الدولة القوميّة انتهت، والمثقّف الفلسطينيّ في ورطة

 

مقدّمة

تبدو محاورة الباحث والأكاديميّ الفلسطينيّ إسماعيل ناشف، مهمّة سهلة وصعبة في الوقت ذاته؛ سهلة لأنّك تستطيع أن تبدأ من حيث تريد، في طرح القضايا والأسئلة، لكنّك لا تضمن - وهنا تكمن الصعوبة - مسار الحوار حيث ينتهي؛ فإجابات ناشف تحيلك دومًا إلى سبر أغوار مواضيع جديدة شائكة، تشعر بضرورة الوقوف عند كلّ موضوع منها يطرحه، وتخصيص مقابلة حوله؛ ولأنّ هذا أمر غير متاح في المقابلة الصحافيّة، كان لنا هذا الحوار المطوّل معه في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، الّذي أجريناه في مدينة حيفا، حاولنا فيه "الحفر" و"الاشتباك" في عدد من القضايا الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة؛ علّها تفتح حوارًا أوسع حولها.

 

فُسْحَة: منذ ثلاثة أعوام، أنت خارج فلسطين؛ تدرّس في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، وترأس برنامجي علم الاجتماع وعلم الإنسان، وهي أوّل تجربة عربيّة لك في التدريس خارج فلسطين. حدّثنا عن تجربتك في المعهد، حيث كانت لك فرصة الالتقاء بطلّاب ومحاضرين وباحثين، من مختلف البلدان في الوطن العربيّ.

إسماعيل: التجربة غنيّة، وفيها تحدّيات من نوع مختلف، لا تواجهنا في بلادنا، ما يميّزها أنّ ثمّة محاولة لخلق نهضة فكريّة تقدّميّة، في سياق اللحظة الآنيّة من الأزمة، الّتي تمرّ بها المجتمعات العربيّة، ولا سيّما بعد ثورات عام 2011. ثمّة حاجة إلى إعادة إحياء المشروع الفكريّ العربيّ الحداثويّ، على تفاصيله المختلفة. إنّ المؤسّسة العربيّة الأكاديميّة، الّتي كانت جزءًا من المشروع القوميّ العربيّ، اهترأت لأسباب مختلفة، وكذلك؛ فإنّ الجامعات الغربيّة حول العالم تمرّ بعمليّات خصخصة، وقلبها لمعايير السوق. عربيًّا، ما من إنتاج معرفيّ، يرافق ما يجري من أحداث نمرّ بها ويفحصه؛ لذلك تكمن أهمّيّة هذا المشروع.

المزيّة الثانية لهذا المشروع أنّه عربيّ؛ بمعنى أنّ الجمهور المستهدف من المغرب إلى الخليج. لا يوجد إطار أكاديميّ للدراسات العليا في العالم العربيّ يحمل هذه الفكرة. لا توجد وحدة عربيّة سياسيّة، لكن على الأقلّ فإنّ هذه البوتقة تخلق تجمّعًا عربيًّا ما. لا يوجد اليوم في أيّ دولة عربيّة منابر يلتقي فيها مفكّرون وأكاديميّون، على أساس أكاديميّ فكريّ. ثمّة "المجلس العربيّ للعلوم الاجتماعيّة"، وبعض الهيئات حسب التخصّص، لكن ليس ثمّة مساحة أكاديميّة تشبه القاهرة في الستّينات مثلًا. أصبح المعهد مختبرًا للتلاقح الفكريّ بين مفكّرين وأكاديميّين عرب، جاؤوا من مشارب مختلفة، من الفكر الـ "ما بعد إسلاميّ" والـ "ما بعد علمانيّ" و"ماركسيّ"... وحتمًا، ثمّة العروبيّ والليبراليّ.

 

جانب من مؤلّفات إسماعيل ناشف

 

المزيّة الثالثة، الناس في العالم العربيّ، عادةً، يذهبون للدراسات العليا في الغرب، ويكونون من طبقات محدّدة مقتدرة وغنيّة. الآن، ملامح الطلّاب في الفوج الرابع بدأت تصبح أوضح، أغلبهم يمثّلون القطاعات الأوسع في المجتمعات العربيّة، معظمهم طبقة وسطى، وطبقة وسطى دنيا؛ حيث التعليم والمهنة الجامعيّة عبارة عن المسار الأساسيّ الوحيد للحراك الاجتماعيّ لهم. هذه الفئة تهمّني، أكثر من الناس الّذين لديهم القدرة المادّيّة للدراسة في الجامعات الغربيّة؛ بمعنى أنّ هؤلاء الناس يمثّلون قطاعات أوسع.

 

فُسْحَة: ذكرت في حديثك التلاقح الفكريّ، الناتج عن لقاء مشارب فكريّة مختلفة، في بوتقة عربيّة واحدة؛ ماذا يمكن أن ينتج عن هذا اللقاء؟

إسماعيل: لا أعلم، إذا وضعنا مسبقًا ما سينتج، فستصبح عمليّة أدلجة، ونحن لا نريد أدلجة، مجرّد اللقاء إضافة نوعيّة، ثمّة ناس يذهبون بهدف الارتقاء بالعمل والإنتاج العلميّ المعرفيّ. هذه وجهة نظر مؤسّساتيّة، هذا جانب واحد لا كلّ الجوانب، وليس الأهمّ بالضرورة. إنّ عمليّة الإتقان مهمّة، لكنّ الأهمّ ليس فقط الصنعة، بل الفضاء وما يخلق من حراك معرفيّ وفكريّ، وكيف ستصبّ المعرفة في المجتمعات العربيّة.

