الشعر لم يُحْجَر

 

عبر الأثير

لم تغيّر ظروف المنع والإغلاقات حول واقع حضور فعاليّات الشعر بشكل كبير؛ ففي الفعاليّات الّتي تُقام حاليًّا بشكل مباشر، يُسمح بحضور ما لا يزيد على عشرين شخصًا، في عمّان مثلًا، وهذا العدد يُعْتَبَر قريبًا نسبيًّا من عدد الحضور في الظروف العاديّة قبل جائحة كورونا (Covid-19).

أغلقنا باب عام كامل عُقِدَ فيه أغلب الأحداث الشعريّة بشكل افتراضيّ؛ فبعد فترة بسيطة من استيعابنا لواقع مكوثنا في الحجر الصحّيّ، وحقيقة أنّ على كلٍّ منّا إيجاد طريقته في ممارسة نشاطاته اليوميّة على اختلافاتها من المنزل، نظّم بعض المؤسّسات الثقافيّة، وبعض الأفراد المهتمّين بالثقافة والشعر، أحداث شعريّة تُعْقَد عبر الأثير.

أحاول في هذي الكتابة أن أدافع عن شكل تقليديّ في إلقاء الشعر وفي الاستماع إليه، وأفكّر كيف يمكن أن نتذكّر كم الدسامة الّتي يحملها هذا الفنّ بصورته التقليديّة، ربّما لأنّ العالم كلّه لم يَعُد يحتمل الشكل التقليديّ في ممارسة الأشياء، ويحاول إحلال شكل «متطوّر» من وجهة نظره في ممارسة أيّ شيء، إلّا أنّ الشعر بمقدوره ألّا يخضع للظروف المتغيّرة، وهذا سرّه الأخّاذ. إنّه أكثر الفنون حاجة إلى ذهن صافٍ ورغبة حقيقيّة في الاستماع أو القراءة. نسمع دائمًا أنّ الشعر لا جمهور له، وأنّ الفضل في وجود حركة ثقافيّة منتعشة يعود إلى الروائيّين، لكنّ «المزاج الثقافيّ» في كورونا جعل الشعر يفوز، ويكون عاملًا مهمًّا في تحريك عجلة الثقافة. هل كان من الممكن أن يقرأ روائيّ - أو روائيّة - فصلًا من روايته عبر الشاشة؟ لِمَ كلّ هذا الاستسهال في التعامل مع الشعر ومحبّيه؟

لديّ تحفّظات كثيرة على قراءة الشعر عبر الشاشات، وعلى واقع الحالة الشعريّة في سنة الجائحة. لم أستطع التماهي مع تغييب الجمهور من حيّز القراءة الفيزيائيّ، والاكتفاء بالمستمعين خلف الشاشات. في قراءات الشعر العاديّة، تنشأ علاقة آنيّة بين الشاعر والجمهور الّذي يحفّز أدرينالين الأوّل فيحلّق، ثمّ يقرأ انطباعات الوجوه، ويستمع لهمسات الرضا فيسترسل، أو يلتقط ملامح الملل، فيختم. لا يمكن فعلًا قائمًا على اثنين أن يقدّم بصورته الأنيقة من خلال واحد منهما؛ قطعًا سيخرج ناقصًا أو ملفّقًا، وهذا ما لا يمكنني أن أتسامح معه.

لم أستطع التماهي مع تغييب الجمهور من حيّز القراءة الفيزيائيّ، والاكتفاء بالمستمعين خلف الشاشات. في قراءات الشعر العاديّة، تنشأ علاقة آنيّة بين الشاعر والجمهور الّذي يحفّز أدرينالين الأوّل فيحلّق...

في السابق، كنّا نجد إعلانًا وحيدًا لأمسية شعريّة في الشهر، تتضارب اليوم مواعيد الأمسيات مع بعضها بعضًا. إنّ الأمسيات قائمة، والجمهور في البيت، ولا تكاليف للإضاءة وحجز القاعات، وضبط أنظمة الصوت، والأهمّ أن لا خجل من قلّة الحضور، والشاعر بطبيعة الحال يحبّ أن تصل قصيدته إلى الجميع. إذن، أصبح الشعر بطل مرحلة كورونا.

كنت من بين شعراء كثر، رفضنا المشاركة في أمسيات افتراضيّة، بعضنا رفض لعدم فهمه كيف تُدار العمليّة، أو كيف ستكون ردّة فعل الجمهور على قراءته. البعض الآخر رفض لعدم قناعته بأنّ هكذا أمسيات تحترم الشعر أصلًا أو تحتفل فيه.

 

كأنّ القصائد ستموت

حول الحركة الشعريّة الافتراضيّة، علّقت الشاعرة عبير سليمان لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة: "السلبيّ في عقد هذه الأمسيات، أنّ الموضوع بدأ عبر دعوات اعتباطيّة وأحيانًا شلليّة؛ فالبعض كان يسجّل إلقاءه لقصيدته، ويدعو عبر تحدٍّ افتراضيّ لأصدقاء يعرفهم أو يستظرفهم، وهو ما جعل الأمر يشبه الماراثون، الجميع مدعوّ للمشاركة بغضّ النظر عن الأهليّة، وهذا حتمًا سيضع الغثّ جنبًا إلى جنب مع السمين. وبكلّ تأكيد لم أكن لأشارك بإلقاء قصائدي بهذه الكيفيّة. لا يمكننا أن ننكر فضل الإنترنت في نقل الشعر إلى أبعد من حدود البلاد، لكنّ المربك في الأمر هو الإخلاص الزائد في تكريس قراءة الشعر بشكل غير طبيعيّ، كأنّ القصائد ستموت لو لم تُقرأ الآن. ثمّ إنّ واقع الشعر اليوم يُحيلنا إلى سؤال عن جدوى حجز قاعة كاملة تتّسع مئة شخص، لغرض إقامة أمسية شعريّة يحضرها ثلاثون حين تنتهي كورونا من حياتنا، بدلًا من الاستمرار في إقامتها مجّانًا كما هي اليوم".

