"باب الأسباط": قراءة سوسيولوجيّة للهبّة وانتصارها

مصلّون لدى «باب الأسباط» خلال الهبّة عام 2017 | الجزيرة

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

مقاومة بنيويّة

اسْتُعْمِرَت أجزاء من مدينة القدس عام 1948، واصطُلح على تسميتها «القدس الغربيّة»، واستكملت دولة الاستعمار الإسرائيليّ احتلال المدينة عام 1967، أي الجزء الشرقيّ منها، بما يشمل الأماكن المقدّسة في البلدة القديمة. لم تتوقّف المقاومة الفلسطينيّة في القدس منذ بداية القرن الماضي، مرورًا بـ «ثورة البراق» عام 1929، وما قبلها وما بعدها. وكانت القدس مركزًا للمقاومة والصمود في فلسطين، وجسّد عبد القادر الحسيني و«جيش الجهاد المقدّس» جزءًا من رواية المدينة ومقاومتها.

لقد تصاعدت المقاومة الفلسطينيّة بعد احتلال عام 1967 في مدينة القدس، ومنها انطلق العمل الفدائيّ الفلسطينيّ بعد هزيمة حزيران، وخلال الانتفاضة الشعبيّة 1987 – 1993 كانت القدس مركزًا للمقاومة والقيادة الوطنيّة الموحّدة للانتفاضة المعروفة بـ «انتفاضة الحجارة»، والعمل الثقافيّ والسياسيّ والصحافيّ المقاوم، ومثّل فيصل الحسيني جزءًا من سيرة المقاومة المقدسيّة المعاصرة. واندلعت «انتفاضة القدس والأقصى» في القدس عام 2000، ومن القدس انطلقت شرارة ما يُعْرَف بـ «هبّة السكاكين» والعمليّات الفرديّة 2015 - 2017، وفي القدس انكسر المستعمِر الإسرائيليّ في «هبّة باب الأسباط» عام 2017.

اندلع الحراك المقاوم «هبّة باب الأسباط» صيف عام 2017، ضدّ السلطات الإسرائيليّة في مدينة القدس، لعدد من العوامل والأسباب، ولم يكن دافع الحراك والانتفاض فقط على تركيب البوّابات الإلكترونيّة، وإنّما كان الدافع جملة الممارسات الإسرائيليّة بكلّ أشكالها...

هذه النماذج الكثيفة من الفعل المقاوم، تشير إلى أنّ المقاومة في القدس مقاومة بنيويّة تُجَسِّد نموذج الحياة اليوميّة بصفتها مقاومة، عبر الصمود الجماعيّ والتكيّف المقاوم، ورفض سياسات الهيمنة الإسرائيليّة.

في هذه المقالة سأتناول نموذجًا حراكيًّا مقدسيًّا مقاومًا، «هبّة باب الأسباط»، استنادًا إلى مجموعة من الاستنتاجات والمقابلات الّتي أجريتها عام 2017، وصدرت في كتيّب بعنوان «سوسيولوجيا المقاومة والحراك في فضاءات مدينة القدس المستعمَرة»، قدّم له فيصل درّاج، وهو صادر عن «مركز الأبحاث - منظّمة التحرير الفلسطينيّة» عام 2018.

 

دوافع الهبّة وسماتها

اندلع الحراك المقاوم «هبّة باب الأسباط» صيف عام 2017[1]، ضدّ السلطات الإسرائيليّة في مدينة القدس، لعدد من العوامل والأسباب، ولم يكن دافع الحراك والانتفاض فقط على تركيب البوّابات الإلكترونيّة، وإنّما كان الدافع جملة الممارسات الإسرائيليّة بكلّ أشكالها، من إغلاق الحرم والعبث بمحتوياته، وفرض منع التجوّل، ونيّة الاستعمار الإسرائيليّ المبيّتة لتحقيق التقسيم المكانيّ والزمانيّ في المسجد الأقصى.

كلّ ذلك دفع المقدسيّين إلى رفض البوّابات وجميع التغييرات على الوضع القائم آنذاك، وقد تعلّم المقدسيّون وكذلك الفلسطينيّون الدرس جيّدًا ممّا حدث للحرم الإبراهيميّ في مدينة الخليل، من تقسيم زمانيّ ومكانيّ وهيمنة، وخاض المقدسيّون الحراك خوفًا من التحرّكات السياسيّة الّتي يخسر الفلسطينيّون فيها غالبًا. وشكّلت رمزيّة المسجد الأقصى الدينيّة والوطنيّة والثقافيّة محفّزًا قويًّا للتحرّك والرفض والثورة؛ فالمسجد الأقصى رمز من رموز الهويّة الفلسطينيّة وتخيّلاتها الجماعيّة.