 

فُسْحَة: ذكرت في حديثك أهمّيّة اللحظة الراهنة بعد 2011 في الإنتاج المعرفيّ؛ هل نشهد موجة جديدة من التعامل مع قضايا العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة عربيًّا؟

إسماعيل: الأكيد أنّه ثمّة أجيال ذائقتها الحسّيّة والمعرفيّة وفهمها لمجتمعاتها، تختلف عن الأجيال السابقة. المشكلة أنّ ما يحدّد المواضيع والأجندة في الأكاديميا هو الأكاديميّة الغربيّة، وتحديدًا الأمريكيّة. لم تتطوّر أجندة معرفيّة عربيّة إلى اليوم، ولا أحد يتكلّم عن هموم وقضايا على المستوى المعرفيّ، أمّا على المستوى السياسيّ فثمّة مداخلات مهمّة مختلفة. معرفيًّا لا نهضة، ولا تتوقّع أن تتحرّك المعرفة مع السياسة. المشكلة أنّ أغلب الأجندات تتحدّد في مراكز غربيّة مع العديد من المشكلات، وهذا ينعكس عربيًّا. السؤال: أيّ نوع أجندة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة؟ ثمّة شيء أعمق: أنت بحاجة إلى إنتاج معرفيّ ليكون فيه نموذج مثاليّ عن: ما العالم؟ ما المجتمع الّذي أريد أن أعيش فيه؟ وما علاقتي فردًا في هذا المجتمع والكيان السياسيّ؟

مفهوم المجتمع Society ليس شيئًا عبر- تاريخيّ بالطريقة الّتي نتحدّث عنها، إنّه تطوّر حصل في أوروبّا، وله علاقة بالرأسماليّة والدولة القوميّة في القرن التاسع عشر. هل أستطيع أن أتحدّث عن مجتمع، بصفته وحدة تحليل لنموذج مثاليّ أريد العيش فيه؟ ما شكل المجتمع مفاهيميًّا؟ عندما نزيل القشرة عن المجتمعات العربيّة أو الستارة، نكتشف مجتمعًا ذا عوالم مختلفة. إنّ أحد الأمور المفصليّة هو شكل الجماعة العربيّة الّتي نطمح إليها أو ننطلق منها، هذه قضيّة أساسيّة. ثمّة مَن يتحدّث عن الجماهير اللانهائيّة... وصعوبة حصرها في الدولة القوميّة، في "مجتمع". السؤال: ماذا ستفعل بها؟ هنا يأتي دور العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة ومساهمتها.

في هذا السياق، أنت تريد أن تتحدّث مع عامل في مصنع في حلوان بمصر، ومع موظّفة في رام الله، وسائق تاكسي بعمّان... المغرب العربيّ وتجربته، كلّ هذا التنوّع الكبير في العالم العربيّ... ماذا ستقول في العراق؟ ماذا يحصل في سوريا؟ كلّ هذا مشتبك مع بعضه بعضًا، ولا تستطيع فصله.

إنّ المداخلات في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة ستبني معرفة تفكّر في حالهم، وتنتج للناس مفاهيم. وثمّة حاجة أوّلًا إلى فهم ما يجري... ما من فهم عميق للصراعات السياسيّة؛ مرّة يقولون لنا أقلّيّات، ومرّة هويّات... يجلبون مفاهيم ويلبسونها لنا. كان ثمّة محاولات لكن بلا تجربة أصيلة. في رأيي، عند الالتقاء بمناخ فكريّ أكاديميّ إلى حدّ ما، متنوّر ومفتوح، يمكن حينئذ الحديث عن تجربة أصيلة.

 

فُسْحَة: وكيف تقيّم تجربة الطلبة الّذين تخرّجوا، على سبيل المثال؟

إسماعيل: إلى الآن، ترى أنّ التجربة ما زالت على أساس انتماءات محلّيّة. طالب من المغرب يعمل عن المغرب، طالبة من مصر تعمل عن مصر، وقلّة مَن يقومون بالتقاطعات بمستوى رسالة الماجستير، لكن لا تستطيع أن تقيس هذا التلاقح بالفترة الزمنيّة القصيرة، إنّ التحدّي الأساسيّ يكمن في خلق لغة معرفيّة عربيّة مشتركة.

 

فُسْحَة: لكن، أليست الفكرة أن يعمل الطلبة على قضايا داخل مجتمعاتهم؟

إسماعيل: اللغة الفلسفيّة والسوسيولوجيّة والفكريّة حبيسة المحلّيّ، وقلّة مَن يخاطر ويقوم بالتقاطعات، وتبرز حاجة أكبر للانشغال باللغة المعرفيّة الّتي تخرج من المحلّيّ، ثمّ تعود إليه، تتغذّى من الخارج وتعود؛ فمثلًا، أسلوب التدريس في المغرب العربيّ يختلف عن مصر والمشرق... له تاريخ. ما من إرث عربيّ جامع، ثمّة حاجة إلى إرث جامع، وهذا يأتي مع تراكم الإنتاج والطلبة والمعارف. مؤسّساتيًّا... ما زالت المؤسّسة في البداية، وتتوافر نماذج أكاديميّة عديدة داخلها، منها بريطانيّ، وفرنسيّ، وأمريكيّ، وما تطوّر في العالم العربيّ، إنّ المؤسسة مكوّنة من تركيبات عدّة؛ السؤال: أين ستتّجه؟ وهذا تحدٍّ.

