مقاربة بشارة النقديّة للثورات في محاضرة لطلاب معهد الدّوحة

من أحداث الثورة المصريّة

هل ما حصل عام 2011 في الوطن العربيّ وما تلاه هو ثورة أم لا؟ لعلّ هذه اللحظات هي الأنسب لتحديد المفاهيم، أي اللحظات التي يُخاض فيها نقاش حول ظواهر اجتماعيّة، خلافًا للنقاشات الفلسفيّة النظريّة. ربّما علينا قبل ذلك تحديد تعريف مصطلح 'ثورة'، والنقاش حول مدى صحّة إسقاطه على تجارب تاريخيّة محدّدة قبل الخوض في تعريف الأضدّاد، مقابل مصطلحات أخرى كالانقلاب والحركة الاحتجاجيّة. وهذا ما كان من نقاش بين طلّاب معهد الدوحة للدراسات العليا مع مدير المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، الأسبوع الماضي، ضمن محاضرة عامّة للطلبة في أحد مقرّرات علم الاجتماع والإنثروبولوجيا في المعهد، والتي حملت عنوان 'مفهوم الثورة والتجربة العربيّة: مقاربة نقديّة.'

الثورة مصطلحٌ، لا مفهوم

بدأ بشارة محاضرته بالقول إنّ تفاعله مع موضوع الثورة موضوعًا بحثيًّا، نجم عن نقاش جرى في المنطقة العربيّة حول السؤال: هل ما تشهده المنطقة العربيّة ثورات أم لا؟ معتبرًا أنّ النقاش الذي دار بين المثقّفين العرب هو نقاش أيديولوجيّ بالأساس، ما جعله يحاول خوض نقاش علميّ بعيدًا عن الأيديولوجيا في كتابه 'في الثورة والقابليّة للثورة.'

ويضيف أنّ النقاش العربيّ انطلق من تصوّر للثورة، مبنيّ على ثلاث تجارب تاريخيّة، دون الخوض فعلًا في ماضي هذا المصطلح، وهل يوجد فعلًا مفهوم للثورة نقيس عليه. وقد كان استنتاجه، في النهاية، أنّه لا يوجد مفهوم للثورة، بل يوجد مصطلح 'الثورة' الذي نطلقه على ظواهر متشابهة، وهذا لا يستحقّ أن يُسَمّى مفهومًا، لأنّه ليس أداة تحليليّة لفهم ظاهرة اجتماعيّة، أي أنّه ليس نموذجًا نظريًّا (Model) يساعدنا في تحليل ظاهرة، إنّما عبارة عن مصطلح ((Term؛ فأيّ نقاش خارج عن هذا الإطار هو نقاش أيديولوجيّ له طابع قيميّ.

الإسقاط على التجارب التاريخيّة

ويعود بشارة بعد ذلك إلى الأمثلة التاريخيّة، فيقول إنّ ما سُمّي في التاريخ 'ثورة'، وما لم يُسمَّ، فيه خلاف كبير. فهل يمكننا الحديث، مثلًا، عن ثورة العبيد، وثورة القرامطة، وثورة الزنج؟ أم أنّها كما سُمّيت تاريخيًّا فتن؟ وهل تُسَمّى ثورة عرابي كما نسمّيها نحن، أم كما سمّاها الحاكم البريطانيّ: هوجة عرابيّ؟ هل ما جرى في حلب بين 1840 إلى 1850 وسمّي بلغة الناس 'قومة'، ثورة؟ هل نقول ثورة الفلّاحين قبل 1860 في لبنان؟ أم كما سمّيت بعامّيّة طانيوس شاهين؟ كلّ هذه الأمثلة أخذت تسميات ثورة بأثر رجعيّ في القرن العشرين، عندما أصبح مصطلح 'ثورة'، تحديدًا في الفكر اليساريّ، ذا تداعيات إيجابيّة، وأصبح يُطلق على كلّ ما يهدّد النظام القائم أو يعمل ضدّه، لأنّهم حاولوا وضع قوالب أيديولوجيّة فيما يتعلّق بحركات الشعوب ضدّ الأنظمة القائمة، أو ضدّ ما يُسمّى الاستغلال.

خلال المحاضرة

الملاحظة الثانية، وِفق بشارة، تكمن في أنّ المثقّفين الذين تعاملوا مع الموضوع، كان في ذهنهم ثلاثة نماذج للثوراتالثورة الفرنسيّة والروسيّة والإيرانيّة، يقيسون عليها ما جرى في مصر وسوريا وبقيّة البلاد العربيّة، لأنّه، وِفقهم، هكذا يجب أن تبدو الثورات. لكنّهم، للمفارقة، عندما تحدّثوا في مرحلة لاحقة عن أنّ الثورة المصريّة، مثلًا، صادرها الإخوان المسلمون، تناسوا أنّ نماذجهم الثوريّة الثلاثة ما هي إلّا نماذج لمصادرة الثورات.

