أمجد ناصر في كرصور

.

- 1 -

في تقديمه لمجموعة أمجد ناصر الأولى "مديح لمقهًى آخر" (1979)، أشار سعدي يوسف إلى "أنّ صاحب المجموعة يملك عينين نافذتين، ويستخدم هذا العامل البصريّ بأمانة وشجاعة، وإلى أنّ النظر منصرف إلى ما هو ضروريّ".

ولمس سعدي أنّ "أمجد ناصر في محاولته الإحاطة بعالمنا، يتجنّب المُوطَّأ والمُمهَّد من السبيل والمرأة، ويفضّل الاهتمام بالنتوءات الّتي غالبًا ما يتجنّبها السراة المترفون، الّذين يخشون على نعومة أقدامهم (...) وتلمّست ثقة واضحة بالنفس".

وازداد حرصه وإصراره على تجاوز نفسه في كلّ مجموعاته، الّتي شكّلت علامة فارقة في المشهد الشعريّ العربيّ، ليس هذا فقط، بل إنّ قصيدته لم تسند ظهرها إلى غير الحياة وخرائطها وتفاصيلها

هذه الثقة الّتي أشار إليها الشاعر الكبير سعدي يوسف، توضّحت أكثر في كلّ مجموعات أمجد ناصر الشعريّة، وصولًا إلى ديوانه الجديد "مملكة آدم" (2019)، مرورًا بـ "وصول الغرباء" (1990)، و"سُرَّ من رآك" (1994)، حتّى ديوانه الساحر الّذي شكّل نقلة كبيرة في تجربته الشعريّة، "حياة كسرد متقطّع" (2004). وازداد حرصه وإصراره على تجاوز نفسه في كلّ مجموعاته، الّتي شكّلت علامة فارقة في المشهد الشعريّ العربيّ، ليس هذا فقط، بل إنّ قصيدته لم تسند ظهرها إلى غير الحياة وخرائطها وتفاصيلها؛ لذلك ابتعدت عن الصخب والضجيج.

 

- 2 -

الصدفة هي الّتي قادتني إلى "رعاة العزلة"، مجموعة أمجد ناصر الثالثة، الّتي صدرت في عمّان عام 1986، وكنت في المرحلة الثانويّة من دراستي الأساسيّة، أقرأ في مجلّة عربيّة حين وجدت قراءة في هذه المجموعة، ومع المقال أُرفقت صورة، بغلاف جميل ولافت، عليه صورة للشاعر، بملامح بدويّة، وثمّة حزن بعيد في نظرته كأنّه يشتاق. في نهاية المقال، كان ثمّة قصائد عدّة من الديوان، منها قصيدة "منفى":

"منفى

أرأيتِ؟

نحن لم نتغيّر كثيرًا

وربّما لم نتغيّر أبدًا:

الألفاظ المشبعة

النبرة البدويّة

العناق الطويل

السؤال عن الأهل والمواشي

الضحكة المجلجلة

رائحة الحطب القديم

الحطب المخزَّن في الحظائر

ما تزال تعبق في ثيابنا

أرأيتِ؟

نحن لم نتغيّر كثيرًا

وربّما لم نتغيّر أبدًا:

جلسات القرفصاء

الغسيل المحتشد أمام البيوت

الأولاد المعفَّرون بالتراب

الشاي المنعنع في المساء

النميمة المنعشة

الرضا بالقليل

الأخذ بالثأر

والدم الّذي لا يصير ماء

كلّ ذلك

كأنّنا ما نزال في المفرق أو السلط

في الكرك أو الرمثا

كأنّنا ما اجتزنا حدود الشمال

إلى المدن الكبرى

والسواحل

حيث تهدر الحرب

ويهدر البحر

ويمسك الغرباء بعضهم بعضًا

من الياقات

أو يطلقون الرصاص

من شرفاتهم

على حبال الغسيل".

 

يا الله! ما هذه الرقّة، وهذا الشوق الهائل لكلّ شيء تركه الشاعر خلفه! البيوت والأبواب والبراري والرعاة - وأنفاسهم الّتي تمرّ في ثقوب الناي - هذا ما دفعني إلى البحث عن الشاعر وعن دواوينه، في مكتبات حلب والشام والقامشلي. وبعد أن فشلت في الحصول على "رعاة العزلة"، هذا الديوان الآسر، الّذي يحتفظ الآن بنضارة قصائده كما لو أنّها كُتبت قبل قليل، ركبت سيّارة أجرة إلى بيروت، وهناك وجدت "رعاة العزلة"، و"مديح لمقهًى آخر"، و"منذ جلعاد كان يصعد الجبل.

ولم أكتفِ بما حصلت عليه، وفي أرشيف "الجامعة الأمريكيّة" في بيروت، بحثت عن كلّ ما يتعلّق بأمجد ناصر... وجدتُ بعض القصائد القليلة، وحوارًا واحدًا كان قصيرًا وسريعًا. وتمكّنت من الحصول بعد ذلك على ما كان يكتبه بعد أن توطّدت الصداقة بيننا،

ولم أكتفِ بما حصلت عليه، وفي أرشيف "الجامعة الأمريكيّة" في بيروت، بحثت عن كلّ ما يتعلّق بأمجد ناصر... وجدتُ بعض القصائد القليلة، وحوارًا واحدًا كان قصيرًا وسريعًا. وتمكّنت من الحصول بعد ذلك على ما كان يكتبه بعد أن توطّدت الصداقة بيننا، وكان يرسل إليّ كلّ ما يكتبه، أو يصدره من كتب وروايات، وفي نهاية كلّ إهداء: "تحيّاتي إلى أكراد العالم".