 

فُسْحَة: هل يمكن أن تنشأ حالة، تكون فيها إمكانيّة أن تفرض الأجندة الأكاديميّة العربيّة نفسها، وتتمكّن من التأثير عالميًّا؟

إسماعيل: ثمّة إمكانيّة، وهذا لبّ الموضوع. في نهاية المطاف، إذا كان لديك حاوية وحاضنة مؤسّساتيّة من هذا النوع، فالأمور تصبح تحصيل حاصل. وثمّة تجارب أخرى مثل تجربة روسيا والصين واليابان، الّتي كان فيها صراع مع الفكر الغربيّ. القضيّة ليست رفض فكر معيّن، لكن أن تفكّر فقط من خلال مفاهيم تطوّرت في الغرب، فالقضيّة علاقات قوّة ومرجعيّات.

في فلسطين مثلًا، ما من إنتاج معرفيّ، رغم أنّها من التجارب الأكثر عمقًا على المستوى العربيّ، لكن لا إنتاج أصيلًا في الفكر المعرفيّ، عن المجتمع الفلسطينيّ، بل توثيق وأدبيّات وأمور فُرضت.

في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، إلى جانب الباحث فادي عاصلة

 

فُسْحَة: ما السبب؟

إسماعيل: منذ الانتفاضة الأولى حتّى اليوم، أغلب الناس كتب تقارير، لا مشاريع فكريّة. كتابة تقارير للـ "إن جي أوز"، أو بصفة الأكاديميّ الّذي تتحدّد أجندته من خلال المؤسّسة. فلسطينيّو أراضي 48 الأجندة لديهم إسرائيليّة... كلّنا تعلّمنا في الجامعات الإسرائيليّة، هم يعطونك أداوت تفكّر بها في نفسك. في كلّيّة الفنّ مثلًا، إذا كنت فنّانًا فسيفرضون عليك مشكلة هويّة، وأنّ فنّك يجب أن يعبّر عن مشكلة الهويّة. أنا شخصيًّا لا أرى لديّ مشكلة هويّة، ولا أفكّر في نفسي من خلال الهويّة.

 

فُسْحَة: حتّى فلسطينيًّا؟

إسماعيل: تستخدم تجربتك الفلسطينيّة، بصفتك شخصًا يحاول التحرّر من الاستعمار... هذه ليست لعبة هويّات.

 

فُسْحَة: ألا تعتمد فيها على الهويّة؟

إسماعيل: لا، هذه علاقات قوّة، تستطيع أن تفكّر فيها بنواحٍ عدّة، هذه هويّة ضحيّة وتبعيّة، إذا فكّرت من خلال هويّتك فأنت بحاجة إلى منصّة؛ لكي تقف على هويّتك. إسرائيل تعطيك هويّة كي تضعك في خانة. في الستّينات، صرنا نقول لدينا هويّة، ولاحقًا أردنا شرعنتها. لا مشكلة لدى النظام الاستعماريّ في أن تكون هويّتك فلسطينيًّا، أكاديميًّا. السؤال: هل تسعى لتقويضه؟ أم أنّ هويّتك جزء من باقة الهويّات الّتي عنده؟

 

فُسْحَة: لكن ثمّة مشاريع طُرِحت لدى فلسطينيّي أراضي 48، وتهدف بشكل أو بآخر إلى تقويض النظام الاستعماريّ...

إسماعيل: المشروع السياسيّ شيء آخر. المعرفة الّتي أتت من تجربة سياسيّة شيء آخر، يمكن الحديث عنها...

 

فُسْحَة: مثلًا، مشروع دولة المواطنين، سبقه جهد وتنظير معرفيّ...

إسماعيل: إذا كنت تقصد عزمي بشارة، فكتابته في التسعينات لديها طابع معرفيّ مباشر وممتازة، ولديه قدرة على تصوير الأمور وتحليلها، في ما يخصّ الفلسطينيّين في أراضي 48. كتاب "الخطاب السياسيّ المبتور" أهمّ ما كُتب في تلك الفترة، ونتاجه الفكريّ عن الفلسفة الألمانيّة ممتاز. هذا لم يأتِ من داخل الأكاديميا الإسرائيليّة. بعد ذلك أصبحت كتاباته وأدبيّاته سياسيّة. متى بدأ عزمي بشارة ينتج فكرًا؟ بعد خروجه من فلسطين عام 2007، ويجب التمييز بين إنتاجه الّذي كُتب بالعبريّة وما كُتب بالعربيّة؛ في العبريّة له مداخلات عن الدولة القوميّة أهمّ ممّا كُتب بالعربيّة. لديه كتاب عن موزيس مندلسون عن التنوير الأوروبّيّ ممتاز جدًّا. القضيّة مركّبة من هذه الناحية، ومساره يعكس الورطة الّتي نعيشها. إنّ الدولة القوميّة بصفتها إطارًا كيانيًّا سياسيًّا انتهى مفعوله التاريخيّ، لكنّنا نحن الفلسطينيّين لم نعش هذه التجربة، والآن نطالب بدولة مستقلّة مثل الّذي "رايح ع الحجّ والناس راجعة".

