الآداب والفنون أبلغ من الخطاب السياسيّ، وتأسيس التجمّع من أهمّ ما حصل في حياتي

 

أصبح قرار العيش خارج إسرائيل، خيارًا يتّخذه العديد من اليهود الإسرائيليّين اللاصهيونيّين، الّذين ضاقت بهم محاولات تغيير المجتمع الإسرائيليّ الّذي "يخنقهم"، حسب ما تقوله مؤسّسة "دار الأندلس للنشر"، ياعيلْ ليرِرْ، الّتي انتقلت للعيش في فرنسا.

ياعيلْ، الناشطة السياسيّة المعروفة في حركات العدالة والمساواة ومناهضة الاحتلال، لسنوات طويلة، بدأت مرحلة جديدة في حياتها ونشاطها، بعد حصولها على المواطنة الفرنسيّة؛ إذ أصبحت تقيم في دولة مواطنين طبيعيّة - كما تقول - الأمر الّذي لم تجده في إسرائيل و"حكوماتها المجرمة". في المقابل، لم تكن فرنسا بالنسبة إليها تخلو من تحدّيات جديدة انكشفت فيها على قضايا ومسائل سياسيّة وثقافيّة متنوّعة، وعايشتها، داخل المجتمع الفرنسيّ بخاصّة، والأوروبّيّ بعامّة، تتعلّق بالهجرة، والعنصريّة، واللاساميّة، ودور اليهود المناصر للفلسطينيّين، وحركة التضامن والمقاطعة الدوليّة، وهويّة فرنسا الجديدة.

عن هذا كلّه، وعن مواضيع أخرى عديدة، كان لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، هذا الحوار الخاصّ معها في باريس.

 

فُسْحَة: قبل سنوات عدّة، تركتِ البلاد وأقمتِ في باريس، ثمّ حصلتِ على الجنسيّة الفرنسيّة. لنتحدّث بدايةً عن قرارك بالعيش خارج البلاد.

ياعيلْ: أنا لم أترك، ولا أستطيع أن أترك، هذه بلدي، ولديّ أهل وأصدقاء عرب ويهود، وعلاقات مع آلاف الناس الّذين أعرفهم من خلال نشاطي السياسيّ والثقافيّ. وصلت فرنسا قبل عشرة أعوام في منحة لمدّة عام، ثمّ أدركت أنّ العيش هنا ملائم لي كثيرًا، ومريح أيضًا، وفجأة تمكّنت من أن أتنفّس؛ لأنّه في السنوات الأخيرة أصبح الجوّ في البلاد خانقًا جدًّا، طبعًا أقصد الأجواء السياسيّة؛ فبقيت في فرنسا حتّى أنّني لم أكن أملك اللغة حينذاك، وبعد سنوات أصبحت مواطنة فرنسيّة، ومَنْ يعش في دولة معيّنة، ولديه إمكانيّة المشاركة في اللعبة السياسيّة والتأثير، فمن المفروض أن يقوم بذلك، واجبًا تجاه المواطنة؛ ففرنسا دولة مواطنة طبيعيّة، ليست كدولة إسرائيل أو الأنظمة العربيّة، حتّى الناس الّذين لا جنسيّة لهم، ويأتون للعمل ومعهم إقامة؛ يستطيعون الحصول على الجنسيّة.

 

أن أصبح فرنسيّة لا يعني أنّي قطعت صلتي بالبلاد؛ أنا أزورها وعلى تواصل يوميّ مع الناس فيها، وثمّة مَنْ يزورني... لم أنقطع. لو كان لديّ أمل داخل المجتمع اليهوديّ في إسرائيل، ما كنت لأغادر، وهذا أيضًا لا يعني أنّ في فرنسا مكان لي 100%.

 

فُسْحَة: هل شعرتِ بأن لا مكان لكِ في إسرائيل؟

ياعيلْ: صحيح؛ فالمجتمع الإسرائيليّ أصبح متطرّفًا بشكل كبير، والصهيونيّة لم تكن يومًا ديمقراطيّة أو ليبراليّة، لكنّ الأجواء في السنوات الأخيرة أصبحت أصعب كثيرًا، ولم يعد ثمّة أمل. أنا ناشطة منذ جيل 12 عامًا، وفي مرحلة معيّنة تساءلت عن كلّ النشاطات الّتي قمت بها، والعرائض والحملات الانتخابيّة، وكنت شريكة في العديد من المبادرات السياسيّة والثقافيّة، وشعرت حقيقةً بأنّه لا أمل لي، ولا سيّما مع ما يُسمّى اليسار الإسرائيليّ، ولو توافر جمهور لديه قابليّة داخل المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ، لكنت بقيت وعملت شيئًا سياسيًّا.

 

فُسْحَة: أثرتِ نقاطًا عدّة تتعلّق بالمجتمع الإسرائيليّ ونشاطك السياسيّ، لكن قبل ذلك نريد أن نتحدّث عن بلدك الجديد - إن صحّ التعبير - ونشاطك هنا، قلتِ أيضًا إنّه حتّى في فرنسا لا مكان لكِ 100%... أخبرينا عن عملك ونشاطك في فرنسا.

ياعيلْ: لا أقوم بأشياء سرّيّة بكلّ تأكيد - تضحك - أستعمل الجيميل والفيسبوك، ونشاطي مكشوف. عندما أتيت إلى فرنسا كانوا في "حركة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ"، يستضيفونني مرّة كلّ أسبوع تقريبًا، ضمن نشاط في مكان ما، ويكون لي مداخلة، لكن "حركة التضامن" خفّت في السنوات الأخيرة في فرنسا، وفي المقابل ثمّة أمور أنتقدها في "حركة التضامن"، لكن لا أقاطعها. عام 2014، نظّمنا، مجموعة من "المواطنين الإسرائيليّين" في فرنسا، نشاط تضامن مع أهل غزّة، وكان له صدًى في التلفزيون، وكنّا في الصفحات الأولى في الصحف، وهذا أمر له قوّة هنا.

 

فُسْحَة: كنتم بالصفحات الأولى؛ لأنّكم يهود؟

ياعيلْ: نعم، يهود إسرائيليّون... مع أنّنا كنّا عددًا قليلًا جدًّا، مع ذلك برزت حاجة إلى عمل أكثر من الموجود؛ من أجل الشعب الفلسطينيّ في فرنسا، ينقص عمل باتّجاه تشكيل "لوبي" يعمل مع الحكومة.

