لكلّ عين مشهد: تسميات الأماكن في القطاع الغربيّ لقضاء طولكرم الانتدابيّ

وادي الفالق قضاء طولكرم، الذي صار اسمه "ناحل بوليغ"

"لكلّ عين مشهد: تسميات الأماكن في القطاع الغربيّ لقضاء طولكرم الانتدابيّ - أبعاد لغويّة وجغرافيّة وتاريخيّة واجتماعيّة"، كتاب لبروفسور مصطفى كبها، صدر حديثًا عن مجمع اللغة العربيّة في الناصرة.

يقع الكتاب في 406 صفحات، ويعدّ جزءًا من سلسلة كتب ستتناول تسميات الأماكن في مختلف مناطق فلسطين التاريخيّة.

تنشر فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مقطعًا من الكتاب، بإذن من مؤلّفه.

...............................

يتناول الكتاب قضيّة التسميات الفلسطينيّة للأماكن (توبونومي)، وأبعادها اللغويّة والتاريخيّة والجغرافيّة والاجتماعيّة في منطقة القطاع الغربيّ لقضاء طولكرم الانتدابيّ، الذي انْتُزِعَ من قضاء طولكرم ليُضَمّ لإسرائيل، وذلك في إطار اتّفاقيّات الهدنة في رودس الموقّعة عام 1949.

تبدأ الحدود الشماليّة للمنطقة المحدّدة للبحث من قرية ميسرة ووادي الغراب في الشمال الشرقيّ، حتّى شمالي وادي أبو زابورة (إسكندرونة) وديرة عرب النفيعات على شاطئ البحر المتوسّط في الغرب. ويمتدّ الخطّ من ميسرة جنوبًا حتّى كفر قاسم في الجنوب (حوالي 35 كم). أمّا الخطّ الممتدّ من وادي أبو زابورة، فإنّه يصل حتّى خربة غابة الزبابدة القريبة من مصبّ وادي الفالق وشماليّ قرية الحرم (سيدنا علي)، وهو أقصر من الخطّ الشرقيّ (طوله نحو 23 كم).[1]

وقد كانت الحدود التي أُقِرّت في اتّفاقيّات رودس 1949، حدودًا عشوائيّة لم تأخذ بالحسبان تركيبة السكّان المحلّيّين وامتداداتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة، بما في ذلك حدود أراضيهم على جانبيّ الحدود؛ فمن الشرق فصل عشوائيًّا بين قرى المنطقة التي عُرِفَتْ باسم "المثلّث العربيّ" أو "المثلّث العراقيّ"، والقرى المجاورة في الضفّة الغربيّة. فمن أراضي باقة الغربيّة على سبيل المثال، سُلخت أراضي "خلّة أبو مخ" و"خلّة عبيد". وبالمقابل، فصلت الحدود بين بعض القرى في منطقة الجبال (قفّين، برطعة، طولكرم، كفر صور، بيت ليد، قلقيليّة، وقرى أخرى) وأراضيها في منطقة السهل، غربيّ الحدود. وفي عام 1952، أُخلي سكّان ما تبقّى من "خرب" و"عزب" كانت تتبع قرى الجبل الواقعة شرقيّ الحدود. هذه العمليّة روفقت بجهود كبيرة بذلتها السلطات لمحو طبقة الذاكرة الطوبوغرافيّة من الذاكرة المحلّيّة اليهوديّة والعربيّة على حدّ سواء، من خلال ترسيم الخرائط من جديد بداية، ثمّ القيام بجملة من الخطوات الضاغطة من الأعلى إلى الأسفل لفرض ذلك.

خريطة قضاء طولكرم | مركز المعلومات الفلسطينيّ

في مقدّمة كتابه، "المشهد المقدّس"، يسرد ميرون بينبينيستي قصّة شخصيّة عن والده الذي حاول أن يغيّر لدى أبنائه الوعي الذهنيّ لخرائط الحيّز المكانيّ كما يريد لها أن تكون. وهي، بلا شكّ، قصّة تصلح أن تكون نموذجًا لما مرّ على الحيّز المكانيّ في فلسطين من تغييرات تحت إملاءات الصراعات، ورؤية كلّ من أطراف الصراع لنفسه وللآخر في ما يتعلّق بعلاقتهما بالأرض الواحدة التي يتنازعان على ملكيّتها الروحانيّة.