ففي فرنسا، صادر الثورة تيّارٌ راديكاليّ وحوّلها إلى نظام سلطويّ، والقصد هنا تيّار اليعاقبة، والثورة الروسيّة صادرها البلاشفة بشكل تآمريّ، أمّا الثورة الإيرانيّة، والتي كانت ثورة شعبيّة حقيقيّة شارك فيها اليسار والإسلاميّون، فقد صادرتها جماعة الخميني.  ما بقي في ذهنهم هي المصادرة باعتبارها فعلًا للثورة، وذلك بمبرّر أنّ الثورة تستحقّ أن تُسَمّى 'ثورة' فقط إذا كانت لها قيادة مركزيّةبلاشفة، الخميني، اليعاقبة، ولها أيديولوجيا، وقدرة على تحطيم النظام، واحتكار السلطة. وهذا ما لم يتوفّر عربيًّا، وبالتالي ما حدث، وِفْقَهم، لا يمكن أن يكون ثورة.

بماذا تختلف الثورة عن حركات الاحتجاج؟

ينتقل بشارة إلى القول إنّه إذا أردنا أن نحدّد المصطلح مرّة أخرى، فعلينا الأخذ بالمقولة اللاتينيّة 'كلّ تعريف هو نفي'، وبالتالي، سيكون عملنا هو تمييز مصطلح 'ثورة' عن المصطلحات القريبة منه، كالحركة الاحتجاجيّة والانقلاب؛ فالعالم يشهد الكثير من الحركات، كحركات السلام وحركات البيئة والحركات الفاعلة ضدّ الغلاء والاحتجاجات التي تدعو إليها النقابات العمّاليّة؛ فبماذا تتميّز الثورة عن حركات الاحتجاج؟ هل تختلف بالمشاركة الجماهيريّة؟ لا، فالاثنان فيهما مشاركة جماهيريّة. هل تختلف بالعنف؟ ليس بالضرورة، إذ يمكن أن تكون الحركات الاحتجاجيّة عنيفة جدًّا، وقد تتحوّل حتّى إلى إرهاب، فمن حركات احتجاج الطلّاب سنة 1968، خرجت حركات إرهابيّة وأخرى إصلاحيّة.

الاختلاف في رأي بشارة يكمن في أنّ حركات الاحتجاج تخرج من أجل مطلب تريد تحقيقه، في حين أنّ الثورة، وهنا التمييز الثاني، تطالب بتغيير النظام ككلّ، وليس لديها مطلب عينيّ منه.

التمييز الثالث يستنبطه بشارة فكريًّا، وليس من الواقع، وهو أنّ الحركة التي تطالب بتغيير النظام، يجب أن تكون من خارج النظام، وليس من داخله. وهنا نصبح قادرين على تمييز الثورة عن الانقلاب أيضًا، الذي قد يؤدّي إلى تغيير النظام وقد لا يؤدّي، لكنّه في الحالتين يختلف عن الثورة بأنّه يأتي من داخل النظام نفسه. فثورة يوليو في مصر لم يُسمِّها عبد الناصر وجماعته 'ثورة'، إلّا بعد مرور أربع سنوات، بل كانوا يسمّونها بداية 'حركة الجيش'، والجيش، في الأوّل والأخير، من أعمدة النظام. إذًا، فما حدث في يوليو انقلاب سُمِّيَ بأثر رجعيّ ثورة، لأنّه قاد في النهاية إلى تغيير النظام.

جدليّة الثورة والإصلاح

وركّز بشارة في الجزء الثاني من محاضرته على ثنائيّة الثورة والإصلاح وتداخلاتهما، وإسقاط ذلك على ما جرى عربيًّا بعد سنة 2011؛ فالتمييز المصطلحيّ بين الثورة والإصلاح، وِفق بشارة، هو ما سيساعدنا في فهم الظواهر التي عشناها في المنطقة العربيّة. إنّ الفرق بين الثورة والإصلاح نقاش قديم عرفته الحركة الاشتراكيّة، على الرغم من أنّ كلمة 'إصلاح' ليس لها بعد اشتراكيّ، بل هي آتية من الدين، فمارتن لوثر كان أوّل من استخدمها في فترة الإصلاح الدينيّ.

وقد دار عدد من النقاشات الفكريّة بعد ذلك، لا سيّما في الأوساط الماركسيّة، حول هذه الثنائيّة؛ نقاش نجده مثلًا في مقال لروزا لوكسمبورغ تحت عنوان 'الإصلاح والثورة'، تناقش فيه إدوارد بيرشتاين، الذي طرح أنّ فكرة الاستقطاب الثنائيّ الماركسيّ الذي يؤدّي إلى الثورة لم يحصل. ثمّ أنّ تغييرات النظام الرأسماليّ جعلته قادرًا على الاحتواء والتغيّر بسبب طبيعته المرنة، وهو ما أوجد خيارات كالإصلاح الثوريّ، والثورات الإصلاحيّة، وتحديدًا في نماذج أوروبا الشرقيّة. وقد استمرّ التغيير في النظام الرأسماليّ عبر الإصلاح التدريجيّ والمتراكم، إصلاح كان وراءه، ليس فقط عمليّة تاريخيّة موضوعيّة، إنّما نخب توجّه الإصلاح، ولديها برامج سياسيّة وأحزاب وأيديولوجيا، وتخرج في مظاهرات.