من ناحية أخرى، تشعر بأنّ العمل في أوروبّا، في ما يخصّ إسرائيل وفلسطين، مركّب. لديك الموقف الرسميّ للاتّحاد الأوروبّيّ والحكومة الفرنسيّة، الّذي ينادي بدولتين لشعبين، وحدود الـ 67، والقدس عاصمةً للشعبين، وعندما تحصل مذبحة أو إقامة بؤر استيطانيّة جديدة؛ يكون الحدّ الأقصى بيانًا حادًّا يدين إسرائيل، لكن في المقابل ثمّة تعاون عميق وواسع في كلّ مجالات الحياة، وبتقديري أنّ ثمّة تعاملًا يوميًّا بين أجهزة الأمن والمخابرات الأوروبّيّة والإسرائيليّة. ما مِنْ أيّ بلد خارج الاتّحاد الأوروبّيّ، يحظى بمعاملة مميّزة كالّتي تحظى بها إسرائيل في مستويات عديدة، وبهذه الأجواء يكون العمل صعبًا. نجد متظاهرين، لكن بلا مجموعة منظِّمة للعمل.

 

ربيع عيد مع ياعيل ليرر في باريس

 

أمّا من حيث المهنة، فلا مشكلة لديّ، أعمل في الترجمة، ولديّ أعمال حرّة أخرى... وأموري كما يرام، ولم تواجهني مشكلة في الأمور المعيشيّة، لكن ما يحصل في بعض الأحيان في مجال المهنة، أنّهم يقترحون عليّ وظيفة، وفي نهاية المطاف يخافون من تشغيلي، جرى معي هذا في مؤسّسات فرنسيّة عدّة، منها تلفزيون "فرنسا 24".

 

فُسْحَة: استضافوكِ في تلفزيون "فرنسا 24" غير مرّة...

ياعيلْ: صحيح، عشرات المرّات، ثمّة فيديوهات من المقابلات في أثناء العدوان الإسرائيليّ على غزّة، انتشرت على وسائل التواصل، وحصدت ملايين المشاهدات. اقترحوا عليّ زاوية أسبوعيّة في القناة، وفي اللحظة الأخيرة تراجعوا، حصل معي هذا في مراكز أبحاث، والمؤسّسات الّتي لها علاقة بالمؤسّسة الإسرائيليّة لا أريد أن أعمل معها، وهم لا يريدونني، والأمر مع العالم العربيّ صعب أيضًا؛ فأنا إسرائيليّة... يعني لا هنا ولا هنا.

 

فُسْحَة: كيف تقيّمين بعامّة، ومن خلال نشاطك وعملك، تعامل المجتمعات في أوروبّا، وفي فرنسا تحديدًا، مع القضيّة الفلسطينيّة؟

ياعيلْ: بشكل عامّ وسطحيّ، الجميع مع الشعب الفلسطينيّ، لكنّ الناس لا يفهمون بعمق ما يحدث، وثمّة نقص في المعلومات. إذا سألنا الناس في المقهى من حولنا، واستطلعنا آراءهم، وقلت لهم إنّك فلسطينيّ... فسيحبّك الجميع.

عندما يسألونني هنا من أين أنا؛ أقول لهم أحيانًا من فلسطين... وهذا صحيح بشكل أو بآخر، وأقول فلسطين تحديدًا عندما يسألني عربيّ في الدكّان، ولا سيّما أنّي أتحدّث العربيّة، وتكون ردود الفعل احتفائيّة، ولكن عندما أقول من إسرائيل - وأحيانًا مع الفرنسيّين من أصل عربيّ - تكون أيضًا ردود الفعل إيجابيّة وترحيبيّة، ولم يحدث معي أيّ موقف كانت فيه ردّة الفعل سلبيّة! بعض الناس يحبّون تل أبيب، ويقولون إنّهم يتمنّون زيارتها أو زاروها، وقضوا أوقاتًا رائعة في شواطئها وحفلاتها... وعندما تشرح لهم أنّ لديك مشكلة مع الحكومة الإسرائيليّة، لا يفهمونك... ويمكن أن يكونوا هم أنفسهم الّذين يحبّونك لأنّك فلسطينيّ. أحيانًا، لا أحبّ أن أحمل كتابًا باللغة العبريّة؛ إذ ثمّة يهود فرنسيّون سيعتقدون أنّني من إسرائيل؛ فيأتون ليعبّروا لي كم هم مؤيّدون للسياسة الإسرائيليّة! ثمّة شيء في الرأي العامّ الفرنسيّ، وكأنّ الجميع متأكّد أنّه ثمّة حقًّا دولتان، فلسطين وإسرائيل... أو ليس - بالضرورة – دولتين، لكن طرفين لهما وجود. الناس الّذين يعرفون أكثر عن الاحتلال يتعاملون كأنّه من ناحية ثمّة دولة إسرائيليّة ديمقراطيّة، ومن ناحية أخرى كأنّ الاحتلال على جزيرة بعيدة.

 

 

عندما أكون في ندوة، يقول لي بعض الناس إنّهم زاروا فلسطين وإسرائيل، وهؤلاء واعون، أسألهم: "متى كنتم في فلسطين؟ ومتى كنتم في إسرائيل؟ هل بدّلتم عملة؟ القدس في فلسطين أم إسرائيل؟ هل مررتم بحدود بين البلدين؟ وماذا عن الناصرة؟ أهي في فلسطين أم إسرائيل؟ ثمّة نظام واحد، هو نظام "أبرتهايد"، وعندما أحاول الشرح للناس عنه أجد صعوبة؛ لأنّه ثمّة سلطة فلسطينيّة، وحكومة رام الله، وحكومة حماس في غزّة، وزراء ومكاتب وموظّفون، وبذلك يخلقون صورة بأنّ الفلسطينيّين لديهم سيادة واستقلال!

وثمّة مَنْ يعتقد أنّ إسرائيل دولة ديمقراطيّة، ولديه علاقات عمل مع إسرائيليّين أو صداقة، ويراهم طيّبين، ولا سيّما عندما يتعاملون مع السينما والكتّاب الإسرائيليّين والفنّانين، أو حتّى قطاع العلوم... وكأنّ هذه الشريحة لا تصوّت في الانتخابات، لحكومات تقوم بجرائم حرب!