صبغت الحراك المقدسيّ ضدّ البوّابات الإلكترونيّة بِسِمات أهمّها: السلميّة، والعناد والإصرار، وتكامليّة الهبّة وشموليّتها، ولاحزبيّة الهبّة، وطابع اللّاحركة اجتماعيّة (Non social movement)، والمقاومة بصفتها حياة يوميّة، وسيادة الضمير الجمعيّ، والعلاقات الاجتماعيّة القويّة، والقدرة على تحقيق المكاسب...

لقد أثّرت الأحداث الّتي وقعت إبّان الحراك المقدسيّ، في كلٍّ من الضفّة الغربيّة (عمليّة مستوطنة حلميش)، وقطاع غزّة (مسيرات العودة الكبرى)، وفي الأردنّ (حادثة مقتل مواطن أردنيّ على يد عامل في السفارة الإسرائيليّة)، قد عزّزت من قوّة الحراك، ورفعت معنويّات المرابطين والمرابطات، وكان لـ «عمليّة حلميش» أثر كبير في ذلك؛ فالعمليّة عزّزت خيار الفلسطينيّين نحو المجابهة والمقاومة، ليمتدّ من القدس إلى باقي الأرض المحتلّة، ليكون النضال من أجل المسجد الأقصى والقدس غير محصور في جغرافيا القدس المستعمَرة، بل هو نضال كلّ فلسطينيّ في كلّ مكان. العمليّة ذاتها كسرت إرادة الاحتلال الإسرائيليّ وأجهزته الأمنيّة، الّتي التقطت الإشارة بأنّ استمرار الأحداث في القدس سوف يعزّز من انتشار المقاومة فيها وفي مختلف الجغرافيّات الأخرى.

يظهر أنّ لمدينة القدس خصائص وسمات تختلف عن باقي التجمّعات الفلسطينيّة في الأرض المحتلّة، وهذه الخصوصيّة صبغت الحراك المقدسيّ ضدّ البوّابات الإلكترونيّة بِسِمات أهمّها: السلميّة، والعناد والإصرار، وتكامليّة الهبّة وشموليّتها، ولاحزبيّة الهبّة، وطابع اللّاحركة اجتماعيّة (Non social movement)، والمقاومة بصفتها حياة يوميّة، وسيادة الضمير الجمعيّ، والعلاقات الاجتماعيّة القويّة، والقدرة على تحقيق المكاسب.

 

الفاعلون غير الرسميّين

كما تبيّن أنّ الفاعلين المشاركين في الحراك والرباط من مختلف الفئات الاجتماعيّة، من حيث توزيعهم جندريًّا (ذكورًا وإناثًا)، أمّا توزيعهم عمريًّا فكلّ الفئات العمريّة تقريبًا شاركت؛ إذ كان المسنّون والرجال الّذين فوق 50 عامًا موجودين في أغلب الأوقات، بينما فئات الشباب والصبايا كانوا يوجدون بعد صلاة العصر إلى آخر الليل، نظرًا إلى التزامهم بأعمالهم وجامعاتهم. أمّا طبيعة الفئات المشاركة من حيث المناطق الجغرافيّة، فهم في الغالبيّة من مناطق القدس المحتلّة، ولا سيّما البلدة القديمة والأحياء المحيطة والمجاورة لها، مثل «العيساويّة» و«وادي الجوز» وغيرها، إلى جانب مشاركات من قِبَل فلسطينيّي الأراضي المحتلّة عام 1948، وفلسطينيّين من الضفّة الغربيّة، وخاصّة ممّن يُسْمَح لهم بالدخول إلى القدس بلا تصريح، وهم فئة الرجال فوق 55 عامًا، والنساء فوق 50 عامًا. أمّا طبيعة المشاركين من حيث مواقعهم الطبقيّة والوظيفيّة والاجتماعيّة والدينيّة، فهم من غالبيّة شرائح المجتمع: بسطاء الناس، والقبضايات، والمثقّفين، والطبقات الدنيا، والطبقة الوسطى، وأصحاب الرأسمال الاجتماعيّ والمادّيّ والسياسيّ والدينيّ، ومنهم الملتزم دينيًّا، وغير الملتزم، وما بينهما من تنويعات.