ومن جملة ما قال بينبينيستي في تلك المقدّمة: "على الرغم من رحلات والدي الودودة مع العرب، إلّا أنّ رحلاته الاستكشافيّة لم تكن رحلات استكشافيّة علميّة برّيّة. لقد كانت لديه أجندة واضحة: أن يرسم خريطة عبريّة للأرض، صكّ ملكيّة متجدّد. وبطريقته الساذجة أو الأنانية، كان يعتقد بأنّه يقوم بعمله بسلام، لأنّ ثمّة متّسعًا كافيًا في البلاد لكلّ شخص. وقد كان مقتنعًا، دون أدنى شكّ، أنّ له الحقّ المطلق في استعادة ميراث أجداده. كان الهدف من الخريطة التي رسمها، ومن الكتاب المدرسيّ الذي كتبه، تحويل ملكيّة الأرض الرمزيّة إلى ملكيّة حقيقيّة من خلال غرس فكرة الصهيونيّة ’موليدت‘ (الوطن) في ذهن أطفاله، وفي ذهن غيرهم من الشبّان الإسرائيليّين العديدين: معرفة ماضيهم اليهوديّ العظيم، والاتّصال والتواصل الوثيق مع طبيعته، والالتزام الشخصيّ للمشاركة في فكرة طلائعيّة المستوطنات الزراعيّة الجماعيّة. بداية، لم يأخذه العرب على محمل الجدّ، ولكن عندما أدركوا الخطر، كان الوقت قد فات؛ لقد انتصرت خريطته. وأنا، ابنه المطيع، تركني مع حمل النتائج الثقيلة لانتصاره. لقد كان الانتصار ساحقًا بشكل دمّر كلّ مشهد طفولتي، وقد اختلط شعوري بالضياع مع الفخر بانتصار شعبي. وكثيرًا ما كنت أتأمّل سخرية الواقع: إنّ والدي الذي كان يصطحبني في رحلاته على أمل أن يزرع فيّ حبّ الوطن العبريّ، رسم في ذاكرتي المشهد نفسه الذي أراد أن يغيّره".[2]

من الكتب التي وضعها دافيد بينبينيستي، والد ميرون

في جملة بينبينيستي تجسيد كامل لدوّامة ما طرأ على الذهنيّة الشعبيّة والوعي العامّ في موضوع الصراع على تسميات الحيّز والسيطرة والتحكّم بها. فلم تكن عمليّة تطوّر الأسماء والتسميات في المنطقة موضوع البحث، منذ عام 1949، عمليّة طبيعيّة، كما كان الأمر قبل ذلك، حين عكس تطوّرها ديناميكيّة التطوّر الاجتماعيّ لسكّان المنطقة، وكيفيّة علاقتهم مع الحيّز، وقدرتهم على التحكّم بعمليّة إطلاق التسميات وتسجيلها، ثمّ اعتمادها. ففي الوقت الذي كانت فيه سلطات الانتداب البريطانيّ، وقبله السلطات العثمانيّة، تتبنّى التسميات المحلّيّة وتعمل على تسجيلها كما سُمعت من أفواه الناس ساكني وأصحاب الأرض، فقد اختلف الأمر من النقيض إلى النقيض في فترة ما بعد ضمّ المنطقة لحدود دولة إسرائيل، وخضوع موضوع التسميات إلى منطقة صلاحيّة لجنة التسميات الحكوميّة التي عملت بتوجيه مباشر من مكتب رئيس الحكومة. ولم تُخْفِ هذه اللجنة ولا القائمون عليها رغبتهم بعبرنة التسميات وتهويد الحيّز، بما يعنيه ذلك من محو ونزع للأسماء السابقة التي كانت بمعظمها أسماء عربيّة، أو أسماء مرّت بعمليّة تعريب. وقد اعتمد أعضاء اللجنة في عملهم على توجيه صريح من رئيس الحكومة، دافيد بن غوريون، من خلال رسالة بعثها لهم، جاء فيها: "إنّنا مجبرون على إزاحة الأسماء العربيّة لأسباب تتعلّق بالدولة. إنّنا ببساطة لا نعترف بحقّ العرب السياسيّ بامتلاك الأرض، ولا نعترف بحقّ امتلاكهم الروحانيّ أيضًا، ولا بمسمّياتهم".[3]

وثيقة للجنة التسميات الحكوميّة الإسرائيليّة حول تسمية مستوطنة "يفعات" عام 1954 | موقع يفعات

لقد فهم أعضاء اللجنة من هذا التوجيه أنّ عليهم "منح" صكّ ملكيّة للأرض والحيّز، مقابل "نزع" صكّ ملكيّة آخر لمجموعة أخرى ما زال قسم منها يعيش على الأرض، وقد عملوا جاهدين من هذا المنطلق، مع سعيهم الموازي لمنح ما يقومون به من عمل صبغة أكاديميّة، علميّة ومهنيّة. وبطبيعة الحال، لم يكن إجماع كامل حول مدى "ضرورة" المحو الجزئيّ أو الكامل للأسماء العربيّة. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، اللجنة المكوّنة من تسعة خبراء، التي أُنيطت بها مهمّة "عبرنة وتهويد" التسميات في منطقة النقب، فإنّنا نجد في بروتوكولات عمل هذه اللجنة جدالات وحوارات حادّة بين أعضائها، الذين كانت آراؤهم تراوح بين المحو العامّ والمحو الجزئيّ، والقلّة القليلة فقط رأت ضرورة علميّة ومهنيّة محضة في الحفاظ الكامل على التسميات العربيّة.

