ كأنّ ثمّة مهمّة على النساء فعلها قبل أن يصبحن أمّهات، أن يكنّ بخير وقويّات، علمًا أنّ الكثير منهنّ يخضن التجربة من أجل أن يشعرن بأنّهنّ بخير. تقول مرسال: "إذا كان الصراع بين ذات الأمّ وذات طفلها، فلن ينتصر أحد؛ سينتصر الديناصور (الذنب)".

 

الكاتبة الأمّ

استخدمت مرسال شهادات أمّهات كاتبات وشاعرات ومصوّرات، يحكين تجاربهنّ؛ ذكرت في كتابها تجربة الكاتبة ريتش، الّتي تجلّت في الخصومة بين نفسها الشاعرة ودورها البيولوجيّ الحياتيّ بصفتها أمًّا، ورافقها إحباطها ونوبات البكاء الّتي تمرّ بها؛ لأنّها لا تجد وقتًا لنفسها. إنّها شاعرة، وما يؤمن به الشعراء في الغالب هو الفردانيّة.

في السياق ذاته، ذكرت مرسال تجربة الشاعرة سنيّة صالح؛ فقد كان جليًّا في شعرها خوفها من انفصال ابنتَيها عنها، تقول سنيّة: "أغرقي رأسك فيّ، اخترقيني"، بينما تقول ريتش: "الشعر يوجد حيث لا أكون أمًّا لأحد، حيث أُوجَد كنفسي".

هذا الكتاب يقف على الضفّة الأخرى الّتي ستُدمي الأمّهات في طريقهنّ إليها؛ فأمومة الكثير من النساء لم تأخذ فرصتها في التشكّل على مهلها، وكيفما تحبّ أو ترضى. إنّ الجمل الكثيرة الّتي ترافق الأمّهات أثناء الحمل، سواء من أمّهاتهنّ أو من الأمّهات المحيطات، عن قدسيّة التجربة وتفاني الأمّ الأكيد، يعني أنّ ما شعرت به مرسال كأمٍّ هو عكس الأمومة، وبأنّها مذنبة.

 

الأمومة والمرض

رافقت عقدة الذنب والتقصير مرسال منذ ولادتها طفلها الأوّل، وتضخّمت مع طفلها الثاني، وأصبح شعورها بالتقصير يتضاعف مع كلّ رحلة سفر أو عطلة من أجل الكتابة، تجعلها تبتعد عنهما.

إنّ الأمّهات يتعرّفن أنفسهنّ عن طريق الإنجاب، لكنّ الأبناء يتعرّفون الحياة عن طريق الأمّ، هذه المهمّة المرعبة الّتي تتلخّص في أنّ ثمّة مَنْ ينظر من ثقب في جسدك إلى الحياة، كفيلة بإرباكك واختلال توازنك.

 

تحدّثت مرسال عن ابنها يوسف الّذي كان يعاني من الاكتئاب، المرض نفسه الّذي خافت أثناء حملها أن تورثه إيّاه، وردّدت في كتابها تعبيراته الّتي كان يستخدمها حول عدم رغبته في الحياة، وأنّ الموت سيريحه. لقد اختبرت خوفًا مضاعفًا تجاه طفلها الّذي يحاول الانتحار، وكانت متّهمة بالإهمال، وعليها تبرئة نفسها أمام طبيب ومحامٍ ومعلّمة يوسف. حدث هذا كلّه في دولة أجنبيّة يمكنها أن تلقي اللوم على مرسال، لمرض ابنها وصحّته النفسيّة التعيسة. الخصومة بين الطفل ووالدته تتحوّل إلى شعور خالص بالذنب والتقصير، إذا مرض الطفل أو أصابه أيّ خطر يهدّد بقاءه؛ فمن أهمّ مقوّمات الحياة للأمّ بقاء أولادها أحياء، ومحاولة جعل حيواتهم أقلّ ألمًا.

إنّ الأمّهات يتعرّفن أنفسهنّ عن طريق الإنجاب، لكنّ الأبناء يتعرّفون الحياة عن طريق الأمّ، هذه المهمّة المرعبة الّتي تتلخّص في أنّ ثمّة مَنْ ينظر من ثقب في جسدك إلى الحياة، كفيلة بإرباكك واختلال توازنك.

 

أمومة بلغة أجنبيّة

في الغالب تغنّي الأمّ لطفلها ما غنّته أمّها أو أختها أو جدّتها من قبلها، وتحكي قصص ما قبل النوم ممّا قيل لها، لكن حدثت أمومة مرسال باللغة الإنجليزيّة؛ هذا ما وضّحته الكاتبة في فصل "يوميّات". كانت كلمات المداعبة لطفليها أثناء الأكل والاستحمام وتغيير الملابس مختلفة عمّا عرفته هي.