 

فُسْحَة: شهدنا مؤخّرًا في فرنسا محاولة لربط اللاساميّة بنقد الصهيونيّة ونقد إسرائيل، هو ليس خطابًا جديدًا، ولطالما استعملته اللوبيّات الإسرائيليّة الصهيونيّة، لكن كانت محاولات تشريعيّة لذلك "لم تنجح"، وكان تصريح للرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، اعتبر أنّ اللاصهيونيّة لاساميّة. كيف تصفين الحالة العامّة لنشاط "حركة المقاطعة" و"حركة التضامن"، في ظلّ هذا الخطاب ومحاولات التجريم والتحجيم؟

ياعيلْ: للأسف الشديد؛ ماكرون ليس محقًّا، ولا أوافقه أبدًا، الأمر في نفس الوقت مركّب، ويجب الانتباه له؛ لأنّ في "حركة التضامن" أشخاصًا لاساميّين. في "حركة التضامن" أو "المقاطعة" ثمّة عشرات المجموعات، أحيانًا يعملون مع بعضهم بعضًا، وأحيانًا لا يعملون، ومنهم مَنْ برز يحمل خطابًا لاساميًّا... إلى درجة أنّه في أحد النشاطات، كنت أتحدّث على المنصّة فانسحبت؛ بسبب الأجواء اللاساميّة، بعد نقاش حصل معي أنا.

وثمّة من ناحية أخرى نشطاء مع "حركة التضامن"، وبالنسبة إليّ يتقاطعون مع الخطاب الصهيونيّ في الدولة اليهوديّة؛ من خلال تأييدهم لحلّ الدولتين لشعبين، مثل "الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ"، وتجدهم بمثابة المتديّنين تجاه فكرة الدولتين، كمعظم الأحزاب الشيوعيّة في العالم، وكالّذين لدينا في البلاد. إنّ فكرة الدولة اليهوديّة الّتي نرفضها، هي، أحيانًا، جزء من حلّ الدولتين لشعبين.

 

فُسْحَة: مَنْ هم هؤلاء اللاساميّون؟ أفرنسيّون؟

ياعيلْ: نعم، فرنسيّون. وثمّة لاساميّة جديدة في أوساط هامشيّة، في المجتمع العربيّ في أوروبّا، ولكنّ اللاساميّة التقليديّة ما زالت في أوروبّا، وهي موجودة في المجتمع الفرنسيّ لا العربيّ، وهي أعمق وأوسع، ليست موجودة بصفتها تمييزًا عنصريًّا، ولا يوجد تمييز عنصريّ ضدّ اليهود؛ فالتمييز العنصريّ في أوروبّا - وفرنسا تحديدًا – اليوم، ضدّ السود والمسلمين، وثمّة مَنْ يحيله إلى تمييز طبقيّ، ومَنْ يحيله إلى تمييز هويّاتيّ أو على أساس الاسم... مثلًا، في اللحظة الّتي تظهر وتتحدّث بصفتك فرنسيًّا علمانيًّا، يصبح التعامل مختلفًا... وهو شيء شبيه بالتعامل مع الشرقيّين في إسرائيل، لكن هذا موضوع آخر، بالإمكان الحديث عنه مطوّلًا.

 

خلال تظاهرة تضامنيّة مع غزّة في باريس

 

عندما تكونين محجّبة مثلًا، تظهر العنصريّة في الثقافة الفرنسيّة إلى حدّ كبير، مصحوبةً بعنف أحيانًا... ثمّة يمين متطرّف، ويسار علمانيّ متطرّف ضدّ الدين... لائكيّون.

ثمّة كوميديّ فرنسيّ مشهور جدًّا، اسمه ديادوني Dieudonné، يقدّم عروض "ستاند أب"، وكاتب مشهور اسمه آلان سورال Alain Soral، له فيديوهات على "اليوتيوب" حصدت ملايين المشاهدات، هذان الشخصان - على سبيل المثال - وهما ليسا مسلِمَين، أصبحا في مرحلة ما مؤيّدين للفلسطينيّين، ويلبسان "بلوزات" مكتوبًا عليها "الحرّيّة لفلسطين"، لكنّ خطابهما بأنّ اليهود يسيطرون على "بنوكنا" ووسائل إعلامنا، وأنّ السياسيّين أداة تابعة للصهيونيّة، خطاب لاساميّ قديم يستعملونه اليوم.

أنا شخصيًّا لم أعد أصف نفسي في فرنسا لاصهيونيّة، أنا أقول عندما يسألونني إنّني مع تنفيذ قيم الجمهوريّة في كلّ مكان، وتحقيق العدل والمساواة والحقوق، ولا أحبّذ التعريف أيضًا بأنّني مع فلسطين Pro Palestine؛ وذلك لأنّنا لسنا في لعبة كرة قدم وعلينا تشجيع فريق من الفريقين.

في الحالة الفلسطينيّة الإسرائيليّة، وأنا لا أحبّذ استخدام كلمة "صراع"، في حالة كسب أحد ما؛ فالجميع سوف يخسر. الوضع في إسرائيل يُظهر أنّه انتصار، لكن في الحقيقة هو مأساة فلسطينيّة، ويومًا ما إن كان ثمّة هزيمة لإسرائيل... فإسرائيل لن تختفي من الشرق الأوسط، دون أن تخرّب كلّ الشرق الأوسط معها. عندما يسألونني أقول: "أنا ضدّ الحكومات الإسرائيليّة وجهاز الدولة، لكن لست ضدّ الشعب الإسرائيليّ، أنا مع الشعبين، ونريد للجميع العيش بمساواة".

 

فُسْحَة: نقطة أخيرة في هذا الموضوع... نشهد - على صعيد الحراك العالميّ التضامنيّ مع فلسطين - حضورًا لليهود الّذين يعيشون خارج إسرائيل في هذا الحراك، وفي نفس الوقت، ثمّة نشاط يهوديّ من خارج إسرائيل، يعمل من أجل إسرائيل، ما قراءتك لهذين الحراكين؟ وأشير في هذا السياق، إلى ما أصدرته مؤخّرًا 40 مجموعة يهوديّة ناشطة حول العالم، من بيان أكّدوا فيه أنّ حركة المقاطعة لإسرائيل ليست لاساميّة ضدّ اليهود.

ياعيلْ: نشاط اليهود في الخارج المناصر لفلسطين مهمّ جدًّا، وله إسهاماته البارزة. هذا الحراك موجود أكثر في الولايات المتّحدة وإنجلترا، وهذا مهمّ هناك؛ لأنّ اليهود الأمريكيّين، تاريخيًّا، كانوا يدعمون سياسات إسرائيل، من غير أن يطرحوا أيّ أسئلة. أنبّه إلى أنّ اليهود في الولايات المتّحدة وإنجلترا تعرّضوا إلى تمييز عنصريّ بصفتهم أقلّيّة، حتّى سنوات الأربعينات والخمسينات، ولم يكن هذا التمييز يسيرًا؛ فمثلًا، وُجدت نوادٍ كان ممنوعًا على اليهود دخولها، وثمّة تمييز في الجامعات، إلخ... واليهود في أمريكا كانوا مع اليسار، مع "الحزب الديمقراطيّ"، مع أنّه ليس يسارًا حقيقيًّا، وكان لديهم دور في حركة إنهاء التمييز العنصريّ ضدّ السود، شارك فيها الشباب والحاخامات.

