اللانداي: أسرار البشتونيّات

أفغانيّات

اللانداي نوع من الشعر الشعبيّ المنظوم (والمغنّى أحيانًا)، باللغة البشتونيّة في أفغانستان، وفق قواعد خاصّة من الوزن الشعريّ والتقفية. تعني كلمة اللانداي القصير أو الموجز، إذ يأتي على شكل سطرين شعريّين فقط.

ينظم الرجال والنساء اللانداي في مواضيع متنوّعة، وقد اشتهر منه المجموعة التي جمعها الشاعر الأفغانيّ سيّد بهاء الدين مجروح (1928-1988) من شعر النساء الأفغانيّات، الذي يُتداول سرًّا بينهنّ، لما تعبّر عنه من بوح جريء عن المرأة الأفغانيّة ومشاعرها وهواجسها. تُرجمت مجموعة الأشعار تلك إلى الفرنسيّة والإنجليزيّة، وظهرت لها في العربيّة، سابقًا، ترجمتان نثريّتان.

في المختارات التالية نقدّم ترجمة شعريّة، تلتزم الوزن العربيّ، اعتمدت أساسًا على الترجمة الإنجليزيّة المنشورة تحت عنوان Songs for Love and War: Afghan Women's Poetry (2010).

وأبرز ما نلاحظه في هذه الطائفة المختارة، وجود ثلاث شخصيّات محوريّة تدور حولها الأشعار: شخصيّة المرأة التي تنطق بها؛ وشخصيّة زوج المرأة الذي تكرهه وتوسعه شتمًا وسخرية؛ وشخصيّة عشيق المرأة الذي يقترب منها حينًا إلى درجة الوصال؛ ويبتعد حينًا آخر حتّى يبدو ضربًا من المحال. في اللانداي نقد لاذع للمجتمع الذكوريّ الذي لا يرى في المرأة أكثر من سلعة أو متعة، وهجاء مرير للرجل/ السيّد.

 

***

بسرّيَ أذوي... في الخفاءِ أنوحُ

أنا امرأةُ البشتونِ كيفَ أبوحُ؟!

 

**

قساةٌ قساةٌ

ترونَ العجوزَ يجرُّ خطايَ

إلى المضجعِ

وتستفهمونَ عنِ السّرِّ في أدمعي؟!

**

أحبُّ!

ولا أخفي غرامي وآهاتي

ولو نزعَتْ سكّينُهم كلَّ شاماتي!

**

ضعْ شفاهَكَ فوقَ شفاهِيَ

واترُكْ لساني طليقا

 

يقولُ لَكَ الحبُّ

يا عاشقي والعشيقا

**

ها أنتَ تبعثُ لي، يا ربُّ، ثانيةً
ليلًا كئيبًا... على أعتابِهِ أقفُ

وها أنا، وسريرُ النحسِ يرقبُني،
مِنْ أخمصَيْ قدمي للرأسِ أرتجفُ

 

**

غدًا
سوفَ أعبرُ في قريتي
سأرفعُ للشمسِ وجهيَ الحسيرَ
وأنشرُ للريحِ شعري الْمَشاعْ

غدًا سوفَ يشبعُ كلُّ الجياعْ

 

**

ضمَّني، أوّلًا، في ذراعيْكَ
خذْني بنشوتِكَ الصاعدة

ثمَّ دعْني أراكَ
تقبّلُ شاماتِ جسمِيَ
واحدةً... واحدة!

**

يا جميلُ! يا عسلُ!
ادنُ أيُّها الأملُ

إنْ خجلْتَ تلمسُني
لنْ يصدَّني الخجلُ!

**

ها هوَ الديكُ
يطلقُ لعنتَهُ ويصيحْ

فيغادرُني عاشقي
مثلَ طيرٍ جريحْ

 

**

حلوةٌ
وذراعايَ مفتوحتانِ
وكلّي إليْكَ فمُ

وأنتَ جبانٌ
إلى النومِ تستسلمُ!

**

طوعًا أمنحُكَ شفاهِيَ العذبة

ما الحاجةُ لأهزَّ الجرّةَ
وأنا رطبة؟!

**

في الليلِ
الشرفةُ معتمةٌ
وكثيراتٌ جدًّا سُرُرُ بناتِ الحيّْ

لا تحزنْ
يا روحي!
وسواسُ حُليّي سوفَ يدلُّ علَيّْ

**

اجعلْ مِنْ نفسِكَ شحّاذًا صوفيًّا
وتعالَ إلَيّْ

مَنْ يجرؤُ أنْ يقطعَ دربَ الليلِ
على شحّاذٍ صوفيّْ؟!

**

ألا تستحي، يا شيخُ!
مِنْ ثلجِ لحيتِكْ

تداعبُ شَعري
وهْوَ في عمرِ ابنتِكْ!

**

واحدٌ
يتقطّعُ شوقًا إلى قطرةٍ مِنْ غديري...

آخَرٌ
بجوارِيَ
نعسانُ
يقذفُ بي مِنْ سريري!

**

يا ديكُ، أخّرْ صيحةَ الفجرِ
للتوِّ قدْ آوى إلى صدري!

**

أوقدْ نارَكَ
واجمعْ أحطابَكَ
واقذفْها في قلبِ التنّورْ

فأنا متعوّدةٌ
أنْ أمنحَ جسدي
في وجْهِ النورْ

**

ما دمْتَ غريرًا في الحبِّ
ولسْتَ بهائمْ
فلماذا أيقظْتَ فؤادي النائمْ؟!

 

**

محبوبي هندوسيٌّ
وأنا مِنْ دينِ محمّدْ

لكنّي مِنْ أجلِ الحبِّ
سأكنسُ درجاتِ المعبدْ

 

د. عبد الله أبو شميس

 

 شاعر فلسطينيّ - أردنيّ. يحمل شهادة البكالوريوس في الهندسة، والدكتوراه في الأدب والنقد، له ثلاث مجموعات شعريّة مطبوعة: 'هذا تأويل رؤياي' (2006)؛ 'الخطأ' (2011)؛ 'الحوار بعد الأخير' (2016)، بالإضافة إلى ترجمة شعريّة لمختارات من شعر اللانداي الأفغانيّ. حصل على عدد من الجوائز الشعريّة العربيّة، أبرزها: جائزة الشارقة للإبداع العربيّ (2005)، وجائزة الكاتب الشابّ/ مؤسّسة عبد المحسن القطّان (2008)، وجائزة فدوى طوقان (2014)، وشارك في العديد من المهرجانات الأدبيّة العربيّة والعالميّة.

تعليقات Facebook