وركّز بشارة في الجزء الثاني من محاضرته على ثنائيّة الثورة والإصلاح وتداخلاتهما، وإسقاط ذلك على ما جرى عربيًّا بعد سنة 2011؛ فالتمييز المصطلحيّ بين الثورة والإصلاح، وِفق بشارة، هو ما سيساعدنا في فهم الظواهر التي عشناها في المنطقة العربيّة.

 فالإصلاح يمكن أن يتّخذ طريقًا ثوريّة، وهنا يتّضح أمر آخر، وهو أنّ الثورة تُحَطِّم ما هو قائم، لكن لا يمكن أن تبني إذا لم تملك خطّة إصلاح. كما أنّ الإصلاح دون برنامج ثوريّ يدفع إلى تغيير في المجتمع، هو في الواقع لا يعيد إلّا إنتاج النظام القائم. وأشار بشارة إلى أنّ الثورة إن لم تملك خطّة إصلاحيّة، فستؤدّي حتمًا، إلى أحد السيناريوهات الثلاثة: فوضى، أو حرب أهليّة، أو نظام سلطويّ جديد.

لماذا فشلت هذه الجولة من الثورات؟

الثورة في حدّ ذاتها لا تقدّم ديمقراطيّةً، وهذا ما لم يفهمه شباب 25 يناير وقت الثورة، وِفق بشارة. فالثورة ضدّ الاستبداد لا تنتج بالضرورة ديمقراطيّة، لأنّ الأخيرة لا تساوي نفي الاستبداد. الثورة فعل نفي، والنفي فعل ضروريّ، لكن إذا توقّفت عنده فقط، ستذهب إلى فوضى أو حرب أو نظام سلطويّ جديد. وثمّة تفاعل بين هذه السيناريوهات، إذ غالبًا ما تؤدّي الفوضى إلى نظام سلطويّ جديد بسبب ميل الناس إلى الاستقرار، فالثورة تحتاج إلى نظام إصلاحيّ كي تنفي النفي، ولتقيم نظامًا جديدًا غير النظام الذي ذهب. إنّ الثورة، غالبًا، لا تؤدّي إلى ديمقراطيّة، إلّا في حالة وجود قوى ديمقراطيّة منظّمة جدًّا، وتملك برنامجًا واضحًا، وتنجح في توجيه الأمور، وهذه هي النقطة الأولى التي تعلّمناها من سنة 2011.

النقطة الثانية تكمن في جزئيّة أنّ الثوّار عندما صنعوا الفعل الثوريّ وأسقطوا النظام، اعتقدوا أنّ مهمّتهم انتهت بتنحّي الرئيس. ولأنّ الشارع يتوقّع بديلًا، دخلت إلى الصورة أحزاب سياسيّة معارضة قائمة، والتي هي، وِفق بشارة، جزء من النظام القديم؛ أحزاب وجدت نفسها فجأة أمام مهمّة ثوريّة، لم تُطالِب بها.

 فالإخوان المسلمون، مثلًا، على طول تاريخهم، لم يقوموا بثورة ولا طالبوا بها، لأنّهم جماعة إصلاحيّة. هذه الأحزاب دخلت إلى المرحلة، واتّضح أنّها تتعامل مع الواقع الجديد بنفس العقليّة القديمة. في هذه الفترة اتّضح أمران؛ الأوّل أنّهم ليسوا جاهزين لقبول قواعد اللعبة الديمقراطيّة والاتّفاق عليها، والاختلاف على كلّ ما هو عداها، وهذا هو شرط نقل عمل ثوريّ واحتجاج شعبيّ إلى مرحلة الديمقراطيّة. لقد استقوى كلّ منهم على الآخر بمحاولة كسب النظام القديم إلى جانبه، وبالأساس الجزء الذي تمتّع ببعض المصداقيّة، وهو الجيش، وهي تحالفات قام بها الطرفان. لكنّ الجيش، خلافًا للطّرفين، كانت له أجنداته الخاصّة، وهو استرجاع النظام الذي أُخِذَ منه في عهدي السادات ومبارك.

 الأمر الثالث هو قدرة أو عدم قدرة النخبة، بعد ثورة أو حركة شعبيّة، على الاتّفاق على مبادئ النظام الجديد، وعدم قدرتها على صنع مساومات وحلول وسط، وهو ما أودى بالتجربة، فتحوّلت الثورة في مصر، مثلًا، إلى نظام سلطويّ، أو تحوّلت في الحالة السوريّة إلى حرب أهليّة.

هنا عاد بشارة إلى تعريف الثورة الأوّل ليضيف إليه نقطة رابعة، نقطة نابعة من التجربة السوريّة، وهي أنّ الثورة لا تنتصر إذا وقفت ضدّها القوّة المسلّحة، وفي هذه الحالة الجيش، التي يجب إمّا أن تناصرها أو تقف على الحياد، كي تنجح، أمّا إذا قرّرت أن تصطدم معها، تتحوّل إلى حرب أهليّة أو تنكسر وتفشل.

*طالب ماجستير في معهد الدوحة للدراسات العليا.

تعليقات Facebook