تضيف عبير: "الجانب الإيجابيّ للأمر أنّه سمح للناس بمتابعة الشعراء الّذين يحبّونهم، وليس بوسعهم السفر إلى بلادهم لحضور أمسياتهم، كما أنّ الجيّد في المشاركات الافتراضيّة أنّها تغلّبت على الآليّة الّتي كانت سائدة في الدعوات إلى المهرجانات الشعريّة، حيث الدعوة إمّا لنفس الأسماء نظرًا إلى نجوميّتها وإمّا لأنّ الدعوات قائمة على المنفعة المتبادلة أو العلاقات الخاصّة والعامّة، فقدّمت بعض المنتديات الأدبيّة المحترمة أسماء نوعيّة ومميّزة كانت غالبًا مهمّشة وغير مدعوّة إلى بعض المنابر؛ نظرًا إلى أنّها غير منخرطة بلعبة المحسوبيّات والعلاقات. بالنسبة إليّ، مشاركاتي كانت عبر دعوات جهات مختصّة أكثر في المجال الأدبيّ، وحاولت قدر الإمكان المباعدة بين فترات المشاركة، كي لا يصبح حضور الشعر مكثّفًا بطريقة مزعجة للأصدقاء، أحيانًا كنت أعتذر بسبب الظروف العامّة الحزينة الّتي كانت ترافق زمن الدعوة، سواء في سوريا أو خارجها".

 

فرصة كتابة

كان الشعر يتنحّى جانبًا في الظروف الطارئة، لم يُقرأ الشعر بينما يتطاحن الجنود في الحرب، ولم يقحم نفسه في حالة بكاء شديدة أو في ظرف فرح عارم، لم يقرأ في الصباح لوجوه تحاول استيعاب أنّ يومًا جديدًا قد بدأ، كان الشعر طيلة الوقت موجودًا في مكانه، ومكانه هذا يتّسع كلّ الاحتمالات الّتي يوجد فيها الشاعر وقصيدته. يقصد الناس الشعر بصدق واحترام وعطش، ومن حقّنا نحن الشعراء أن نحاول الاحتفاظ بالعدد الشحيح من المستمعين للقصيدة، ممّن يؤكّدون أنّ الشعر حيّ، ولازم لهم ولنا على الأقلّ.

يقصد الناس الشعر بصدق واحترام وعطش، ومن حقّنا نحن الشعراء أن نحاول الاحتفاظ بالعدد الشحيح من المستمعين للقصيدة، ممّن يؤكّدون أنّ الشعر حيّ، ولازم لهم ولنا على الأقلّ.

أعمال كثيرة توقّفت لسنة، ويمكن تمديد توقّفها، بعض المشاريع الحيويّة أُجِّل، توقّفت معارض الكتاب عالميًّا، وتراجعت دور النشر في الطباعة، خوف ألّا تُباع الكتب بشكل جيّد، خضعت كلّ أعمال العالم لحكم حالة كورونا وتداعياتها، أُغلقت شركات كبرى، وارتفعت نسبة البطالة بالطبع، وأُجّلت لقاءات الناس الدوريّة والطبيعيّة، واتّخذت الأفعال الطبيعيّة مسيرها غير الطبيعيّ، إلّا أنّ أحدهم يدعونا إلى أمسية شعريّة لفلان، كأنّ المطحنة في الخارج تحتمل أصلًا.

يعلّق الشاعر عبدالله أبو بكر لفُسْحَة: "لا أجد أنّ ظروف الحظر الصحّيّ الّتي يعايشها عالمنا اليوم، كانت فرصة لقراءة الشعر، بقدر ما كانت فرصة لكتابته... لا أتّفق مع ما يُقال اليوم إنّ الشعراء واجهوا ظروف الوباء عبر إطلالاتهم وقراءاتهم، من خلال الشاشات والمنصّات المتعدّدة، كما لا أفهم حقًّا ذلك القدر الكبير من التهافت خلف (ضرورات الظهور) في مثل هذه الظروف. بالنسبة إليّ لم أجد دافعًا لتلبية دعوات القراءة، ولا سيّما تلك الّتي تأخذ طابعًا شكليًّا في الغالب. لقد شهدنا إطلالات مجّانيّة لكثير من الأسماء، منها مَنْ لم يقدّم شيئًا، وكان حاضرًا عبر الصوت والصورة فقط! وفي المقابل، كنت سعيدًا بمتابعة قراءات جميلة لكنّها محدودة جدًّا، تلاشت وسط ذاك الضجيج الّذي كان يدّعي الصراخ في وجه الجائحة، بينما هو يصرخ في وجوهنا نحن".

 أرفض تهجين الشعر ليتماشى مع ظروف الحياة، لطالما كان الشعر غير قابل للاستثمار، وهذا بالذات سبب وجوده القيّم، ودفاعنا عن حقّه في أن يظلّ خارج الحسابات، وألّا يخضع لحكم الفائدة والظرف، أؤمن وكثيرين غيري بأنّ الشعر لا يُحْسَبُ على شيء، وكلّ ما نكتبه يُعَدّ محاولات للجلوس بفيئه.

 

 

سنابل قنّو

 

 

شاعرة أردنيّة، درست نظم معلومات حاسوبيّة وعملت كاتبة ومجوّدة نصوص في "مسرح دمى العربة" في عمّان، تنشر نصوها ومقالاتها في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook