أحرف الأمنيات

مامارو | Wallpaper

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

كان يا ما كان في قديمِ الزمان، وفي سالف العصر والأوان، طالبة لطيفة ومميّزة تُدعى ألحان.

كانت ألحان تعشق قراءة الحكايات، لطالما حَلُمَتْ بأن تصبح كاتبة قصص ومؤلّفة روايات.

ذات يوم قَرَّرَتْ ألحان التجوّل في أرجاء ساحة منزلها كعادتها في كلّ الأيّام، لكن هذه المرّة اكتشفت بابًا سرّيًّا صغيرًا يقودها إلى حديقة غنّاء تكسيها الأزهار بكلّ الألوان، في وسطها بئر كبيرة يعانقها زهر الأقحوان، تجلس على حافّته أميرة جميلة ذات شعر قصير، لامع وجميل، وعيون برّاقة وبشرة نضرة، تلبس فستانًا زاهي الألوان. انبهرت ألحان من جمال ذاك المكان.

"اقتربي يا ألحان"، قالت الأميرة بكلّ حنان،" هذه بئر الأمنيات، وهنا تتحقّق كلّ الأحلام".

دنت ألحان مستفسرةً: "ماذا تقصدين بأنّ"هنا تتحقّق كلّ الأحلام؟".

أجابت الأميرة: "اقتربي، أغمضي عينيك وتمنَّيْ".

أغمضت ألحان عينيها وتمنّت بكلّ ما تملك من إيمان:" أتمنّى، أتمنّى أن أصبح كاتبة قصص وروايات".

فتحت ألحان عينيها فوجدَتْ الأميرة تبتسم لها وتقول: "إن أردتِ ذلك فعليك البدء بتحقيقه الآن".

ابتهجَتْ ألحان من سماع ذلك الكلام من فم الشخص الّذي يشجّعها ويكون معها على الدوام.

ودّعت ألحان تلك الأميرة وخرجت مسرورة نحو بيتها، مستغرقةً بالتفكير والتفكير في مضمون ذاك الكلام.

دخلت ألحان منزلها بهدوء ومن ثَمَّ غرفتها لتبدأ العمل والاجتهاد، جلست على كرسيّها وأمسكت بقلمها على الفور وبدأت تكتب بكلّ دقّة، وسعادة وإتقان.

تابعتِ الكتابة حتّى انطفأت النجوم ولاح الصباح، وقد انتهت من الكتابة وقرّرت قراءة ما كتبتْه في المدرسة، أمام الصفّ.

حان الوقت، وقفت ألحان متحمّسة، سعيدة، بشعور لا يوصف، أمام زملاء الصفّ، فحلْمها يتحقّق. بدأت قراءة قصّتها بكلّ ثقة على أنّها ستكون قصّة تنال إعجاب الجميع، لكن عند انتهائها من ذلك سُمِعَ صوت تصفيق معلّمتها وحدها فقط، أمّا زملاؤها فقد ارتسمت على شفاههم ابتسامات السخرية، كأنّهم يودّون الانفجار بالضحك، إلّا أنّهم لم يفعلوا.

أمّا ألحان، فلم تستطع تمالك نفسها، وانفجرت بالبكاء، لقد كان ذلك الموقف من أكثر المواقف الّتي فيها خُيِّب ظنّها وشعرت فيه بالخجل الشديد.

منذ ذلك الوقت أصبحت ألحان وحيدة، يسخر ويستهزئ بها الجميع.

دام ذلك طويلًا حتّى أنّها في يوم، كانت ألحان مستلقية على سريرها ليتردّد فجأة في رأسها صوت يقول بحنان: "هذه بئر الأمنيات، وهنا تتحقّق كلّ الأحلام".

على الفور عادت بها الذكريات إلى ذاك اليوم الّذي فيه دخلت الحديقة السرّيّة الغنّاء، حيث البئر المحاطة بالورود والألوان، والأميرة، الّتي تزيل عنها الهمّ، تعطيها الدعم والآمال. وبدون تفكير نهضت ألحان عن سريرها وركضت مسرعةً نحو ذاك المكان، فتحت الباب السرّيّ ولحُسْنِ الحظّ وجدت الأميرة ما زالت تنتظرها في نفس المكان.

اقتربت مجدّدًا ألحان من الأميرة، وقد سعدت لوجودها هناك، لكنّها قالت لها: "لقد تعبت ويئست من حالي الآن، إنّ الجميع يسخر مني ويستهزئ بي، لقد نلت نصيبًا كبيرًا من تلك المضايقات".

أجابت الأميرة بعنفوان: "لا عليك يا ألحان، الجميع يمرّ بأوضاع كهذه بعض الأحيان".

قالت ألحان: "وما العمل الآن؟ ولِمَ كلّ هذا يحدث لي أنا بالذات؟".

أجابتها الأميرة: "تمنَّيْ مجدّدًا، ثقي بي!".

أغمضت ألحان عينيها وتمنّت بإيمان أكبر وأقوى:" أتمنّى من أعماق قلبي أن تتحقّق أمنيتي، أن أجد فكرة أكتبها لتنجح قصّتي كي أصبح كاتبة روايات تكتب عن تحقّق الأمنيات".

فتحت ألحان عينيها ووجدت الأميرة تقول مبتسمة: "تذكّري يا ألحان، تحلَّيْ بالشجاعة دومًا واستمرّي إلى أن تبلغي هدفك؛ أي طاردي حلْمك حتّى يتحقّق على التمام، وثقي بأنّ كلّ شيء بإرادتك سيكون على ما يرام وأنا معك على الدوام!".