 

 

ما يجري اليوم يختلف عمّا جرى سابقًا؛ في السابق كانت إسرائيل تقول إنّ العرب هربوا عام 1948، هكذا علّموني في المدرسة على سبيل المثال، وعندما تزور أيّ قرية فلسطينيّة مهجّرة، كانوا يقولون إنّ ثمّة شيئًا تاريخيًّا لليهود هنا، أمّا اليوم، فإسرائيل توقّفت عن ذلك، و"يعترفون" بجرائمهم ويهدّدونك بالقول: "إذا بتكمّلوا هيك منعملّكو كمان نكبة". إنّ أكبر مثال على ذلك قانون القوميّة مؤخّرًا. لم تعد إسرائيل تهتمّ أن تَظهر مكانًا ديمقراطيًّا؛ وهذا جعل اليهود الأمريكيّين يشعرون فجأة بوجود شيء مختلف، ولا يريدون دعم إسرائيل.

ثمّة ثلاثة تيّارات بين اليهود: الأوّل داعم على الإطلاق لإسرائيل وللصهيونيّة، وهو التيّار المركزيّ في كثير من الدول، منها فرنسا، والثاني يؤيّد بقاء دولة إسرائيل، لكن مع إنهاء الاحتلال في الأراضي المحتلّة عام 1967، وإنهاء الصراع مع الفلسطينيّين من خلال دولة فلسطينيّة، وتطبيع العلاقات بالدول العربيّة، وهنا نجد مَنْ هو ضدّ الاحتلال قلقًا على صورة إسرائيل، من منطلقات ديمقراطيّة أو ليبراليّة، وتيّار ثالث لاصهيونيّ ما زال صغيرًا، ويتوسّع بين جيل الشباب يومًا بعد يوم، يؤمن بحلّ عادل يعيد الحقوق إلى الشعب الفلسطينيّ، على رأسها حقّ العودة، ومع فرض العقوبات على إسرائيل.

من التيّار الثالث نجد اليوم في الولايات المتّحدة حركة "صوت اليهود من أجل السلام" Jewish Voice for Peace، وهي حركة ناشطة بشكل كبير، ولديها فروع، ووجود في الجامعات، وتدعم خيار مقاطعة إسرائيل، نشاط هذه المجموعة مثلًا ممتاز؛ لأنّهم منظّمون بشكل جيّد، ومديرتها، ريفيكا فيلكوميرسن، شخصيّة ممتازة. تجد أيضًا شخصيّات يهوديّة، اندمجت بشكل كامل في المجتمعات الّتي تعيش فيها، لكن يهمّهم إبراز صوتهم يهودًا ضدّ الاحتلال، في ظلّ وجود يهود يبرزون أنفسهم مؤيّدين لإسرائيل، ويتصرّفون كسفراء لها.

في فرنسا، لم يعمل أحد بعمق بين اليهود، وغالبيّة اليهود هنا من أصل مغربيّ، ولهم أقارب وروابط في إسرائيل. الوضع مختلف تمامًا، ثمّة حالة واسعة من التديّن في هذه الأوساط، في المقابل ثمّة يهود نسوا تمامًا أنّهم يهود، واندمجوا بشكل كامل، ولا تهمّهم القضيّة. إنّ حالة اليهود في فرنسا بحاجة إلى المزيد من البحث والتحليل، كقضايا عديدة منها الهجرة، وعودة مظاهر اللاساميّة، وحصول عمليّات مسلّحة ضدّ اليهود في فرنسا، مثل ما قام به الشابّ الفرنسيّ محمّد مراح ضدّ مدرسة يهوديّة، قُتِل فيها أطفال ومدرّس عام 2012، وقُتِل أربعة أشخاص في عمليّة أخرى، حصلت في سوبرماركت يهوديّ "كاشير" (حلال) في باريس، بعد استهداف "صحيفة شارلي إيبدو" عام 2015.

 

 

ومع ذلك، وبعامّة، لا خطر هنا على اليهود، وما من تمييز عنصريّ، ورأينا في أثناء تجوالنا قبل قليل في الحيّ، العديد من اليهود المتديّنين يعتمرون الكيباه، ولا تشعر بأنّهم يخافون، والحيّ يقطنه العديد من المسلمين، ومع هذا، ففي الإعلام يتحدّثون كثيرًا عن خوف اليهود، في الأحياء الّتي يعيش فيها اليهود والمسلمون.

 

فُسْحَة: وما أفق هذا الحراك عالميًّا؟

ياعيلْ: رغم الحالة الّتي تدعو إلى التشاؤم، هذا الصوت مهمّ جدًّا، ولا سيّما في حراك مقاطعة إسرائيل. أنا واحدة من الّذين عملوا في البدايات على موضوع حراك المقاطعة، وأسّسنا مجموعة لأصحاب المواطَنة الإسرائيليّة؛ من أجل مقاطعة إسرائيل، أطلقنا عليها "مقاطعة من الداخل"، وفي أثناء التأسيس تواصلنا، واستشرنا حملة المقاطعة الوطنيّة الفلسطينيّة، وعمر البرغوثي، وكان ثمّة سؤال عن دورنا. ولاحقًا أصبحت "حركة المقاطعة" موجودة في مناطق أخرى حول العالم، وفهمنا أنّه في اللحظة الّتي يكون فيها يهود وإسرائيليّون في حراك المقاطعة؛ فهذا يساعد كثيرًا، وبخاصّة في تهم اللاساميّة الّتي توجّه بحقّ الناشطين، وفي اعتقادي ثمّة حالات معيّنة فيها لاساميّة كما ذكرتُ سابقًا، لكن لا يكون التعامل معها بشكل كافٍ، وهذا الأمر يمكن أن يعمل ضدّنا في حراك المقاطعة بشكل قويّ، وضدّنا مناصرين وفلسطينيّين. لا يكفي القول إنّ اللاصهيونيّة ليست لاساميّة... يجب أن يكون ثمّة وضوح أكثر.