إنّ تجربة أمومة مرسال ليست فريدة بقدر ما هي مكثّفة الصعاب، وتُزاحم تجربة أبوّة زوجها بلغته الأمّ؛ يغنّي لطفليه ويقصّ عليهما الحكايا بسلاسة، بينما تقابل هي جملة من ابنها: "أنت تجعلين الأغاني حزينة للغاية". كان على مرسال إيجاد طريقتها الخاصّة، وهذا ما يعني أنّ ولادتها الّتي حدثت حين أنجبت طفلها الأوّل تجسّدت بسلوكها أمًّا، ظهر هذا واضحًا طيلة سردها ليوميّاتها على مدّة عقد كامل.

 

صور الأمّهات

يُتْم مرسال في طفولتها جعلها تنتبه لصورة أمّها المعلّقة على الحائط، وتقارن بينها وبين صورة أمّها في ذاكرتها الصغيرة، تقول: "لم أشعر قطّ أنّ المرأة الّتي في الصورة أمّي، نظرتها المتوتّرة كأنّها تركت مملكتها، وتقف الآن بلا سلطة". كانت الصورة شبح الأمومة بالنسبة إلى مرسال، لم تتصالح معها قطّ، بل كانت تقول لصديقتها: "هذه أمّي لكن صورتها لا تشبهها على الإطلاق". قادتها صورة أمّها إلى تجربة النظر في صور أمّهات أخريات، بعضهنّ أمّهات لصديقاتها، غيّبهنّ الموت أو مُسِح وجودهنّ من الصور؛ لأنّهنّ إمّا مطلّقات وإمّا هاربات، وظلّ سؤال الأمّ البعيدة برسم الإجابة حتّى نهاية الكتاب.

قادتها صورة أمّها إلى تجربة النظر في صور أمّهات أخريات، بعضهنّ أمّهات لصديقاتها، غيّبهنّ الموت أو مُسِح وجودهنّ من الصور؛ لأنّهنّ إمّا مطلّقات وإمّا هاربات، وظلّ سؤال الأمّ البعيدة برسم الإجابة حتّى نهاية الكتاب.

ذكرت مرسال في كتابها الفنّانة الإيطاليّة ليندا فرينيي، ومشروعها لجمع أكثر من ألف صورة لرضيع يظهر بلا والدته، وهو مشروع يهدف إلى النظر في شكل الأمّهات المطموسات الهويّة، اللواتي اخترن التضحية بوجودهنّ من أجل التقاط صور تُظْهِر أطفالهنّ مستقلّين، كأنّ الصور الّتي جُمعت تثبت أنّ استقلال الطفل وهدوءه لا يتوافقان مع وجود الأمّ في الصورة.  

 

كيف تمشي في طريق الحداد؟

في فصل "موت أوّل"، وصفت الكاتبة مشاعر جدّتها حين ماتت أمّها، وقبل الموت الأوّل ثمّة حياة أولى بالضرورة، وغالبًا تتحقّق هذه الحياة بالنسبة إلى النساء لحظة الإنجاب، وهو تكرار لفعل الولادة الّذي شعرت به النساء من قبل؛ علاقة مستنسَخة شكليًّا من الولادة الأولى إلى الموت الأوّل، وبينهما الصراع الّذي تخشى النساء التعبير عنه بصوت عالٍ.

كان ذعر مرسال من استعادة شكل جدّتها حين دفنت أمّها واضحًا في السرد، وقد مزجت الموت الّذي شاهدته بالحياة الّتي يمكن أن تستمرّ للأطفال عن طريق الرضاعة، شعرت بأنّ جدّتها دفنت أمّها لحظة أن قرّرت فطامها، كتبت: "أمام الجميع، عاقبت جدّتي ثدييها على فطام أمّي النهائيّ بالدفن".

 

أرحام لوّامة وخائفة

الكتاب الصغير لمرسال، المغري بحجمه الملائم للجيب، يفتح باب الأسئلة عن الأمومة على مصراعيه، بعد أن كان مواربًا لا يميل إلى جهة العاطفة على حساب الحياة؛ كأنّه يقول بشكل ما إنّ العاطفة تحدّ من حرّيّتنا تجاه تساؤلاتنا عن الحياة وجدواها.

إنّ الصراع الّذي ينشأ بين الأمّ وطفلها على الحياة وعلى نفسها، يعني بشكل ما أنّ المخاطر المحيطة بتجربة الأمومة لا تقلّ عن دهشة التجربة، وتحقّق ولادة المرأة من جديد.

احتوت مراجعات الكتاب في مواقع القراءة شهادات متنوّعة لنساء لم يختبرن تجربة الحمل والإنجاب، كما لو أنّ النساء وُلدن بأرحام لوّامة وخائفة، وبرغبة رعناء في معرفة معنى اكتمال المهمّة البيولوجيّة للمرأة الّتي تتحقّق بالإنجاب.

إنّ الصراع الّذي ينشأ بين الأمّ وطفلها على الحياة وعلى نفسها، يعني بشكل ما أنّ المخاطر المحيطة بتجربة الأمومة لا تقلّ عن دهشة التجربة، وتحقّق ولادة المرأة من جديد.

 

 

سنابل قنّو

 

 

شاعرة أردنيّة، درست نظم معلومات حاسوبيّة وعملت كاتبة ومجوّدة نصوص في "مسرح دمى العربة" في عمّان، تنشر نصوها ومقالاتها في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook