القوقعة السوريّة: تفاهة الشرّ وفظاعة التعذيب

في الذكرى السادسة للثورة السوريّة، قرأت رواية 'القوقعة: يوميّات متلصّص' (2008) للكاتب مصطفى خليفة. مذ أنهيتها وأنا أجلس وأفكّر داخل قوقعتي، كأنّني خارج من ذلك السجن الصحراويّ في تدمر، شاهد على 13 عامًا من حفلات التعذيب الفظيعة والممنهجة. حذّرني صديقي السوريّ الذي أعارني الرواية من قسوتها، ومن تلك الحالة التي ستصاحبني بعد قراءة العمل؛ حالة من اكتئاب صادم واغتراب لما قد تصل إليه البشريّة من ساديّة في الإذلال وأشكال التعذيب الجسديّ والنفسيّ والإعدامات. قلت له: 'لا تقلق عليّ سأتحمّلها، أليس هذا ما اعتدنا مشاهدته، يوميًّا، في سوريا، في السنوات الأخيرة؟'

13 عامًا من 'قوقعة' خليفة التي كُتبت قبل الثورة، تختصر أكثر من ثلاثة عقود من تاريخ الوحشيّة في سجون نظام عائلة الأسد. تدمر لم تكن وحدها، فـ 13 ألف سوريّ سيلقون حتفهم في صيدنايا فقط، بين عامي 2011 و2015، وفق تقرير منظّمة 'أمنستي' في شباط (فبراير) الماضي، الذي يصف، على نحو موثّق ومفصّل، أشكال التعذيب في هذا 'المسلخ البشريّ'، حسب شهادات العشرات من السجناء والحرّاس والقضاة السابقين، وكأنّ التقرير الصادر عام 2017 فصل من فصول الرواية التي كُتبت عام 2003.

أوضح

عدت بعد الانتهاء من الرواية إلى الصور التي سرّبها 'قيصر' سوريا، العسكريّ السابق الذي انشقّ عن النظام بعد 13 عامًا من الخدمة، مهرّبًا عشرات آلاف الصور لضحايا التعذيب المدنيّين السوريّين. لم تكن الصور بعد القراءة إلّا بانوراما بصريّة عاكسة للرواية، حتّى باتت تفاصيل التعذيب على الجثث الملقاة في ساحات السجون، قبل ذهابها إلى مقابر جماعيّة مجهولة، أو للحرق، أوضح لديّ من المرّة الأولى التي شاهدت فيها الصور عام 2015، حين نُشرت.

من الصور التي سرّبها قيصر سوريا

كانت الجثث تحمل قصصها وتتكلّم من خلال آثار التعذيب، كأنّ كلّ جثّة لها روايتها الخاصّة بحسب رواية تعذيبها؛ روايات طويلة مفزعة لم تُكتب، تظهر ملامحها على الجسد السوريّ المتهالك؛ هذه الجثّة هنا، قضت بعد وصولها السجن خلال 'حفلة الاستقبال'، وتلك أفرغ السجّانون فيها وحشهم الجنسيّ، وهذا الجسد يحكي سياسة التجويع والحرمان من الرعاية الصحّيّة، وذاك الرجل السبعينيّ لا زالت عيناه مفتوحتين بعد أن أعدموا أبناءه الثلاثة، فمات قهرًا، وجثّة ذلك الفتى تحكي إجبار السجناء الأكبر سنًّا على اغتصابه علنًا أمام الجميع، وهؤلاء السبعة في تلك الزاوية شُنقوا من دون سبب، في اليوم الأوّل لمدير السجن الجديد... القصص لا تنتهي.