شارك فلسطينيّو أراضي 48 في الحراك، وشكّلوا جزءًا من بنيته، وغذّوا تشكيلاته الاجتماعيّة؛ فقد شارك مثقّفون وطلبة وبرلمانيّون وسياسيّون في الحراك، على الرغم من الإجراءات الأمنيّة والعقابيّة الّتي تعرّضوا لها، ومنعهم من الوصول إلى القدس؛ لأنّ مَنْ نفّذ «عمليّة باب حطّة» في تاريخ 14 تموّز (يوليو) 2017، هم ثلاثة شبّان من مدينة أمّ الفحم، ينتمون إلى هذه المجموعة الفلسطينيّة الواقعة تحت شرط استعماريّ منذ سبعين عامًا.

شارك فلسطينيّو أراضي 48 في الحراك، وشكّلوا جزءًا من بنيته، وغذّوا تشكيلاته الاجتماعيّة؛ فقد شارك مثقّفون وطلبة وبرلمانيّون وسياسيّون في الحراك، على الرغم من الإجراءات الأمنيّة والعقابيّة الّتي تعرّضوا لها...

يمكن القول إنّ سرّ تماسك الجماهير وقوّتها قد تَمثّل في مكانة الأقصى ورمزيّته في وعي الفلسطينيّين ووجدانهم كمقدّس وطنيّ ودينيّ وثقافيّ؛ إذ يشكّل المسجد الأقصى جزءًا من الهويّة الفلسطينيّة، وقد تبيّنت خطورة الإجراءات الإسرائيليّة، الّتي قابلتها مقاومة يوميّة بأسلوب جديد لم يعهده المستعمِر الصهيونيّ، وجرت المقاومة كفعل كاريزميّ تجلّى على كلّ أنواع المقاومات؛ لأنّها مقاومة بالمعايشة والممارسة اليوميّة، وبطقوس وأدوات وأفكار في متناول جميع المقدسيّين على اختلاف انتماءاتهم الطبقيّة، والجغرافيّة، والعمريّة، والجندريّة، والسياسيّة.

 

الفاعلون الرسميّون

انقسمت نظرة المقدسيّين حول الدور الّذي قامت به الأحزاب الفلسطينيّة ومؤسّسات المجتمع المدنيّ والأهليّ في الحراك، وتراوحت الآراء بين عدم وجود أيّ دور أو وجود دور هامشيّ، وآراء وضّحت أنّ ثمّة أدوارًا محدودة كان بمقدور الأحزاب ومؤسّسات المجتمع المدنيّ القيام بها، تحت شرط الاستعمار الاستيطانيّ وخصوصيّة مدينة القدس، الّتي تضعف فيها الأحزاب، وتحارَب فيها أيّ مؤسّسة مجتمع مدنيّ تؤدّي دورًا وطنيًّا.

لقد بيّن بعض المقدسيّين أنّ ثمّة دورًا لوجستيًّا وإسناديًّا قامت به بعض مؤسّسات المجتمع المدنيّ، مثل «برج اللقلق» و«مقرّ الجالية الإفريقيّة»، وأكّد البعض أنّ غالبيّة المشاركين حزبيّون، لكن مشاركتهم كانت بناءً على قرار شخصيّ، وليس التزامًا بقرار التنظيم أو الأحزاب.

لقد عبّر المقدسيّون عن طبيعة الموقف الرسميّ الفلسطينيّ، فمنهم من بيّن أنّ ثمّة دورًا وموقفًا رسميًّا فلسطينيًّا مهمًّا وفاعلًا، في عدد من الملفّات والقضايا، ومنهم مَنْ رأى الموقف ضعيفًا ومتأخّرًا، وكان ذا تأثير جيّد وأعطى دفعات وأملًا إلى الأمام، وآخرون لم يَرَوْا أيّ دور أو موقف للجانب الرسميّ، وإنّما عبّروا عن موقف السلطة بأنّه غير فاعل. ويلاحَظ وجود اختزال للموقف الرسميّ الفلسطينيّ لدى المقدسيّين في موقف مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة، وعدم تحدّثهم عن موقف «منظّمة التحرير الفلسطينيّة»، لأنّها أيضًا مؤسّسة رسميّة للفلسطينيّين، وقد يعود ذلك إلى تراجع دور المنظّمة وهيمنة السلطة على جزء كبير من وظائفها.