 

فُسْحَة: دعينا نغادر فرنسا قليلًا، ونعود إلى نشاطك في فلسطين؛ أسّستِ دار نشر "الأندلس"، وهي أوّل دار نشر تترجم نصوصًا أدبيّة عربيّة إلى اللغة العبريّة. ما المختلف في "الأندلس" عن المبادرات الأخرى، الّتي تترجم الأدب العربيّ إلى العبريّة؟

ياعيلْ: ظهرت مبادرات في السابق قبل "دار الأندلس"، لكنّها أوّل دار نشر هذا غرضها، وأوّل تجربة تُقام بمسؤوليّة سياسيّة، وضدّ التطبيع، ودون التعاون مع مؤسّسات إسرائيليّة، وهذه كانت الفكرة الأساسيّة؛ أنّنا لا نريد التعاون مع صناديق إسرائيليّة، وفي نفس الوقت نعمل بشكل مهنيٍّ عالٍ؛ أي أنّ النصوص الّتي نترجمها لها قيمة ومستوًى أدبيّ، وفي نفس الوقت نسعى لكي تكون الترجمة جزءًا من المقاومة.

 

 

فُسْحَة: كيف تجلّى ذلك... وما أهمّيّة ترجمة الأدب العربيّ إلى العبريّة؟ هل ثمّة تأثير؟

ياعيلْ: أنا متأكّدة أنّه ثمّة تأثير طبعًا. على سبيل المثال، بعد ترجمة رواية "باب الشمس" للكاتب إلياس الخوري إلى العبريّة ونشرها، تواصل معي العشرات، وأبلغوني كم أثّرَت وغيّرت في حياتهم هذه الرواية! ثمّة شيء ما في الأدب والفنون، يستطيع الوصول عميقًا على صعيد العواطف والأحاسيس والتضامن، أكثر كثيرًا من الخطاب السياسيّ. ثمّة مجموعة من الشعراء اليهود تأثّروا بمحمود درويش؛ بفضل الترجمات الّتي قمنا بها لدواوين "لماذا تركت الحصان وحيدًا"، و"حالة حصار"، و"جداريّة".

 

فُسْحَة: أخبرتِني قبل بداية الحوار، بأنّ محمود درويش دعمكِ على هذه المبادرة، لكن في نفس الوقت، تعرّضت "دار الأندلس" إلى هجوم في الصحافة العربيّة بتهم التطبيع...

ياعيلْ: صحيح... محمود درويش، وإلياس خوري، ومحمّد شكري، وهدى بركات، وغيرهم. في نهاية المطاف، ثمّة 25 إصدارًا لـ "دار الأندلس" لكتّاب مختلفين، وكان بطبيعة الحال بموافقتهم. ما حصل عام 2001 أنّني هوجمت من بعض الكتّاب المصريّين، على أنّ "دار الأندلس" مشروع تطبيع. بدأ الهجوم بصحيفة "أخبار العرب" المصريّة، وكُتبت مئات المقالات بين مؤيّد ومعارض في الصحافة العربيّة، ومن المؤيّدين شخصيّات بارزة، منها إدوارد سعيد.

 

فُسْحَة: دار النشر اليوم متوقّفة عن العمل، كيف تقيّمين إنتاجها وأثرها؟

ياعيلْ: أوّلًا، من ناحية مادّيّة خسرنا كثيرًا من المال، كان عليّ أن أعمل سنوات عدّة لتسديد الديون، لكن ثمّة أثر مهمّ في اعتقادي. أحيانًا أفكّر: هل أنا نادمة على هذا المشروع، بعد كلّ هذا الجهد؟ محمود درويش كان يقول في العديد من المقابلات، إنّ الإسرائيليّ يقرؤه؛ إمّا حبًّا بالفلسطينيّين وإمّا يقرؤه عداوة له. لا توجد قراءة للنصّ الأدبيّ خارج السياق السياسيّ، وهذا ما حاولت تقديمه. أذكر مرّة أنّ الكاتب والصحافيّ جدعون ليفي اشترى 20 نسخة من "لماذا تركت الحصان وحيدًا"، وكان يوزّعها على معارفه، قلت لنفسي: "إذا كان جمهوري هو جدعون ليفي، فإذن وضعي بالويل".

لكن من ناحية أخرى، كانت فرصة لي للقاءات مع كتّاب من كلّ العالم العربيّ، حتّى الكتّاب المصريّون الّذين هاجموني تبدّل موقفهم، ودار حوار مثير معهم. أحيانًا أشعر بأنّي نادمة، ولا سيّما عندما أرى مبادرات أخرى تحدث هذه الأيّام، يتعاون القيّمون عليها مع المؤسّسة الإسرائيليّة؛ ترجمنا مثلًا للكاتبة والمناضلة الكنديّة اليهوديّة المعروفة نعومي كلاين، وكان سبب اختيارها "دار الأندلس"، لأنّها ترفض التعامل مع المؤسّسة الإسرائيليّة؛ ودعمًا للمقاطعة، وقالت ذلك في مقابلة معها؛ أي أنّها تقاطع إسرائيل، لكن ليس اليهود الإسرائيليّين واللغة العبريّة.

 

فُسْحَة: وهذا الخيار غير موجود اليوم؟

ياعيل: للأسف، غير موجود.

 

 

فُسْحَة: وما تقديرك لانتشار إصدارات "دار الأندلس"؟

ياعيلْ: أكثر الكتب نجاحًا كان رواية "باب الشمس"؛ إذ طبعنا قرابة 6 - 7 آلاف نسخة وهذه أسبقيّة. حصلنا مرّة على تمويل من الاتّحاد الأوروبّيّ؛ لتوزيع نسخ من كلّ إصدارات "دار الأندلس" على جميع المكتبات العامّة العبريّة، والمدارس الثانويّة في البلاد. تقديري أنّنا وصلنا أكثر من 20 ألف قارئ. لوحظ إقبال عالٍ على أعمال محمود درويش وطه محمّد علي، مع العلم أنّ الشعر بشكل عامّ لا يبيع. ثمّة شعراء يهود قاموا بحوار من خلال نصوصهم الشعريّة، مع نصوص شعريّة لمحمود درويش، وهذا لم يكن ليحدث لولا ترجمة "دار الأندلس"، لكن هذا كلّه في هوامش المجتمع الإسرائيليّ.