 

فُسْحَة: ثمّة مَن يختلف مع بعض تنظيرات ما بعد الحداثة، حول انتهاء الدولة القوميّة، ولا سيّما بعد مرحلة العولمة، ويدّعي أنّ الدولة القوميّة ما زالت موجودة و"شغّالة"...

إسماعيل: أقصد معرفيًّا انتهى...

 

فُسْحَة: أيعني ذلك أنّ كلّ ما نشهده من تصاعد لليمين في العالم، وعودته إلى الحكم، وما يلقاه من دعم شعبيّ؛ بهدف "الحفاظ على الدولة القوميّة"؟

إسماعيل: عودة اليمين شهقة الميّت الأخيرة، هي وردّة فعل الإسلاميّين مثل ردود أفعال على عمليّات تاريخيّة أعمق، منها الرأسماليّة. إنّ طبيعة الحياة وتطوّر وسائل الإنتاج ينعكسان على حياة الناس. الفاعلون غير الدولة Non State Actors، في عالمنا العربيّ، هم أصلًا إسلاميّون، اليسار لم يفرز تنظيمات بهذا الشكل، ويمكن عدّهم ردّة فعل على عمليّات موت العالم القديم؛ وهنا تتورّط في أيّ كيانيّة سياسيّة تطمح إليها؛ كونك فلسطينيًّا مثلًا.

 

جانب من معرض "في أعقاب الذاكرة: الصورة/ النصّ في مدوّنة دار الفتى العربيّ"  لإسماعيل ناشف

 

أنا أرى أنّه عندما يصبح لديّ دولة، أستطيع أن أقول: لا أريد عَلَمًا. سؤال مَن الأهمّ: الدولة أم الإنسان؟ طُرِح في الفكر الفلسطينيّ المعاصر. طبعًا الإنسان أهمّ. السؤال: كيف ستعيش وتتحرّر من الاستعمار؟ النظام الاستعماريّ سوف ينهار؛ بسبب حدوث عمليّات مقاومة أو عمليّات تاريخيّة، أو كلتيهما على الأغلب، وعندما يسقط النظام الاستعماريّ؛ أيّ نوع من الجماعة سوف تعيش؟ لا نموذج معطًى.

 

فُسْحَة: سنستمرّ بالموضوع ذاته، لكن سنتخصّص في الحديث عن المشهد السياسيّ الفلسطينيّ، والمشروع الوطنيّ الّذي وصل إلى أفق مسدود، مع حركة وطنيّة لم تحقّق أهدافها في التحرّر؛ إذ أصبح لدينا سلطتان في الضفّة وغزّة، وانقسام داخليّ ممأسس. على ضوء ما طرحته حول "الشهقة الأخيرة" للدولة القوميّة؛ كيف تقرأ ذلك فلسطينيًّا؟

إسماعيل: لا نستطيع اختزال المأساة الفلسطينيّة بتجربة الحركة الوطنيّة فقط، والحركة الوطنيّة حينذاك كانت أهمّ شيء يمكننا القيام به. إنّ الأدوات التنظيميّة، والأحزاب، ومنظّمة التحرير، تُعَدّ من أهمّ الإنجازات للفلسطينيّين بصفتهم جماعة سياسيّة. السؤال: كيف - فلسطينيًّا وعربيًّا - أعيد قراءة التجربة بشكل نقديّ؟ ليس بالضرورة أن تكون اللحظة الّتي نعيشها أسوأ لحظة؛ فقد نشهد كابوسًا جديدًا أسوأ. لا أستغرب أن تؤدّي ديناميكيّة الأحداث وتطوّرها، إلى أن يضع النظام الاستعماريّ الناس في شاحنات ويهجّرهم... الوضع هشّ جدًّا.

ثمّة مَن يدعو إلى إعادة بناء منظّمة التحرير، حسب رأيي يجب أن تبدأ القراءة بنقد العمل الجماعيّ الفلسطينيّ؛ ما السبب الّذي جعل العمل الجماعيّ هشًّا وهزيلًا؟ شيء غريب عجيب... الفلسطينيّون عندما يعملون في مجموعات صغيرة ينجحون، وعندما يعملون في مجموعات كبيرة يفشلون، وحتّى التنظيمات الصغيرة، تلك الّتي كانت نشيطة جدًّا، وتشتغل بالمقاومة بشكل ممتاز، كانت ناجحة، لكنّ الأطر التنظيميّة الكبيرة، مثل المجلس الوطنيّ ومنظّمة التحرير، لم تنجح؛ علينا أن نقرأ السبب، ثمّة مَن ذهب إلى قراءات طبقيّة، أو إلى المجتمع الأبويّ، أو ربطها بالإقطاعيّة أو طبيعة الاستعمار والعدوّ، علينا قراءة هذه التجارب؛ مثلًا، من أهمّ المساهمات الفلسطينيّة في العمل الجماعيّ العمل السرّيّ، وإلى الحدّ البعيد، تجربة الحركة الأسيرة في مراحل معيّنة. لم يكتب أحد عن العمل السرّيّ؛ يمكن بسبب طبيعته، لكن لا أحد يستثمر فيه، ليس فقط في الضفّة وغزّة، بل في أراضي 48 أيضًا، وتجارب مختلفة أخرى، من كفاح مسلّح، وتنظيمات حزبيّة وسياسيّة.