عبثيّة أساليب القتل والإعدام والتفنّن في ذلك، تشمل، أيضًا، تنكيلًا ممنهجًا مشتركًا لكلّ سجين، فأثر الشّبْحِ و'الكرسيّ الألمانيّ' و'العجل' و'الفلقة' والكرباج والأسلاك الحديديّة والخيزرانة، تجتمع كلّها على الجثث. أنظر في الجثث طويلًا، أحاول أن أتصوّر ما مرّ به  هؤلاء السجناء، فأنكسر. ثمّ أبحث بينها عن جثّتي الهامدة أمام هذا المشهد التراجيديّ، وأجزم أنّنا نحن، الذين نعيش خارج هذا السجن، لسنا سوى جثث هامدة في سجن أكبر، ننتظر دفنًا جماعيًّا بعد أن شبعنا موتًا من طقوس عجزنا، ومشاهدتنا لخذلان الشعب السوريّ وتركه يباد في مسلخ نظام الأسد كلّ هذه السنين.

القوقعة السوريّة

في السنوات الستّ الأخيرة، نقل نظام الأسد فكرة القتل العبثيّ والممنهج من السجون إلى خارجها؛ ما كان يُمارس في السرّ أصبح في العلن أمام أعين العالم كلّه. جعل الأسد كلّ سوريا 'غرفة تعذيب ومكانًا للرعب الوحشيّ والظلم المطلق'، هذا ما توصّل إليه تقرير الأمم المتّحدة في شهر آذار (مارس) الحاليّ. لم يعد الحديث عن جرائم الأسد بحاجة إلى دلائل، فهي كثيرة ومتوفّرة، أصبح من الضروريّ الحديث والعمل على كيفيّة محاكمة هذا النظام والمتورّطين معه في جرائم القتل والتصفية بحقّ الشعب السوريّ، التي بلغت أرقامها نصف مليون قتيل وملايين الجرحى والمصابين واللاجئين، من دون الحديث عن الضرر النفسيّ وتجلّياته ومخاطره مستقبلًا، في المجتمع السوريّ.

بقايا سجن تدمر

الاجتماع الأخير في مدينة لاهاي، بحضور خبراء وديبلوماسيّين دوليّين، وممثّلين عن منظّمات غير حكوميّة، بهدف بناء 'بنك للمعلومات' يساعد في تحضير الوثائق والملفّات بحقّ مرتكبي الجرائم في سوريا، ولدعم ومتابعة التحقيقات، وهي هيئة شكّلتها الأمم المتّحدة في شباط (فبراير) 2016، وتمثّل خطوة مهمّة نحو تحقيق العدالة، إلى جانب خطوات أخرى في مدن أوروبيّة، تمثّلت بتقديم لاجئين سوريّين دعاوى قضائيّة ضدّ ضبّاط مخابرات متّهمين بالتعذيب. لكن كلّ هذه المبادرات السابقة واللاحقة، لن تفيد ما دام المجتمع الدوليّ غير قادر على وقف القتل اليوميّ والتعذيب المستمرّ في السجون، والتصرّف كأنّه جالس داخل قوقعة، 'يتلصّص' على ما يجري في سوريا ليعلن لنا موت الإنسانيّة فيها.

تلصّص

يرتكز مصطفى خليفة في روايته على فعل تلصّص الشخصيّة المركزيّة في الرواية، والتي يرفض أن يعدّه بطلًا، فهو إنسان عاديّ كان يدرس الإخراج في فرنسا، واعتُقل فور عودته لسوريا من دون أن يعرف لماذا! فيتّضح لاحقًا أنّ اعتقاله كان لتهمة مختلقة، وهي الانتماء للإخوان المسلمين، على الرغم من أنّه مسيحيّ!  ليُقاد إلى سجن تدمر، حيث قضي سنوات طويلة وصعبة هناك، ستغيّر حياته كلّيًّا، بعد أن نجا من الموت في السجن أكثر من مرّة. في مهجع السجن يكتشف ثقبًا صغيرًا في الحائط، استطاع من خلاله أن يتلصّص على الخارج، ويراقب الإعدامات وعمليّات التعذيب، ليخزّنها في ذاكرته وهو في قلب قوقعته. هذا الشاهد الحيّ على موت الإنسانيّة، وبعد خروجه من السجن، يفقد القدرة على التواصل والتفاعل مع العالم الخارجيّ، وتصبح قوقعته عالمه الداخليّ بعد التجربة التي مرّ بها، وفقدانه شعور الكرامة الإنسانيّة.