 

فُسْحَة: كنتِ من الأشخاص الّذين شاركوا في تأسيس "التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ" عام 1995، وفي السابق كنتِ في "حركة ميثاق المساواة"، ونشطتِ في التجمّع سنوات عديدة، وعملتِ مساعدة برلمانيّة لعزمي بشارة لمدّة أربع سنوات؛ ماذا تقولين عن هذه التجربة؟ وما مدى تأثير التجمّع داخل المجتمع اليهوديّ؟

ياعيلْ: تأسيس التجمّع كان من أهمّ الأشياء في حياتي، لا شكّ في أنّ مشروع التجمّع استطاع التغيير والتأثير بشكل كبير، من ناحية وعي ووجود وثقة بالنفس لجيلٍ كاملٍ. اليوم يقول كلّ واحد عن نفسه إنّه فلسطينيّ. وكلّ أفكار التجمّع كانت موجودة في "ميثاق المساواة"، وعزمي بشارة كتب الكثير في تلك المرحلة، ليس عزمي وحده، بل أيضًا مجموعة من المثقّفين كتبوا بنفس الروح والاتّجاهات، لكن كانت هذه الأفكار حبيسة بانتشار محدود. وجودنا في الكنيست واستعماله منصّةً، أسهم بشكل كبير في انتشار هذه الأفكار، حول دولة المواطنين والحكم الذاتيّ الثقافيّ للفلسطينيّين في إسرائيل، وهذا أيضًا أسهم في انتشار هذه الأفكار، داخل المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ، حيث كانت هذه الأفكار في السابق محدودة جدًّا.

أنا أدرت حملات انتخابيّة، منها حملة ترشّح عزمي بشارة لرئاسة الحكومة في إسرائيل عام 1999، وتمكّنّا من جمع 50 ألف توقيع لدعم الترشّح... وأنا أتحدّث عن 50 ألف توقيع جدّيّ... الناس تفاعلوا ووقّعوا. لا شكّ عندي في أنّه كان لهذا تأثير. أذكر عام 1996، عندما أقمنا قائمة مشتركة مع الجبهة والحزب الشيوعيّ، أذكر النقاشات الّتي كانت معهم، وتخوّفهم من استعمال مصطلحات من مثل "حكم ذاتيّ ثقافيّ" و"أقلّيّة فلسطينيّة"، بينما اليوم يتحدّث الجميع بخطاب التجمّع.

لطالما وُجِد يهود معادون للصهيونيّة في إسرائيل، وهم قلّة قليلة، منهم حركة "ماتْسْبينْ"، وكانت مكوّنة من 20 - 30 شخصًا، لكن بعد التجمّع توسّع المجال أكثر، وبالإمكان رصد ذلك؛ من خلال عدد الأصوات الّتي كان يحصل عليها الحزب في الانتخابات من اليهود، والّتي كانت تصل بالمئات. طبعًا هذا ليس كثيرًا، لكنّه أكثر من السابق، وكلّ ذلك في هامش المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ.

 

ياعيلْ في منزلها بباريس

 

قبل دخول التجمّع إلى الكنيست، كانت فعاليّات النوّاب العرب معظمها خطابيّة، وتخلو من العمل البرلمانيّ، اليوم تبدّلت الأمور، عزمي بشارة غيّر كثيرًا من منهجيّة العمل في البرلمان. قوانين بمبادرات التجمّع أصبحت اليوم من المفهوم ضمنًا، مثل تمثيل العرب في المؤسّسات الحكوميّة، لكن تواجهنا مشكلة أخرى؛ أيّ عرب يكونون هناك؟ وكيف يتصرّفون؟ من ناحية أخرى، تحدث أمور عجيبة، من جهة مجتمع إسرائيليّ عنصريّ، ومن جهة أخرى فإنّ اندماج العرب بالعمل أصبح أسهل. وهنا تظهر أهمّيّة التجمّع، وخطابه المتعلّق بالمواطنة من ناحية، والهويّة القوميّة من ناحية أخرى، وهنا أيضًا تأتي أهمّيّة القائمة المشتركة.

ثمّة قضايا لم ينجح فيها التجمّع، منها انتخاب لجنة المتابعة بشكل مباشر، وبعض القضايا الاجتماعيّة داخل المجتمع العربيّ، الّتي بحاجة إلى قراءة أعمق.

عدد الفقراء بازدياد، وشريحة واسعة دون أفق تجنح نحو المخدّرات والعنف، ومن ناحية أخرى نجد شريحة اندمجت - وأقصد مهنيًّا لا ثقافيًّا - ولها دورها ونجاحها؛ مثلًا لننظر إلى مدينة الناصرة، نجد شريحتين، منهم مَنْ يرسل أولاده إلى المدارس الأهليّة، ومنهم مَنْ يرسلهم إلى الحكوميّة. ثمّة أمراض في كلّ المجتمعات الفقيرة في العالم، وليس العنف شيئًا خاصًّا بالفلسطينيّين، مع الإشارة بالتأكيد إلى دور الشرطة الإسرائيليّة في الموضوع. ثمّة وضع عالميّ؛ ناس لديهم مال يصبح لديهم مال أكثر، وناس لا يوجد معهم يصبحون أفقر.

 

فُسْحَة: لكن لنتحدّث عن التجمّع اليوم؛ ثمّة مَنْ لم يعد يرى أنّ للتجمّع دورًا رياديًّا في المجتمع العربيّ، ومؤثّرًا كما في السابق، وأصبح مثل باقي الأحزاب. ما رأيك؟

ياعيلْ: التجمّع لديه "مشكلة" اسمها عزمي بشارة. عزمي بشارة كان الشخصيّة المركزيّة في الحزب، وليس فقط على صعيد فكريّ، إنّما قوّة تنظيميّة هائلة... وهذه الشخصيّات – عادة - تأتي مرّة واحدة في كلّ جيل أو مرحلة، إنّ هذا الشيء – للأسف - جعل الناس يخافون أن يأخذوا دور القيادة؛ لأنّه دائمًا بمكان ما في اللاوعي، يقارنون أنفسهم بعزمي بشارة، صحيح أنّه ما من شخصيّات بالقدرات الّتي يمتلكها عزمي، لكن إذا نظرت إلى الشخصيّات الموجودة في التجمّع، والأعضاء في اللجنة المركزيّة، وتقارنهم بآخرين من أحزاب أخرى عربيّة ويهوديّة؛ تجد فرقًا هائلًا، إنّ أغلب المفكّرين في البلاد "تجمّع"، ولدينا شخصيّات بارزة تتفوّق على أيّ أحد؛ انظر مثلًا كيف برزت الصديقة النائبة حنين زعبي محلّيًّا ودوليًّا، ولديها جرأة في التحدّي غير مسبوقة؛ لماذا لا تتوافر مبادرات جديدة داخل الحزب وإنتاج جديد؟

نتحدّث عن الـ BDS، ) Boycott, Divestment and Sanctionsحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها)، ما هي في نهاية المطاف؟ نحن ما زلنا في مرحلة الـB ، وقليلًا من الـ D، ولكن ليس الــ S. إذا عدنا إلى نموذج جنوب إفريقيا والنضال ضدّ الأبرتهايد، فنحن بحاجة إلى الـS ، فرض العقوبات، نحن بحاجة إلى الدول، ليس فقط في العالم الأوّل، بل دول ما يسمّى العالم الثالث، ولا سيّما أنّه أصبحت تربطها علاقات جيّدة بإسرائيل، مثل دول إفريقيّة عدّة. إسرائيل تبيع السلاح لدول كانت تبيعها أوروبّا سابقًا وتوقّفت؛ بسبب قضايا متعلّقة بحقوق الإنسان... وهذا موضوع آخر.