المشكلة عندما يُختزل الحدث الفلسطينيّ حدثًا إعلاميًّا. الحدث الإعلاميّ كان وما زال مهمًّا بجوانب محدّدة، لكنّ الحدث المفصليّ يكمن في الجماعة نفسها، وطريقة عملها. منذ الانتفاضة الأولى وما بعدها أصبحنا حدثًا إعلاميًّا، ويجب نقل الناس من حدث إعلاميّ إلى حدث تاريخيّ. لا أعتقد أنّ التاريخ يقف عند سلطة حماس وسلطة رام الله... هذه محطّة. التناقض الاستعماريّ لا يزال موجودًا، والقمع والبطش سيُولّدان ردّة فعل ومقاومة. جيل عن جيل يختلف، وفي اعتقادي سيكون ثمّة "عِرق أخضر" في الأجيال القادمة، السؤال: كيف ستتعامل هذه الأجيال مع إرثها؟ وهذا تحدٍّ؛ لأنّ تعاملها مع إرثها يعكس تعاملها مع مستقبلها.

 

فُسْحَة: كتبت في مُؤَلَّفك "صور موت الفلسطينيّ" (المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، أنّ "الصهيونيّة تمكّنت من تفتيت الكيانيّة الفلسطينيّة جماعات متفرّقة، تعيش كلّ واحدة منها على هامش مجتمع آخر، لا يكفّ عن تهميشها وإقصائها، وعلى الرغم من ذلك؛ ما انفكّ الفلسطينيّون ينتجون ذواتهم، بأشكال متعدّدة من الوجود الاجتماعيّ والاقتصاديّ، ولعلّ المقاومة - بما تتضمّنه من عنف وموت - كانت إحدى آليّات إنتاج الفلسطينيّ كينونته الفرديّة والجماعيّة"؛ سؤالي: على ضوء إجابتك حول الأجيال القادمة، والأفق الممكن المجهول؛ ما الجديد الّذي يمكن أن يقدّمه الفلسطينيّ؟ الفلسطينيّون جرّبوا أشكال مقاومة النظام الاستعماريّ كافّة؛ من كفاح مسلّح، وانتفاضات شعبيّة، وعمل سرّيّ، وثورة، وعمل سلميّ، ومفاوضات، وكلّها في نهاية المطاف أدّت إلى موت الفلسطينيّ.

إسماعيل: التاريخ الدمويّ موجود، السؤال: كيف تنتج عنه معرفة؟ الموت أنواع، وفي كلّ مرّة يموت الفلسطينيّون بشكل مختلف؛ من خلال الصراع مع النظام الاستعماريّ. طبيعة الموت تغيّرت، القضيّة الأساسيّة تكمن في كيفيّة فهمنا - بعمق - طبيعة النظام الاستعماريّ، وطبيعة الجماعة الفلسطينيّة.

إنّ طبيعة النظام الاستعماريّ الصهيونيّ طبيعة مبنيّة على الطهرانيّة، والأيدولوجيا الصهيونيّة مبنيّة على علاقات دم، وفهمها لنفسها أنّها منظّمة مغلقة؛ لا تستطيع أن تدخل إليها أو تخرج منها، وهي بالضرورة مبنيّة على قتل كلّ شخص خارجها أو نفيه بمفهوم النقيض. يتمثّل الهمّ الصهيونيّ السياديّ في "إدارة شأن موت الفلسطينيّ"، والموت الفلسطينيّ بالنسبة إلى الصهاينة أهمّ من حياته. الأمر مرتبط بمفهوم السيادة الحديثة.

 

خلال محاضرة في "جمعيّة تشرين" بالطيّبةن إلى جانب محمّد جبالي وسنان عبد القادر

 

بالنسبة إلينا - فلسطينيّين وجماعة - السؤال: ما شكل الجماعة الّذي سيخرج؟ ثمّة حركات اجتماعيّة وسياسيّة ينتهي مفعولها التاريخيّ، لكن من الممكن أن تعيش 100 سنة؛ لأنّ لا أحد أطلق رصاصة الرحمة عليها. الكثير من الناس قتلوا سلطة أوسلو بشكل رمزيّ، لكن عمليًّا لم يقتلها أحد. وسلطة حماس في غزّة وحدها غير قابلة للحياة، والثقافة السياسيّة "الحمساويّة" ثقافة سلطة. لا تختلف حماس عن أيّ حزب في العالم العربيّ يسعى إلى السلطة (مع وضع الذراع العسكريّ جانبًا). ما من مفكّرين وفكر لدى حماس، أو حتّى فقه، بعكس الجهاد الإسلاميّ، تقرأ أدبيّاتهم... لا تجدها ترتقي إلى منظومة فكريّة حتّى بالمفهوم الدينيّ... بعض الناس لديهم يتحدّثون خزعبلات. يمكننا أن نختلف مع السلفيّين، لكن لديهم بعض الفقهاء. إنّ الفكر ليس عصًا سحريّة، لكنّه يقدّم زخمًا للتجربة الفلسطينيّة.

أسهل شيء واضح، والجميع يتحدّث عنه، عدم القبول في الوضع القائم، والمشكلة وجود تقسيمات تقليديّة: حزب في غزّة، وحزب في رام الله. الأسهل تغيير المخيال السياسيّ، والقيام بتحوّل في التجمّعات، وثمّة مَن يقوم به فعليًّا، لكنّ السؤال: هل يتوافر خطاب مرجعيّات لهذه الجماعة؟

 

فُسْحَة: في الأفق مبادرة حلّ الدولة الواحدة، الّتي يعمل عليها نشطاء من مختلف التجمّعات...