فقدان الشعور هذا، الذي يحمل في طيّاته الخضوع والذلّ، كان هدفًا أساسيًّا لسياسة التعذيب، حتّى تجاه أشخاص كانوا سيعدمون في نهاية المطاف. لم تكن الإعدامات سريعة، بل كان يجب أن تمرّ قبل ذلك بعمليّات تعذيب تفوق حدّتها الخيال البشريّ، كي يصل السجين إلى حالة من فقدان الشعور بإنسانيّته. هذه ركيزة أساسيّة يقوم عليها نظام ديكتاتوريّ استبداديّ كنظام الأسد، والتي لم تمارس مع السجناء فقط، بل مع السجّانين أيضًا، الذين يمارسون التعذيب باسم القائد المفدّى.

مصطفى خليفة

يقول خليفة في الرواية في وصف عناصر الشرطة: 'تخيّلت عناصر الشرطة العسكريّة، هؤلاء الذين أراهم أمامي، ذوو وجوه مسلوخة، أيّة قوّة سلخت هذه الوجوه؟ كيف سُلخت؟ لماذا؟ أين؟ لست أدري، لكن ما أراه أنّ الوجوه البديلة لا تشبه وجوه البشر، وجوه أهلنا وأصدقائنا: مسحة غير بشريّة'. ثمّ يقول في مقطع آخر في وصف 'البلديّات'، وهم جنود سجناء فرّوا من الخدمة العسكريّة، أو جنود مرتكبون لجرائم سرقة وقتل، ومدمنو مخدّرات يسجنون ليعملوا في السجون ويكون لهم دور في عمليّات التعذيب: 'البلديّات سجناء مثلنا، مقهورون مثلنا، ولكنّهم يعانون من القهر مثلما نعاني، ولا تعني لهم السياسة شيئًا. ولكن من أين تنبع هذه القسوة اللئيمة والضرب المبرح اللذان يكيلهما البلديّات للسجناء أثناء الحلاقة؟'

تفاهة الشرّ

تتحدّث المفكّرة الألمانيّة، حنّة أرندت، في كتابها 'أسس التوتاليتاريّة'، عن مبدأ الخوف الذي اعتمدت عليه الأنظمة الاستبداديّة القديمة، وعن مبدأ العنف الذي اعتمدت عليه الأنظمة الشموليّة الحديثة، إذ أنّ جوهر التنظيم للنظام الشموليّ يكمن في استخدام العنف غايةً في حدّ ذاتها، بهدف تحويل الناس إلى أدوات للسلطة، منزوعة من شخصيّتها، ليُستخدموا بهدف الحكم والسيطرة.

في مقال لها نشرته في صحيفة 'النيويوركر' الأمريكيّة، أثار ضجّة حول تغطيتها لمحاكمة أودلوف آيخمان، أحد المسؤولين الكبار في النظام النازيّ الذي تعود إليه مسؤوليّة الترتيبات اللوجستيّة في إعداد مستلزمات المدنيّين في معسكرات الاعتقال والإبادة؛ تقول أرندت إنّ آيخمان لم يفعل شيئًا بمبادرة منه، وإنّه لم تكن لديه نيّة، بأيّ شكل من الأشكال، لفعل الخير أو الشرّ، وإنّه لم يفعل شيئًا سوى إطاعة الأوامر، معتبرة أنّ أفظع الشرور في العالم يرتكبها أشخاص نكرات. الشرّ يرتكبه أشخاص ليس لديهم أيّ دافع ولا قناعات، وليس لديهم غايات شيطانيّة. يرتكبه أشخاص يرفض الواحد منهم أن يكون إنسانًا، وهذا ما تُطلق عليه أرندت 'تفاهة الشرّ'.