 

ياعيلْ في دور قصير بفيلم "عمر" لهاني أبو أسعد

 

لكن في هذا الموضوع، يستحقّ من الناشطين التفكير كيف العمل، إسرائيل دولة مجرمة ونعرف هذا، ودائمًا نتظاهر ضدّه؛ لكن في اعتقادي أنّ المظاهرات يجب أن تكون ضدّ الحكومات الأوروبّيّة، الّتي تربطها علاقات طبيعيّة بإسرائيل. يجب أن تكون المظاهرات مثلًا أمام السفارة الفرنسيّة، الّتي تدين على المستوى الرسميّ ممارسات إسرائيل، لكن تستمرّ معها في علاقات طبيعيّة، وبشكل أمتن من السابق.

وغير ذلك، أستغرب من تأييد ناس في التجمّع للنظام في سوريا، وكلّ النقاشات حول ذلك؛ الأمر الّذي يذكّرني بالعديد من الأحزاب اليساريّة التقليديّة في العالم، الّتي تؤيّد هي الأخرى النظام السوريّ؛ بحجج مواجهة الأمبرياليّة الأمريكيّة.

وثمّة أيضًا حالة يأس وإحباط عامّة، تسود الشارع.

 

فُسْحَة: يأس وإحباط من إمكانيّة التغيير؟

ياعيلْ: نعم، يأس من إمكانيّة التغيير، ولا سيّما بعد تغيير العديد من الأمور وتحقيقها. ثمّة شعور كأنّ هذا أقصى ما يمكن فعله، ووصلنا أبعد الحدود، لكن قد تكون المرحلة القادمة مختلفة؛ النائب جمال زحالقة، رئيس حزب التجمّع، تحدّث ودعا إلى إضراب فلسطينيّ عامّ بعد قانون القوميّة، وهذا أمر جدّ مهمّ، وهنا دور التجمّع. في السابق كان من الصعب الخروج بتصريحات ضدّ السلطة، عندما كان أبو عمّار تحت الحصار، إنّ الدور الرائد الممكن للتجمّع في المرحلة القادمة نضال فلسطينيّ مشترك ضدّ نظام الأبرتهايد، في كلّ فلسطين التاريخيّة؛ إذ لو نظرنا إلى كلّ فلسطين، لوجدنا أنّ إسرائيل هي الّتي تسيطر على كلّ شيء؛ من اقتصاد وحدود وأمن، وهي صاحبة السيادة. من الواضح أنّ النضال القادم، يجب أن يكون نضالًا مشتركًا؛ من أجل نظام واحد.

 

فُسْحَة: تقصدين بـ "نظام واحد" الدولة الواحدة؟

ياعيلْ: ممكن، مع أنّني لست ضدّ فكرة الدولتين أيضًا، شرط توافر المساواة للجميع... دولة مواطنة وليست دولة عنصريّة. في نفس الوقت، ثمّة تشاؤم من المستقبل، ولا سيّما ممّا نراه في اليمن واليرموك وإدلب، وأسئلة عن قدرة تأثيرنا... وفي نفس الوقت نلحظ تناقضات، أنا متأكّدة أنّه في حال قُدّر لنا العيش بعد سنوات، ومرّت تحدّيات التغيير المناخيّ على خير؛ سنرى جيل حكومات مختلفة، الجيل الشبابيّ في العالم اليوم ضدّ ترامب وسياسته، كما أنّ غالبيّة الشباب في بريطانيا صوّتوا ضدّ "البريكست"، وعندما نرى الأجواء الشبابيّة في العالم، الّذي أصبح مفتوحًا على بعضه بعضًا؛ نفكّر بشكل مختلف. إنّ العولمة، على الرغم من كلّ إشكاليّاتها؛ لها أشياء إيجابيّة على صعيد تواصل الناس، وسهولة الحركة، وإمكانيّة شعورك كأنّك في البيت خارج موطنك.

 

ياعيلْ (الثانية من اليمين) خلال أمسية تحتفي بالشاعر طه محمّد علي

 

حتمًا ثمّة خوف من المستقبل، وأنا لا أثق بالحكومات الإسرائيليّة؛ هؤلاء مجموعة مجرمين وحراميّة، ولا أثق بالأنظمة العربيّة، ولا سيّما ما تفعله السعوديّة في اليمن، وما نراه في سوريا. قد يكون الخطر انفجارًا كبيرًا قبل التغيير المنشود. يمكن إسرائيل أن تقدم على تفجير في إيران؛ فتنشأ حرب جدّيّة، وعلى طول تاريخ الصراع العربيّ الإسرائيليّ، كان عدد الضحايا العرب والفلسطينيّين أكثر من الإسرائيليّين... وطبعًا إسرائيل دولة نوويّة، وانفجار قنبلة في الحرم الشريف يؤدّي إلى تفجّر، الأمور جدّ هشّة، ويُحتمل أنّ استهدافًا إسرائيليًّا لإيران يتبعه ردّ إيرانيّ، قد يُشعل كلّ المنطقة، وهذا سيناريو وارد. إنّ كلّ النخب الإسرائيليّة، ولا سيّما العسكريّة، لها جنسيّات ومنازل في دول أخرى.

 

فُسْحَة: تقصدين احتمال أن يُشعلوا المنطقة ويغادروا؟

ياعيلْ: نعم، يخرّبون ويغادرون، وفكّر في كلّ الأسلحة الموجودة لديهم، السؤال: ماذا سيحدث قبل ذلك؟ انفجار؟ أو موجة جديدة من الثورات؟ أو داعش جديدة بشكل ما؟ أو حالة تقوم فيها إسرائيل على "ترانسفير" جديد والعالم سوف يسكت؟ أنا متأكّدة أنّ لديهم كلّ شيء جاهز، أو أنّ الوضع يبقى كما هو عشر سنين، أو عشرين، أو حتّى ثلاثين سنة أخرى. التغيير في السياسة العالميّة أمر مهمّ، ويعطي المجال لنضال مختلف. جزء من أهمّيّة "مشروع الأندلس" أو "مشروع التجمّع" إعطاء نماذج مشرقة للمستقبل، وهنا تكمن أهمّيّة الكتابة والفعاليّات الثقافيّة؛ هذا يفتح أفقًا معيّنًا للمستقبل.