إسماعيل: لا نستطيع الحديث عن الدولة الواحدة، وهناك ما زالت قضايا مفتوحة في التناقض مع النظام الاستعماريّ. لا حلّ دون عودة اللاجئين، والقصد عودة فعليّة، وبعد حلّ موضوع العودة نبدأ الحديث عن شكل النظام السياسيّ؛ هذا يعني أنّ شكل النظام السياسيّ تحصيل حاصل.

 

فُسْحَة: ما المشكلة في أن تتحدّث الآن عن شكل النظام السياسيّ؟

إسماعيل: القضيّة: ما المرجعيّات الّتي تتحدّث عنها؟ قلت: إنّ الإنسان أهمّ من الدولة.

 

فُسْحَة: لكن في نهاية المطاف، ألن يظهر نظام سياسيّ؟

إسماعيل: بلى، لكن ما مرجعيّاته؟ ثمّة حالة لدى بعض الفلسطينيّين في أراضي 48، أشبّهها بحديث "مالكوم أكس" عن عبيد المنزل وعبيد المزرعة. لديّ انطباعات بوجود بعض قلق حول ما سيحصل لليهود، أكثر من القلق حول الّذي سيحصل مع الفلسطينيّين.

 

فُسْحَة: هل تقول إنّ هذه أمور، علينا ألّا نفكّر فيها؟

إسماعيل: الدولة الواحدة جزء من الإرث الّذي كان من قبل؛ ثمّة ناس يقولون: دولتان لشعبين، وناس يقولون: دولة واحدة. هذا كلّه جزء من الإرث السياسيّ، وجزء من الورطة وليس حلّها.

بالنسبة إليّ؛ فإنّ العودة الفعليّة هي الحلّ الآن، ليس حقّ العودة، بل ممارسته.

 

فُسْحَة: مثل ما يحصل في غزّة، من مسيرات عودة؟

إسماعيل: غزّة وما يحصل فيها مؤشّر، مسيرات العودة بدأت في غزّة، والجميع تضامن معها، وما يجب أن يكون، فمن الجماعة الفلسطينيّة كلّها، وليس فقط غزّة؛ "يعني الناس تقوم وتروّح عَ بيوتها"، بعد ذلك تستطيع أن تتحدّث عن طبيعة النظام... والمفاهيم السياسيّة... وكيفيّة إدارة الشأن العامّ... والتعامل معه... وطبيعته... والّذي سيضبطه؛ هذه في نهاية المطاف ستعكس علاقات قوًى، داخل الجماعات الّتي ستكون موجودة في فلسطين. أنا أرى أنّ تقويض النظام الاستعماريّ الصهيونيّ والعودة الفعليّة هما الأساس.

 

فُسْحَة: وهل هذا ضامن لنظام وعلاقات قوًى عادلة مستقبلًا؟ أيمكن أن تَنشأ علاقات قوًى جديدة، وتفرز نظامًا غير عادل؟

إسماعيل: طبعًا، يجب أن يتوافر تفكير بطبيعة النظام السياسيّ، ومعنى إدارة الشأن العامّ، لكن أقول لك: أنا بالنسبة إليّ هذه ليست القضيّة المفصليّة في هذه اللحظة، السياسة والمجال السياسيّ بالمعنى الّذي نعرفه انتهيا؛ ترامب لا يعمل سياسة، وأبو مازن لا يعمل سياسة، ومحمّد بن سلمان لا يعمل سياسة، هؤلاء يعربدون؛ قواعد الأشياء خلصت وانتهت... قواعد المفاهيم للمجال العامّ السياسيّ انتهت.

 

فُسْحَة: متى انتهت؟

إسماعيل: ثمّة عمليّات عالميّة تحصل وتتفاعل محلّيًّا، إنّ الحدث السياسيّ الفلسطينيّ الأهمّ، الّذي يحدث اليوم، ليس في المجال السياسيّ، بل مجموعة من الناشطين والشباب والصبايا، تجتمع على قضايا عينيّة، وتخرج في مظاهرة.

 

فُسْحَة: هذه ليست سياسة؟

إسماعيل: كلّا... هذه ليست سياسة بالمفهوم التقليديّ، بل براعم لسياسة جديدة؛ إنّه الشارع يحدّد الإيقاع، والأدوات الّتي تستعملها الأحزاب السياسيّة في أراضي 48 داخل "الكنيست" انتهى مفعولها. انظر إلى طريقة تعاملهم مع قانون القوميّة؛ لا يعلمون ماذا سيفعلون، حتّى أنّهم غير قادرين على أن يتواطؤوا مع النظام! هل ترى سوداويّة الموقف؟ حتّى التواطؤ لم يعد يجدي! ثمّة من رفع دعوى قضائيّة إلى المحكمة الإسرائيليّة العليا ضدّ القانون، على أنّ أحد بنوده ظالمة ويجب تخفيفه؛ أي المطالبة بأن يكون النظام الاستعماريّ ظالمًا بشكل أخفّ! انتبه، حتّى أناس من مثل "مركز عدالة" القانونيّ، الّذين كان لهم في سنوات التسعينات والألفين دور وأدوات، في ترجمة السياسة إلى قانون، والقانون إلى سياسة، حتّى هؤلاء لا يعرفون ما سيفعلون!

