أسيرات الجبل

لوحة جنان عبده

 

خرجت من سجن الدامون في أعالي جبال الكرمل. لم يكن بيدي ساعة؛ فقد أقفلت هاتفي وأبقيته في السيّارة لأنّه ليس بالإمكان إدخال هواتف إلى السجن، ليكون إبقاؤه في السيّارة أفضل من إبقائه بيد السجّان. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة تقريبًا؛ هذا يعني أنّي جلست مع موكّلتي قرابة ساعة ونصف.

إنّها المرّة الأولى الّتي ألتقيها، ولم يكن معي توكيل. كتبت للسجن أنّني سأحصل على توكيل وتوقيع من موكّلتي في نهاية الجلسة، وهذا ما كان. كنت قد علمت باعتقالها صدفة من خلال حديث مع والدة معتقلة أخرى. خبّرتني قصّتها، وحصلت منها على رقم هاتف والدتها الّتي زوّدتني بتفاصيل اعتقالها ورقم هويّتها، لأتمكّن من تقديم طلب زيارة.

كان المنظر سرياليًّا، خليطًا من الغرابة والجمال، حيث يتموضع السجن في إحدى أجمل قمم جبل الكرمل المُطِلّ على البحر والساحل الحيفاويّ. إنّه منظر لا تقدر الأسيرات الـ 36 داخل السجن...

عرفت من والدة موكّلتي الأولى أنّها على تواصل مع أمّهات عدد من المعتقلات وقد عملن «جروب» أمّهات أسيرات. منعني خجلي ومنعتني مهنيّتي من أن أطلب أن تضيفني إلى «الجروب»، واكتفيت بطلب أسماء الأمّهات وأرقام الهواتف.

يحدث في زمن عاديّ أن تعمل نساء مجموعة تواصل لمناقشة مواضيع مختلفة، لكن في زمن الاحتلال يُنْشِئْنَ مجموعات تواصل بوصفهنّ أمّهات أسيرات، ويصير «الجروب» منصّة تواصل وتبادل معلومات ودعم.

حضرت موكّلتي والابتسامة تعلو وجهها، صبيّة في بداية العشرينات، فتاة جميلة وحادّة الملامح. مرّت من أمامي إلى غرفة اللقاء بمرافقة سجّانة، كنت في الساحة بالانتظار كما تتطلّب الإجراءات. عرّفتها بنفسي وبمكان عملي، وعلمت أنّ السجّانين خبّروها باسم المحامية الزائرة، وكانت قد سمعت اسمي من موكّلتي الأولى، شريكتها في الزنزانة ورفيقتها في الدراسة، تلك الّتي كنت التقيتها منذ اعتقالها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ثلاث مرّات، لأخذ شهادتها عن تفاصيل اعتقالها والتحقيق معها، ومن ثَمّ لاستكمال إجراءات قانونيّة، بينما لم تحظ عائلتها حتّى الآن بأيّ زيارة، إذ أُغْلِقَت أبواب السجن أمام مَنْ هم خارجه.

التقيت موكّلتي الجديدة، تحدّثنا، وسألتها وأخبرتني عن الاعتقال والتحقيق وظروف المعتقل والزنازين والعزل. وكانت قد وُقِّفَت واعتُقِلَت على الحاجز في طريقها مع والدتها بسيّارتها إلى جامعة بيرزيت لتستلم شهادة تخرّجها. اعْتُقِلَت ولم تصل الجامعة، ولم تحصل على شهادة تخرّجها.

شخصيّتها قويّة، متماسكة، واعية، تشبه إلى حدّ كبير شخصيّة موكّلتي الأولى وشكلها، وكلتاهما طالبتان في جامعة بيرزيت، في بداية العشرينات من عمريهما، تتقاسمان الآن مع خمس أسيرات أخريات زنزانة واحدة. التُّهَم متشابهة: نشاط طلّابيّ في تنظيم غير قانونيّ.

كان من الصعب عليّ فعل هذه النقلة. أردت أن أفترش العشب هناك. ابتعدت قليلًا بسيّارتي، وشعوري بأنّي أريد أن أوقف السيّارة، أنزل إلى الطبيعة، أستنشق الهواء، وعبق برودة أمواج البحر وورود الكرمل.

 

تعريف غير قانونيّ، هو تعريف أقرّته سلطة الاحتلال بحظر الحراك الطلّابيّ «القطب» (القطب الطلّابيّ الديمقراطيّ التقدّميّ) ؛فالاحتلال، وكجزء من منظومته القمعيّة الاستعماريّة يقرّر ويحدّد ما القانونيّ وما هو خارج القانون، وفق ما يتوافق مع أجندته؛ وبهذا، تحوّل نشاط الحراك الطلّابيّ إلى «غير قانونيّ»، وزُجَّ بعشرات الطلّاب من جامعة بيرزيت في السجون الإسرائيليّة. كلّهم في بداية العشرينات، بعضهم صدر في حقّه أحكام بالسجن بين أشهر إلى سنوات، والأغلب قُدِّمَت ضدّهم لوائح اتّهام دون أن تصدر أحكام بعد، ومحاكماتهم العسكريّة تُؤَجَّل مرّة تلو الأخرى. وفي ظلّ جائحة الكورونا وقوانين الطوارئ، فإنّهم لا يحضرون إلى قاعة المحكمة للمشاركة في جلسات محاكمتهم، وإنّما يشاركون من خلال شاشة بثّ، ولا يتواصلون مع أهاليهم؛ إذ أُغْلِقَت أبواب السجن، ومن خلال شاشة البثّ أثناء جلسات المحكمة، يسترقون المجال لكلمة أو بسمة يتبادلونها مع الأهل. كلّهم معتقلون ومعتقلات إلى حين إنهاء النظر في الملفّ. إنّهم بنات وشباب في عمر الورد، تهمتهم نشاطهم الطلّابيّ، ولو لم يكونوا واقعين تحت احتلال لتحوّلوا لقيادات شعبهم.

أخذت من موكّلتي إفادة عن تفاصيل اعتقالها، وعن التحقيق معها في مركز الاستخبارات، وعن ظروف الاعتقال في السجن. علمت منها عن أسماء معتقلات أخريات تعرّضن لظروف اعتقال وتحقيق مشابهة، سجّلت أسماءَهنّ للتواصل مع الأهالي، استعدادًا لزيارات أخرى سأقوم بها.

خرجت من السجن، كان الطقس جميلًا ربيعيًّا والمنظر أجمل. اكتسى سفح الجبل بالبرقوق الأحمر، وصابونة الراعي، والخضار الكثيف، بعد شتوة الأسبوع الماضي.

بعض العائلات المقدسيّة الّتي حضرت بباص الصليب الأحمر، والّتي سُمِحَ لها بالزيارة بعد إغلاق استمرّ أشهرًا، كانت قد افترشت العشب بانتظار الزيارة، وقد حُدِّدَت الزيارة لشخص واحد من العائلة المصغّرة للأسيرة لا غير، وليس لثلاثة كما كان متّبعًا. كلّ هذا يعود إلى تعليمات الكورونا الجديدة، الّتي تغلق المغلق وتقطع المقطوع أكثر ممّا كان.

كان المنظر سرياليًّا، خليطًا من الغرابة والجمال، حيث يتموضع السجن في إحدى أجمل قمم جبل الكرمل المُطِلّ على البحر والساحل الحيفاويّ. إنّه منظر لا تقدر الأسيرات الـ 36 داخل السجن، الموزّعات على ثلاث عشرة زنزانة في «قسم 3» (قسم النساء)، على أن يتمتّعن به. فلا أفق حيث الأسلاك الشائكة المتشابكة تغطّي السماء، والجدران الرماديّة العالية تمنع كلّ إمكانيّة رؤية أو استشعار لما هو خارجها.

هذا البحر وهذا الجبل لا تراه الأسيرات، منهنّ مَنْ لا تعرف البحر أبدًا، وكيف تعرفه وهي قد وُلِدَت وكلّ بنات جيلها وأبناء جيلها، خلف الجدار العازل وداخله. جدار يفصل بين أبناء الشعب الواحد وبناته، ويُجَرِّم التواصل بين أطرافه ويمنعها.

 

هذا البحر وهذا الجبل لا تراه الأسيرات، منهنّ مَنْ لا تعرف البحر أبدًا، وكيف تعرفه وهي قد وُلِدَت وكلّ بنات جيلها وأبناء جيلها، خلف الجدار العازل وداخله. جدار يفصل بين أبناء الشعب الواحد وبناته، ويُجَرِّم التواصل بين أطرافه ويمنعها.

خرجتُ من السجن، وتنتابني حين أخرج منه دومًا مشاعر متضاربة من غضب وحزن، حيث يقطف الاحتلال أجمل ما فينا، ويضعهنّ خلف الجدران، وأشعر ببعض الفرح لأنّي أعلم كم يعني لقاء محامٍ للأسير والأسيرة، إضافة إلى الجانب القانونيّ في هذا اللقاء، أحيانًا كثيرة يكون هذا أوّل لقاء مع إنسان من خارج الحركة الأسيرة، ليس بالمحقّق ولا بالسجّان، وإن كان اللقاء فور انتهاء منع اللقاء، أو فور انتهاء التحقيق المكثّف، فإنّه أوّل لقاء مع إنسان من خارج السجن، وأعلم بأهمّيّة ذلك اللقاء للعائلة الّتي تنتظر للاطمئنان؛ إذ مُنِعَت عنها الزيارات، ولا يعرفون مصير بناتهم، ويقلقون عليهنّ، خاصّة في ظلّ الكورونا. فموكّلتي الأولى منذ اعتقالها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لم تحظ بأيّ زيارة من أهلها بسبب إجراءات الإغلاق؛ إذ مُنِعَت الزيارات، وأوقف الصليب الأحمر السفريّات الّتي يوفّرها لعائلات الأسرى، وأُغْلِقَت الحدود، وأُغْلِقَت بوّابات السجن.

خرجت من السجن، كان النهار في بدايته، بعد ساعة لديّ جلسة عبر الزوم، حيث اعتدنا على العمل من خلال هذه المنصّة الّتي غدت هي واقعنا.

كان من الصعب عليّ فعل هذه النقلة. أردت أن أفترش العشب هناك. ابتعدت قليلًا بسيّارتي، وشعوري بأنّي أريد أن أوقف السيّارة، أنزل إلى الطبيعة، أستنشق الهواء، وعبق برودة أمواج البحر وورود الكرمل.

وصلت الكرمل الفرنسيّ قريبًا من مكان سكني، أوقفت سيّارتي قرب كنيسة مار إلياس، نزلت ومشيت باتّجاه الجبل وقبّة مار إلياس، حيث البحر يمتدّ أمامي بزرقته الحادّة الّتي أعشقها.

 

 

جنان عبده

 

 

محامية وفنانة تشكيليّة، من سكّان حيفا. ساهمت في تأسيس عدد من الأطر الأهليّة، ولها إسهامات بحثيّة. صدر لها كتاب "الجمعيّات النسائيّة والنسويّة الفلسطينيّة في مناطق 48" عن "مدى الكرمل". تنشط وتكتب عن قضايا الأسرى والمرأة.

 

 

تعليقات Facebook