حنّة أرندت

لم تكتب أرندت ذلك دفاعًا عن آيخمان، كما اتُّهمت حينها، بل، كما تقول، لمحاولة فهم الاعتياديّة الشديدة لدى آيخمان، وأفعاله العظيمة في فظاعتها، معتبرة أنّ محاولة الفهم لا تعني المغفرة، بل هي مسؤوليّة كلّ شخص يجرؤ على الكتابة عن الموضوع. ترى أرندت أنّه منذ سقراط وأفلاطون، عُدّ التفكير إجراء حوار صامت بين الشخص ونفسه. وفي ما يتعلّق برفضه أن يكون إنسانًا، تنازل آيخمان، على نحو كامل، عن هذه الصفة المميّزة للإنسان، ألا وهي القدرة على التفكير، ولهذا لم يعد باستطاعته أن يستنتج أيّ أحكام أخلاقيّة. هذا العجز عن التفكير، مكّن رجالًا عاديّين كثرًا من تنفيذ أفعال متوحّشة وهائلة الضخامة؛ أفعال لم نر مثلها من قبل على الإطلاق. تؤكّد أرندت أنّ تجلّي أنفاس التفكير لا تكون في المعرفة، لكن في القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ، بين الخير والشرّ، بين الجمال والقبح، متمنّية أن يعطي التفكير الإنسان القدرة على تجنّب الكوارث في تلك اللحظات الحاسمة، قبل أن تبدأ السفينة بالغرق.

التدهور الأخلاقيّ الذي سبّبه النظام في المجتمع السوريّ، لم يكن فقط بين المجرمين، بل بتنا نشهده بين الضحايا، ولعلّ توجّه العديد من الشباب نحو الحركات التكفيريّة، إضافة إلى ممارسات بعض فصائل المعارضة التي تشبه ممارسات النظام، خير دليل على ذلك، والمستقبل مجهول ولا يعد بالأفضل مع استمرار هذا النظام.

العدالة

عام 2013، وبعد 13 عامًا من حكم بشّارد الأسد، كادت الثورة السوريّة التي انطلقت سلميًّا في آذار (مارس) 2011، أن تنجح بعد أن امتدّت ووصلت معظم الأراضي السوريّة، لولا التدخّل الإيرانيّ ثمّ الروسيّ، اللذان عزّزا بقاء النظام وبدّدا الآمال في تحقيق العدالة قريبًا.

في روايته، يتحوّل بطل/ لا بطل خليفة، إلى شخص منعزل بعد خروجه من السجن، يشرب الكحول يوميًّا، ليبتعد عن الواقع من دون أن يحمل أيّ رغبة بشيء. حتّى رغبة التلصّص التي أدمنها في السجن انقضت بعد ضياع سنين من عمره معذّبًا مظلومًا، وانتحار صديقه في السجن. لا نعرف ما سيحصل معه لاحقًا، لكنّنا نعرف أنّ الكاتب حوّل خزّان ذاكرته في السجن إلى عمل روائيّ من أجل 'سجناء الرأي في كلّ زمان ومكان، عسى أن يعيد لهم نشر هذه الشهادات جزءًا من حقوقهم المنتهكة'، كما جاء في إهداء الرواية، مثله مثل العديد من السوريّين الذين كتبوا عن التجربة ووثّقوها بأشكال مختلفة، سعيًا لتحقيق العدالة.

سيكون من الصعب علينا تخيّل ما سيحدث لو لم تتحقّق العدالة في سوريا، بعد كلّ هذه الجرائم، بالنسبة لملايين السوريّين الذين تضرّروا، وللوطن العربيّ عامّة. ستبقى نهايات الروايات مفتوحة على احتمالات أفظع ممّا نراه اليوم، وأقسى من أن نتحمّل كتابتها.

 

ربيع عيد

 

 

صحافيّ فلسطينيّ ومحرّر في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسيّة، ويدرس لنيل ماجستير الإعلام والدراسات الثقافيّة.

 

تعليقات Facebook