 

فُسْحَة: في مقابلة مع مدير "مركز عدالة" حسن جبارين، لموقع عرب 48، في أعقاب قانون القوميّة، قال: "إنّ الخطاب السياسيّ والأكاديميّ، عليه أن يتبدّل، ويجب القول إنّ النظام الإسرائيليّ، داخل الخطّ الأخضر وخارجه، هو نظام كولونياليّ (...) وأنّ هذا النظام يتناقض مع القانون الدوليّ بوضوح، إلى درجة توجيه سؤال جدّيّ حول شرعيّة هذا النظام".

إسماعيل: من السذاجة بمكان، أن تعتقد في هذه اللحظة، من تاريخ الصراع مع الاستعمار الصهيونيّ، أنّ مجرّد وصفه بـ "الكولونياليّ" سيغيّر شيئًا ما، أو حتّى يحرجه، بل العكس؛ فثمّة شيء "لطيف" في اليمين الفاشيّ الصهيونيّ... فهو يفرح عندما تقول عنه "فاشيّ"! عندما تقول لليبرمان: "أنت فاشيّ"؛ فهذا لا يزعجه، كذلك نتنياهو... يفرح لهذه الدعاية!

 

خلال ندوة في "مدى الكرمل - المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة" في حيفا

 

فُسْحَة: ما دور المثقّف الفلسطينيّ في كلّ هذه المحنة؟ هل دوره النقد والتفكيك؟ أم عليه الانخراط في العمل وتقديم الحلول؟

إسماعيل: المثقّف الفلسطينيّ في ورطة، أوّل شيء ثمّة درجة عالية من عدم الإتقان. كان المشهد الثقافيّ في السابق مبنيًّا على وجود المثقّف الواحد، والشاعر الواحد، والفيلسوف الواحد، هؤلاء ماتوا... الشاعر مات، والسياسيّ في المنفى، إلخ... المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ يبحث عن نفسه.

مثلًا، نسأل: لماذا حصلت إزاحة؟ كان المشهد مرّة شعريًّا، والآن أصبح سينمائيًّا... ثمّة سؤال الإتقان، وثمّة سؤال التبعيّة. نحمد الله على أنّه منذ أوسلو، بدأ المثقّف، والحقل الثقافيّ، يصبح له ملامح غير سياسيّة؛ أي يمكنك أن تطّلع على المشهد السياسيّ، وتنتقده دون أن تكون تابعًا، لكن وقعنا في ورطة أخرى، هي أنّ الأرضيّة الاجتماعيّة للمثقّف أصبحت المهنة. لديك سينمائيّون جيّدون، لكن غير مفكّرين... من ناحية مهنة، ممتازون لكن غير مفكّرين. قلّة مَن استطاع الجمع بين الاثنين... لعلّ في تجربة المخرج إيليّا سليمان مثالًا على ذلك، هو مميّز سينمائيًّا، متقن، وأيضًا مثقّف، ويدمجها مع بعضها بعضًا، وتلحظ ذلك في أعماله. ليست القضيّة أن يقوم المثقّف الفلسطينيّ بمشروع سياسيّ، بل أن يحتوي السياسة بالإنتاج الثقافيّ وباللغة الثقافيّة، والورطة أنّ الواقع يتحرّك بسرعة كلّ الوقت، ثمّ إنّ أسهل ما يمكن المثقّف الفلسطينيّ أن يفعله، التحرّك إلى الأمام وإلى الخلف، كلّ الوقت.

 

فُسْحَة: كيف ترى المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ بعامّة؟ مثلًا في حيفا حيث نجلس الآن، نشهد منذ أعوام حراكًا ثقافيًّا مستقلًّا عن المؤسّسة الإسرائيليّة بمختلف أنواعه، ومستقلًّا أيضًا عن البنى المهيمنة في المجتمع العربيّ...

إسماعيل: المشهد الثقافيّ في حيفا مهمّ جدًّا، وما تقوم به مجموعات عدّة هنا يدلّ على قفزة، لكن أين المشكلة؟ الإنتاج الثقافيّ ما زال غير متين، ما عدا ومضاتٍ هنا وهناك. في المسرح تحدث أشياء كثيرة مهمّة، وبحاجة إلى دراسة، لماذا بالذات في المسرح؟ ثمّة مسرحيّون مهمّون جدًّا، في الأدب والشعر لا شيء يمكن إمساكه... تجد رواية جيّدة لكن ليس مشروعًا روائيًّا، أو ديوان شعر ممتازًا لكن ليس مشروعًا شعريًّا؛ النقد سطحيّ فلا شيء جدّيًّا، هي انطباعات.

التجمّعات الصغيرة الّتي تشتغل على مشاريع محدّدة أمر مهمّ، مهمّ أن نجد هنا خمسة أشخاص يعملون على مشروع محدّد، أو أن نجد سبعة أشخاص يعملون على مشروع آخر. هذا يفتح أفقًا، أين سيذهب هذا؟ إنّه تحدٍّ. كيف سيحاربهم المستعمِر؟ أيضًا هو تحدٍّ. الأمور تسير الآن، وهذا الهامش المتاح داخل المنظومة الاستعماريّة مستمرّ، لكن متى ينتهي؟ وما اللحظة؟ لا نعلم. العلاقات جدًّا هشّة، وبسهولة يمكن أن تنتهي. كيف سيكون ردّ فعلنا؟ وكيف سنرتّب أمورنا؟ هذا أيضًا سؤال. كلّ هذا والكتلة الأساسيّة للجماعة الفلسطينيّة في أراضي 48 مشغولة بلقمة العيش.