 

فُسْحَة: بعد قانون القوميّة، ومع كلّ التحوّلات الجارية في المجتمع الإسرائيليّ نحو اليمين القوميّ الدينيّ، وسيطرة هذا التيّار على مناصب ومؤسّسات في إسرائيل قضائيًّا، وعسكريًّا، وسياسيًّا؛ وتحوّل الاستيطان الصهيونيّ في الضفّة الغربيّة إلى واقع وجغرافيا طبيعيّة. هل نحن ذاهبون إلى الأسوأ، رغم كلّ ما شهدناه من إسرائيل؟

ياعيلْ: لا شكّ في أنّ الوضع إلى الأسوأ، أن تقوم إسرائيل بمذبحة صغيرة في غزّة كلّ بضعة أشهر، وأخرى كبيرة كلّ بضع سنوات، والعالم يسكت، والمجتمع الإسرائيليّ متعايش مع ذلك ومؤيّد، طبعًا أسوأ. أمّا اليوم، فالمستوطنون هم المسيطرون؛ رئيس "الكنيست" مستوطن، قضاة في المحكمة العليا مستوطنون... تجري عمليّة تطبيع للاستيطان غير مسبوقة. ثمّة نخب يهوديّة تترك إسرائيل في ظلّ هذه الأجواء، وعدد من أصدقائي الفلسطينيّين تركوا، ويعيشون في أوروبّا، ورأينا أيضًا في باريس مجموعة كبيرة من النخب السوريّة... الإبداع المهمّ في العالم العربيّ يأتي إلى أوروبّا، أو دول أخرى، وهذا أيضًا مرتبط بتحوّلات عالميّة.

لكن، على الرغم من كلّ الصورة القاتمة في إسرائيل، ثمّة أمور تجعلك تفكّر بشكل مختلف أحيانًا، في ظلّ التحوّلات العالميّة؛ مثلًا تذهب إلى تل أبيب، وترى حجم العرب الّذين يعملون هناك أو في حيفا، وطبيعة العلاقات الموجودة بين العرب واليهود، أو عندما تزور مستشفًى ترى أنّ الناس يعملون مع بعضهم بعضًا بشكل طبيعيّ، وقد يصبحون أصدقاء، ثمّة جيل شبابيّ عند اليهود والعرب لديهم نفس الاهتمامات، ويلبسون نفس "الماركات"، ويستمعون لنفس الموسيقى العالميّة، يحبّون نفس المسلسلات الشهيرة، ويسافرون إلى نفس الأماكن السياحيّة، وأنا لا أتحدّث عن تعايش، بل عن انعكاسات العولمة. صحيح أنّهم سرقوا الأكل الفلسطينيّ، لكن ثمّة مَنْ يعرضه على أنّه طعام فلسطينيّ، ويتحدّث عنه بشكل إيجابيّ.

 

فُسْحَة: لكن تعامل كهذا مع "فلسطينيّ" يكون كفلكلور...

ياعيلْ: ممكن... أنا في رأيي أكثر من فلكلور، لكن مثلما ذكرت لكَ سابقًا، ثمّة مليون تناقض نعيشه في الحياة اليوميّة. مثلًا، تريد ميري ريغيف إغلاق "مسرح الميدان"، لكن هي نفسها تتحدّث عن أهمّيّة الثقافة الشرقيّة في إسرائيل، وضرورة ظهورها، وفجأة، أصبح ثمّة تدريس مختلف للثقافة العربيّة في الجامعات الإسرائيليّة. في أيّ زفاف لدى اليهود اليوم، تجدهم يضعون أغاني عربيّة، وهذا لم يكن قبل 25 سنة، وهذا لا يقول إنّ الناس سوف يصوّتون للقائمة المشتركة... لكن ثمّة تناقضات في المجتمع متعلّقة بالاستهلاك والانفتاح، وليس كلّ شيء متعلّقًا بالاستعمار مباشرة.

 

فُسْحَة: أسألك أخيرًا عن اهتماماتك هنا في فرنسا، وعملك، والقراءات الّتي تنشغلين بها...

ياعيلْ: في الفترة الأخيرة، تتركّز اهتماماتي على فهم المجتمع الفرنسيّ والأوروبّيّ بشكل أعمق. أهتمّ بما يحصل هنا، ورغم كلّ ما قلته؛ لست متشائمة إلى درجة أنّني لا أريد أن أفعل شيئًا... ثمّة نشاطات تجري. ليس لديّ وظيفة أُداوم فيها وأعمل بشكل حرّ. تشغلني قضايا الهجرة ورفض الهجرة عند أوساط معيّنة، والعلاقات بين اليهود والعرب في فرنسا، وقضايا العنصريّة. أتابع أيضًا الشأن السياسيّ، وعلى سبيل المثال، أتساءل عن سبب وجود عرب، وأفارقة أصحاب البشرة السوداء، ويهود فرنسيّين، مع حزب ماري لوبان العنصريّ ذي الجذور النازيّة. أقرأ لكتّاب من الجيلين الثاني والثالث للهجرة المغربيّة إلى فرنسا، وأشياء متعلّقة بهويّة فرنسا الجديدة.

 

*****

 

بطاقة تعريف:

ياعيل ليرِرْ، من مواليد مدينة تل أبيب، مؤسِّسة "دار الأندلس للنشر"، المستقلّة والمتخصّصة في ترجمة الأدب العربيّ إلى العبريّة، وهي من المساهمين في تأسيس حزب "التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ"، ومتحدّثة سابقة باسم المفكّر الفلسطينيّ والنائب السابق عزمي بشارة.

تنشط ياعيلْ منذ فترة طويلة في حركات العدالة، والمساواة، والتغيير السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وتقيم وتعمل منذ عام 2010 في باريس، باحثةً مستقلّة وناشرة ومترجمة.

ظهرت مرّات عدّة في وسائل الإعلام؛ للتعليق على قضايا سياسيّة، ولها أدوار صغيرة في السينما الفلسطينيّة.

ترجمت إلى العبريّة؛ من خلال عملها في "دار الأندلس للنشر"، أعمال كلٍّ من محمود درويش، وإلياس خوري، وهدى بركات، وحنان الشيخ، والطيّب صالح، ومحمّد شكري، ومحمّد برادة، وجبرا إبراهيم جبرا، وسيرين الحسيني شهيد، وطه محمّد علي.

 

 

ربيع عيد

 

صحافيّ فلسطينيّ، كاتب وعضو طاقم في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على البكالوريوس في  العلوم السياسيّة من جامعة حيفا، والماجستير في الإعلام والدراسات الثقافيّة من معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

 

 

تعليقات Facebook