ابتسمت ألحان وشعرت بالاطمئنان وخرجت من ذلك البستان مستغرقةً بتفكير أعمق، ماذا عليها أن تفعل الآن؟ تذكّرت كلام الأميرة الّذي أثّر فيها حقًّا وأشعرها بالابتهاج والأمان.

دخلت بيتها ومن ثَمّ وقفت أمام المرآة وحدّقت بنفسها وقالت: "أنا لها... سأفعلها... الآن".

وضعت ألحان نفسها تحت الأمر الواقع لتباشر الكتابة بكلّ دقّة وحذر وإتقان، وبعد انتهائها من العمل قرّرت قراءة ما كتبت في الصفّ مرّة أخرى، لكنّها تردّدت في ذلك بسبب السخرية في المرّة السابقة.

حلّ اليوم التالي وذهبَتْ ألحان إلى المدرسة، جالبةً معها القصّة، الخوف يملأ عينيها والخجل يغطّي وجنتيها.

وقفت ألحان أمام الجميع تتصبّب عرقًا من التوتّر والقلق، أمّا زملاؤها فقد ملأت وجوههم علامات السخرية كعادتهم، لكنّها وَثِقَتْ بكلّ كلمة تفوّهتها قدوتها لها، وتذكّرت الشجاعة لتباشر قراءة قصّتها ببطء وتروٍّ...

"يا للمفاجأة!"، قالت في نفسها عندما رأت تعابير وجوه زملائها الساخرة بدأت بالاختفاء حتّى انتهائها من القراءة؛ ليلفّ المكان بعد ذلك لحظة صمت وهدوء. شعرت ألحان كأنّه دهر... فجأةً شقّ هذا الهدوء صوت تعالي تصفيق المعلّمة يليه صوت تصفيق بعض الطلّاب.

ابتسمت ألحان وابتهجت لهذا النجاح فقرّرت المباشرة والاستمرار حتّى تجني قسطًا أكبر من التقدير والاحترام، لقد شعرت بأنّها على الدرب الصائب، فعادت لتواصل الكتابة والتطوير.

بعد مرور أسبوع من العمل الجادّ قرّرت عرض قصّتها أمام الصفّ مرّة أخيرة. وعنما فعلت، صفّقت لها المعلّمة وجميع الزملاء هاتفين لها: "رائعة يا ألحان، راويتنا المحترفة، إلى الأمام يا صاحبة الإبداع".
لقد كانت ردود الفعل مبهرة، ولم تفارق البسمة وجهها ألحان، لقد غمرت السعادة قلبها.

عند انتهاء الدوام ركضت ألحان مباشرة إلى ذلك البستان، ودخلته بكلّ سعادة وحماسة، مسرعةً نحو الأميرة لتحضنها وتشكرها مغمضةً عينيها قائلةً: "أميرتي الغالية، أشكرك لأنّك قدوة أتمثّل وأفتخر بها دومًا، أحبّكِ من أعماق أعماق قلبي يا بئر أسراري ومحقّقة أحلامي".

حينئذٍ تكوّن حولهما منظر جميل خلّاب فيه حروف اللغة تتصاعد من البئر وتطير كأنّها عصافير تحلّق بين السحاب، بكلّ الألوان، والأميرة تقف وسطهم تحرّكهم وكأنّهم كائنات، فقد اصطفّ حرفا الألف والميم ملوّنَيْن بالأرجوان، والنون والياء بجانبهما كلون السماء مع الألف الزاهية والتاء الورديّة، مجسّدةً حول ألحان قصّتها الأولى "أحْرف الأُمنيات".

فتحت ألحان عينيها لكنّها لم تجد شيئًا، لم يكن هناك أيّ إنسان، لا بئر ولا ألوان... كانت تجلس على مكتبها في المدرسة بجانب الشبّاك تتأمّل محيّا معلّمتها الّتي تحبّها، تقترب نحوها لتعطيها رسالة كُتِب فيها: "عزيزتي وغاليتي ألحان، رأيتك البارحة في المنام داخل حديقة غنّاء، كنت أرتدي فستانًا مليئًا بالألوان، بجانب بئر الأحلام، أدنو لك في وسطها قائلةً: إنّ كلّ أمنياتنا تصبح واقعًا إذا ما امتلكنا شجاعة للإمساك بها، لتتراقص بعدها حولك أحرف الهجاء محقّقة لك أجمل الأمنيات... أنا فخورة بك، بإبداعاتك وبإنجازاتك المبهرة دومًا، استمرّي إلى أن تبلغي هدفك، وتذكّري أن تتحلَّيْ بالشجاعة دومًا، كلّ التقدير وإلى الأمام دومًا، أحبّكِ غاليتي ألحان، من معلّمتك الداعمة والمُحِبَّة لك على الدوام".

 

 

* قصّة فائزة بجائزة "القصّة القصيرة لطلّاب المدراس - المرحلة الإعداديّة" (2019/ 2020)، الّتي تُنَظّمها جمعيّة الثقافة العربيّة، وهي تُنْشَر ضمن ملفّ خاصّ بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

للاطّلاع على بيان لجنة التحكيم الخاصّ بالمسابقة، ومسوّغات فوز هذه القصّة.

 

 

نادين قزموز

 

 

 

16 عامًا، الصفّ العاشر، مدرسة راهبات السالزيان، الناصرة.
 

 

 

 

تعليقات Facebook