 

فُسْحَة: دعنا نتحدّث عن مشاريعك الأخيرة.

إسماعيل: صدر مؤخّرًا كتاب عن تاريخ اللغة العربيّة في النظام الاستعماريّ، باللغة العبريّة، وسيصدر باللغة العربيّة قريبًا عن المركز العربيّ للدراسات والأبحاث، وأيضًا بالإنكليزيّة. وثمّة كتاب "طفولة حزيران"، الجزء الثاني، يتناول تاريخ الرسوم في أدب الأطفال، والجزء الثاني عن تاريخ اللغة العربيّة، الّذي سيكون عن كلّ الفلسطينيّين الّذين كتبوا باللغة العبريّة، من فكر وأدب وسياسة، وثمّة مشروع ثالث عن تاريخ الفكر التراجيديّ في العالم العربيّ، وهو مشروع أوسع.

 

فُسْحَة: ماذا تقرأ حاليًّا؟ وبِمَ تنصح للقراءة؟

إسماعيل: أقرأ العديد من الأشياء، لا شيئًا واحدًا.

 

فُسْحَة: مثلًا؟

إسماعيل: أقرأ "مذكّرات الجنديّ الألمانيّ في الحرب العالميّة الأولى"، إيرنست يونغر، وأعود لقراءة الشاعر والرسّام الإنكليزيّ ويليام بليك؛ لأنّه اشتغل على العلاقة بين النصّ والصورة. أقرأ أمورًا عدّة أخرى، منها الأدب العربيّ، وأتابع كلّ المشهدين الأدبيّ والثقافيّ، فلسطينيًّا وعربيًّا.

 

فُسْحَة: وبِمَ تنصح؟

إسماعيل: ليس السؤال: ماذا تقرأ؟ بل: كيف تقرأ؟ غالبيّة الناس تقرأ، لكنّ السؤال: كيف تبني قائمة القراءة؟ وما منطقها الداخليّ؟ هل ترتّبها بصفتها جزءًا من مشروعك؟ ما مشروعك؟ وكيف تتمفصل فيه؟ قائمة القراءة رحلة استكشاف، والأمر يتعلّق بك أنت، في أيّ مرحلة؟ هل في مرحلة تريد فيها تكسير الأصنام؟ أم كسرتها وتريد الذهاب إلى مكان آخر؟

 

فُسْحَة: سؤال أخير لا أستطيع ألّا أطرحه، حول صعوبة فهم كتاباتك بادّعاء كثيرين. سأسألك ما سألوا أبا تمّام: لماذا تكتب ما لا يفهمه الناس؟

إسماعيل: ثمّة طعام سريع Fast Food، يعطيك الساندويش... أنا ليس لديّ طعام سريع، بل أقوم بولائم، كلّ شخص ومعدته. لست مسؤولًا عن نمط القراءة الاستهلاكيّ السطحيّ السائد، كلّ الناس الّذين يقرؤون يفهمون، لكن ثمّة كسل، القراءة مشقّة وحفر. لأرنست همنغواي مقولة: Writing is Bleeding "الكتابة نزف"... كذلك هي القراءة، Reading is Bleeding، نزف لكن من نوع آخر.

 

 

إسماعيل ناشف: من مواليد 1967 في مدينة الطيّبة بفلسطين المحتلّة، رئيس برنامج علم الاجتماع وعلم الإنسان، في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، وقد عمل سابقًا في جامعات عدّة عربيّة وأجنبيّة. بالإضافة إلى عمله باحثًا جامعيًّا، يعمل ناقدًا أدبيًّا وفنّيًّا وقيّم معارض، وله نصوص أدبيّة. شارك في تأسيس مشاريع ثقافيّة وفكريّة مختلفة في أطر جامعيّة، وأخرى عامّة.

تشمل اهتماماته البحثيّة والنظريّة: المادّة، واللغة، والأيديولوجيا، والتشكيل الأدبيّ والفنّيّ، وعلم الجمال. أمّا من حيث الحالات الدراسيّة العينيّة، فهو يهتمّ بالسياق الاستعماريّ عامّة، والعربيّ الإسلاميّ والفلسطينيّ خاصّة. له إصدارات عديدة، من بينها: "قصّة قناع استعماريّ" (2017)، و"طفولة حزيران: دار الفتى العربيّ وأدب المأساة" (2016)، و"صور موت الفلسطينيّ" (2015)، و"في التجريد الفلسطينيّ: زهدي قادري واللحن الهندسيّ للحداثة المتأخّرة" (2014)، و"معماريّة الفقدان: سؤال الثقافة الفلسطينيّة المعاصرة" (2012)، و"الذاكرة والهجرة: الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ والنكبة" (2012)، و"ثغرات" (2012)، و"النفي في كتابة إسرائيل" (2011)، و"العتبة في فتح الإبستيم" (2010)، و"الأسرى السياسيّون الفلسطينيّون" (2008)، و"فكّ الصهيونيّة: الفضاء والأيديولوجيّة في المدينة الإسرائيليّة" (2005)، و"حديث" (1999)، و"تبعثر" (1996).

 

 

ربيع عيد

 

صحافيّ فلسطينيّ، كاتب وعضو طاقم في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على البكالوريوس في  العلوم السياسيّة من جامعة حيفا، والماجستير في الإعلام والدراسات الثقافيّة من معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

 

 

تعليقات Facebook