رئيس اللجنة، زلمان ليفشيتس، قال محدّدًا إطار النقاش حول الموضوع: "عمليّة العبرنة لها أهداف ومرام سياسيّة، وهذا يجب أن يكون بمثابة المحور لحوارنا. إنّ التفويض للمهامّ التي نحن بصددها تفويض سياسيّ، وللحقيقة، فإنّ قضيّة أسماء الأماكن العربيّة في النقب أصبحت برمّتها ليست ذات صلة، لأنّه لم يعد هناك بدو من حيث المبدأ".[4]

بالإضافة إلى ربط ليفشيتس، بأقواله أعلاه، موضوع محو التسميات باقتلاع السكّان وغيابهم البصريّ عن الحيّز المكانيّ، فإنّه لا يعطي أهمّيّة علميّة لتلك الأسماء أيضًا، إذ قال: "مثلما لم يترك البدو في النقب جذورًا حيث كانوا، فإنّ أسماءهم لم تترك جذورًا هي الأخرى".[5]

إحدى الخرائط التي اعتمدتها لجنة التسميات العبريّة في النقب عام 1951 | onegshabbat

أمّا عضو اللجنة، س. يافين، فقد قال إنّ محو كلّ شيء على الخريطة بجرّة قلم، وبسبب توجيهات سياسيّة، أمر كارثيّ، وذلك لأنّه يمحو إرثًا ثقافيًّا كاملًا قد يحمل في داخله مكوّنات من الإرث اليهوديّ التوراتيّ. أمّا ي. برسلافسكي، فإنّه لم ير حاجة مقنعة لتغليب العبرنة ومحو الأسماء العربيّة، وردّ على مؤيّدي الرأي القائل بالمحو التامّ: "يجب عدم محو الأسماء العربيّة عن الخريطة، وإن فعلنا ذلك، فإنّنا نكون قد أصبنا البحث العلميّ بالضرر الجسيم ... إنّ محو الأسماء العربيّة سيكون مضرًّا لكلّ من العلم والخريطة. كما علينا ألّا نهمل السكّان العرب في البلاد، أو نلغي احتياجاتهم لأسماء عربيّة مألوفة ودارجة".[6]

وقد ردّ على هذا الرأي رئيس اللجنة بقوله: "بسبب أقلّيّة تشكّل 10% من السكّان، لا نستطيع أن نجبر 90% منهم، يشكّلون الأغلبيّة المطلقة، على استخدام الأسماء العربيّة. وفي نهاية المطاف، فإنّ مصدر معلوماتنا عن المجتمع العربيّ قد أُغلق: لا يوجد عرب هنا".[7]

وقد تكرّر سيناريو ما حصل في النقب في المناطق الأخرى كافّة، ولكن نجاحها النسبيّ كان أقلّ بكثير ممّا كان عليه في منطقة النقب. وقد يكون ذلك راجعًا لتفريغ النقب شبه التامّ من سكّانه، ولشيوع الرواية الشفويّة على حساب الوثائق المكتوبة، الشيء الذي سهّل، في هذه المنطقة بالذات، عمليّة تغييب التسميات مع غياب السكّان الحاملين للرواية والذاكرة الشفويّة. ومن الضروريّ بمكان هنا، التأكيد على أهمّيّة الروايات الشفويّة في عمليّة حفظ التسميات التي أُزيلت من الحيّز الرسميّ، وعمليّة تمكين الناس إطلاق تسميات جديدة على المستوى الشعبيّ، واستمرار تداولها على الرغم من عدم وجودها في الملفّات الرسميّة التي فُرِضَت من الأعلى إلى الأسفل. ولعلّ من أهمّ ميّزات الرواية الشفويّة أنّها تدخل الوعي الشعبيّ بما فيه من تسميات دقيقة للمواقع، لم تصل إليها الخرائط في مقاساتها المختلفة، ولا سيّما المقاسات بالخطوط العريضة، التي عادة ما تخفي مئات، بل آلاف التسميات، على مستوى الخطوط الدقيقة التي لم تُسجّل في الخرائط والوثائق الرسميّة، لكنّها توجد في الوعي الشعبيّ والموروث المحلّيّ المتداول في كلّ منطقة ومنطقة.

...............................

[1] اعتمدنا في تقسيمنا هذا بالأساس على: مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، جزء الديار النابلسيّة. ص 29.

[2] ميرون بينبينيستي، المشهد المقدّس، طمس تاريخ الأرض المقدّسة منذ 1948. إصدار مؤسّسة الأيّام، رام الله، 2001. ص 23 - 24.

[3] الوثيقة محفوظة في أرشيف لجنة التسميات – وثائق برافر - أرشيف الدولة ، ملفّ رقم ג\20\1049\ 2613.

[4] المصدر السابق، قال ليفشيتس ذلك في جلسة عقدت في 1949-7-29.

[5] المصدر السابق.

[6] المصدر السابق، عُقدت الجلسة في تاريخ 1949-7-19.

[7] المصدر السابق.

 

مصطفى كبها

 

رئيس معهد دراسة العلاقات بين اليهود والمسلمين والمسيحيّين في الجامعة المفتوحة، ومحاضر في جامعة تل أبيب. باحث متخصّص في التاريخ الحديث للشعب الفلسطينيّ، وفي تاريخ الصحافة العربيّة. له عشرات المؤلّفات والأبحاث بالعربيّة، والعبريّة، والإنجليزيّة. حاصل على درجة الأستاذيّة عام 2011.

تعليقات Facebook