 

تنوّع سوسيولوجيّ

برز في الحراك تنوّع سوسيولوجيّ للنخبة المقاومة في القدس إبّان الحراك، وتشكّلت نخب في الميدان لم تأخذ المفهوم الكلاسيكيّ للنخبة، الّذي يربطها بامتلاك الرساميل المختلفة والمكانة، هذه النخبة الجديدة الّتي تشكّلت في ميادين المقاومة والحراك، لديها رأسمال نضاليّ يتمثّل بالرفض والمقاومة والرباط والاحتجاج.

تشكّلت النخبة من المرجعيّات الدينيّة ومسؤولي «الوقف الإسلاميّ»، وخاصّةً الشيخين عمر الكسواني وواصف البكري، وهما ينتميان إلى النخبة بمفهومها الكلاسيكيّ. وتشكّلت النخبة المقاومة أيضًا من المرابطين والمرابطات بشكل يوميّ منذ سنوات في المسجد الأقصى، وهذه نخبة جديدة تمتلك الإرادة وفنّ الحضور اليوميّ بصفتهما مقاومة. كما يجدر التنبيه إلى أنّ المقاومة المقدسيّة إبّان الحراك لم تقتصر على النخبة؛ فالجميع قاوم وجرى التعامل مع الحياة كسياسة، وكأنّ الحياة اليوميّة مقاومة؛ وهذا ما جعل الحراك يمتدّ ويقوى، ويشمل جميع الشرائح الاجتماعيّة والمناطقيّة والطبقيّة من القدس وباقي المناطق الفلسطينيّة.

برز في الحراك دور تكامليّ للشباب والمرجعيّات الدينيّة في قيادة الهبّة وتوجيهها وتعزيزها ومراكمتها، وقد تبيّن أنّ ثمّة تقاسم عمل وظيفيّ بين الشباب الّذين تولّوا مسؤوليّات ميدانيّة، مقابل تولّي المرجعيّات أدوارًا توجيهيّة وإرشاديّة وإعلاميّة ودبلوماسيّة...

برز في الحراك دور تكامليّ للشباب والمرجعيّات الدينيّة في قيادة الهبّة وتوجيهها وتعزيزها ومراكمتها، وقد تبيّن أنّ ثمّة تقاسم عمل وظيفيّ بين الشباب الّذين تولّوا مسؤوليّات ميدانيّة، مقابل تولّي المرجعيّات أدوارًا توجيهيّة وإرشاديّة وإعلاميّة ودبلوماسيّة، بالتنسيق مع الشباب في ميدان المقاومة، وكان فنّ الحضور واضحًا إبّان الحراك؛ لأنّه حراك فوق نخبويّ، ينخرط فيه الجميع، وكلّ المشاركين أسهموا في تعزيز فنّ الحضور؛ وبذلك تشكّل الحراك وفق مفهوم آصف بيات كلاحركة اجتماعيّة.

وكان للعنف الّذي مارسه الأمن الإسرائيليّ، دور في تحويل أجهزة الأمن الإسرائيليّة القمعيّة إلى أن تكون هي نفسها ذات وظيفة تحرّض الأفراد على الثورة، بالمفهوم الغرامشيّ. إنّ ممارسة القمع والعنف والإكراه بكلّ الأشكال والأساليب، من قِبَل الأجهزة الإسرائيليّة، قد حفّز المرابطات والمرابطين على الصمود وممارسة التحدّي.

أشار شباب الحراك إلى أنّ العملاء والمستعربين لم يكن لهم دور مركزيّ أو مهمّ في الحراك، ولم يكن بإمكانهم استغلال الوضع واختراقه، وذلك لطبيعة الحراك الشعبيّ اللاعنفيّ، وكون غالبيّة المرابطين يعرفون بعضهم بعضًا، والاعتقالات الأولى في بدايات الحراك جعلت المرابطين يكتشفون مَنْ هم العملاء والمستعربون؛ لذلك انسحب العملاء والمستعربون خوفًا من كشفهم من قِبَل شباب الحراك وباقي المرابطين.

وقد كان للإعلام دور مركزيّ في الحراك المقدسيّ، لقد كان لجميع أنواع الإعلام دور مركزيّ في الحراك: سواء الإعلام التقليديّ أو الإعلام الجديد (الاجتماعيّ)؛ فكان دور «فيسبوك» كوسيلة إعلام اجتماعيّ تفاعليّ بارزًا في الأحداث، ومن الأمثلة على صفحات «فيسبوك» المهمّة في نقل الأحداث، مثل صفحة الروائيّ والكاتب المقدسيّ عيسى القواسمي، الّتي كانت تغطّي تفاصيل الأحداث والحراك والنشاطات والفعاليّات المقدسيّة إبّان الحراك بكلّ تفصيلاتها، إلى جانب تغطيتها تفاصيل الحياة اليوميّة في الحراك بصفتها مقاومة؛ فنقل لنا تراتيل الأطفال للقرآن، وأناشيد الشباب الوطنيّة، وهتافات المرابطات، وتضامن الناشطين الأجانب، ونكشات كبار المقدسيّين وصغارهم، وأماكن الحراك وطبيعته وتفاصيله.

يمكن تقديم تفسير سوسيولوجيّ لتجمّع المرابطين والمرابطات والناشطين، في «باب الأسباط» و«باب حطّة»، ومن هذه الأسباب الّتي روتها صبايا الحراك وشبابه: أنّ العمليّة وقعت في «باب حطّة»، ومن ثَمّ جرى إغلاقه، وتركيب الكاميرات والبوّابات الإلكترونيّة على «باب حطّة» و«باب الأسباط» وأبواب أخرى، واتّساع الحيّز المكانيّ في منطقة «باب الأسباط» ومحيطه؛ وهو ما مكّن المرابطين والناشطين من التجمّع في ذلك الحيّز، قرب هذه الأبواب من القرى المقدسيّة، والأحياء المجاورة مثل «الطور» و«وادي الجوز» و«العيساويّة» وغيرها، واعتياد المقدسيّين دخول المسجد الأقصى من هذه الأبواب، ولا سيّما «باب الأسباط».

 

مقاومة بالحيلة

قال بعض المقدسيّين إنّ ثمّة ثقافة مقاومة متبلورة في القدس، مقوّماتها الصمود والتحدّي والإرادة القويّة ورفض الخضوع. وغياب السلطة الفلسطينيّة ومؤسّساتها في القدس، سمح بتوليد بنيات ومجموعات ومبادرات، تولّت الشأن السياسيّ والمقاومة في القدس، إلى جانب حالة الاشتباك اليوميّ بين المستعمَر والمستعمِر، الّتي أبقت ثقافة مقاومة واحتكاكًا يوميًّا بين الطرفين، وبقي التناقض قائمًا بسبب السلوك الاستعماريّ العنصريّ ضدّ أهالي المدينة.

بفعل تعزيز ثقافة المقاومة في القدس عبر الممارسة النضاليّة في الحياة اليوميّة، فقدت المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة والأمنيّة هيبتها وقوّتها، أمام قوّة الجماهير المقدسيّة؛ فالمقدسيّات والمقدسيّون المرابطون، أسقطوا حاجز الخوف...

بفعل تعزيز ثقافة المقاومة في القدس عبر الممارسة النضاليّة في الحياة اليوميّة، فقدت المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة والأمنيّة هيبتها وقوّتها، أمام قوّة الجماهير المقدسيّة؛ فالمقدسيّات والمقدسيّون المرابطون، أسقطوا حاجز الخوف من قوّة المستعمِر وآلته العدوانيّة، وكانت الحشود العسكريّة الكبيرة المحتشدة في البلدة القديمة في القدس ومحيطها، دليلًا على ضعف المؤسّسة العسكريّة ووهنها وتخبّطها أمام إرادة الجماهير والمرابطين المقدسيّين. 

وقد تحدّثت مجموعة من الشباب المقدسيّ بوجود مقاومة بالحيلة برزت في الحراك المقدسيّ، وقد تمثّلت المقاومة بالحيلة بمجموعة من النكشات والنكت والحيل، والسلوك والأعمال، والأصوات والصلوات والأكلات، الّتي كانت تُغْضِب وتستفزّ وتخيف الجنود الإسرائيليّين والشرطة. وقد أبدع الشباب والصبيان والرجال والنساء المرابطون في فنون المقاومة بالحيلة بمنطق جيمس سكوت. وسجّلت مدينة القدس وشبابها وشيبها درسًا في المقاومة والصمود وحماية المسجد الأقصى، قوامه ثقافة الحقّ والعدل والصمود الجماعيّ والحياة اليوميّة كمقاومة.

 

 

تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

 

أحمد أسعد

 

 

باحث في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعيّة في فلسطين، وتحديدًا القدس. حاصل من جامعة بيرزيت على ماجستير الدراسات العربيّة المعاصرة، وماجستير الدراسات الإسرائيليّة.

 

 

 

تعليقات Facebook