 

- 3 -

مَنْ يتابع تجربة أمجد ناصر الشعريّة، يرى الانتقال الكبير من ديوان إلى آخر، وأتاحت له لندن بعد أن انتقل إليها - وقبل ذلك بيروت وقبرص - وعمله في الإشراف على الصفحة الثقافيّة في "القدس العربيّ"، فرصة متابعة كلّ الأصوات الشعريّة الجديدة، الّتي كانت تحرص على النشر في الصحيفة؛ لأنّ أمجد سيقرأ قصائدهم.

لم يشغل أمجد ناصر نفسه بالتجريب مثل غيره من شعراء قصيدة النثر، ولا بكلّ ما قيل ويقال عن قصيدة النثر، سواء معها أو ضدّها، بل تابع تجربته الشعريّة، الّتي تُعَدّ واحدة من أنضج ما يمثّل قصيدة النثر العربيّة وأفضلها، بل كتب قصيدة نثر جديدة للقارئ الّذي يعرف الشعر، ويعرف الطريق إليه.

أدار صاحب "حياة كسرد متقطّع" ظهره للتنظير، ومضى نحو قصيدته المتفرّدة "الّتي يمكن معرفة صاحبها حتّى في غياب اسمه"، وذلك من خلال لغته الباهرة، وبناء القصيدة عنده، وعوالمه الشعريّة، والحضور القويّ والباذخ والآسر للمكان، وعدا كلّ ذلك فإنّ كلّ ديوان جديد له إضافة كبيرة للمنجز الشعريّ، وليس لمنجز قصيدة النثر فقط؛ ومن هنا كان هذا الحضور المدهش لأمجد ناصر وانتظار جديده دائمًا.

 

- 4 -

في كتابه "طريق الشعر والسفر" (2008)، يكتب أمجد ناصر عن التجريب: "لطالما سمعت عن التجريب في العمل الإبداعيّ، ولكنّي لم أعرف تمامًا ماذا يعني ذلك. أكثر من ناقد أشار إلى التجريب عندي، أو ميلي الغالب إليه، غير أنّي بكلّ صراحة، لا أعرف ما الّذي فعلته بالضبط لأكون تجريبيًّا. لا يعني ذلك استنكاري للتجريب ولا التقليل من وجاهة النقد، الّذي يرى في بعض أعمالي نزعة تجريبيّة لا تستقرّ على حال، تغادر ما إن تصل ثمّ تدير ظهرًا لما وصلت إليه".

ويضيف: "أكثر من مرّة قادني الانحراف أو الخطأ إلى طريق لم تكن واضحة لي قبلًا؛ فسلكتها. فضيلتي الّتي أعتزّ بها أنّني لا أخشى الانحراف عن المسار أو الخطأ في الكتابة؛ فليس لديّ أصلًا ما أخسره. المنجز عبء، الإرث قيد، وليس لي منجز أو إرث يقيّدانني".

أسهمت علاقتي بأمجد ناصر - صديقًا وشاعرًا -  وإرساله إليّ رواياته الأخيرة ودواوينه، بمتابعة تجربته الشعريّة، الّتي تُعَدّ حقًّا من أهمّ تجارب قصيدة النثر بين مجايليه من شعراء جيل الثمانينات

حين عدت إلى كرصور بعد عقدين، بحثت عن كتابين في مكتبتي الصغيرة، الّتي تركتها خلفي، هما "فقط لو يدك" لبسّام حجّار، و"رعاة العزلة" لأمجد ناصر. وقتئذٍ كتبت لصديق مشترك مع صورة للديوان: "أمجد ناصر في كرصور".

 ولهذا الديوان - تحديدًا - دور كبير في تجربتي الشعريّة، حين فتحت لي آفاقًا كبيرة في ترتيب علاقتي بقصيدة النثر، كنصّ شعريّ يتجاوز ويضيف أيضًا. وأسهمت علاقتي بأمجد ناصر - صديقًا وشاعرًا -  وإرساله إليّ رواياته الأخيرة ودواوينه، بمتابعة تجربته الشعريّة، الّتي تُعَدّ حقًّا من أهمّ تجارب قصيدة النثر بين مجايليه من شعراء جيل الثمانينات، في المشهد الشعريّ العربيّ، وترك أثرًا كبيرًا في الكثير من التجارب الشعريّة الشابّة في لبنان وسوريا وفلسطين، وفي مصر والمغرب العربيّ.   

لم يتوقّف صاحب "وصول الغرباء"، بعد أربعة عقود من الكتابة، عن البحث عن قصيدته، ومن ثَمّ تجاوزها، ولم يكتفِ بما أنجزه في أثناء مسيرته الشعريّة، منذ "مديح لمقهًى آخر" حتّى "مملكة آدم" ديوانه الجديد، الّذي صدر قبل أسابيع قليلة فقط، وثمّة ديوان آخر له سيصدر قريبًا عن "منشورات المتوسّط"، بالإضافة إلى كتب أخرى له.

قصيدة النثر الّتي يكتبها الشاعر الشابّ أمجد ناصر - حتّى الآن، وبعد كلّ ما أنجزه، لم يترك قلق الشاعر، وهو ينتهي من ديوانه الأوّل - تجيب عن الأسئلة الكثيرة الّتي تُقلق القارئ والناقد، حول مصير قصيدة النثر العربيّة ومستقبلها.

 

 

مروان علي

 

شاعر سوريّ يقيم في ألمانيا. درس الاقتصاد في جامعة حلب قبل أن يهاجر من سوريا إلى هولندا عام 1996. عضو اتّحاد الكتّاب الهولنديّين وحاصل على جائزة مهرجان "دينا" الشعريّ عام 1997. له ثلاث مجموعات شعريّة، وسيرة روائيّة. ترجم من الكرديّة إلى العربيّة رواية "العاجز" لصلاح الدين بولوت عام 2013.

 

 

تعليقات Facebook