مصائر الفاعلين والضحايا في تأمّلات حسن خضر

حسن خضر

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

"تأمّلات في عالم متغيّر"

إن كانت الطريق إلى الحقيقة، محفوفة بالمخاطر والالتباسات، فمردّ ذلك أنّ مكان الحقيقة ومكانتها قد أُخليا بفعل فاعل، لصالح الزيف في مجتمع الفرجة، كما يصوّره المفكّر الفرنسيّ جي ديبور، في كتابه "مجتمع الاستعراض" (1967)، وهذا ما يشكّل بنية فوقيّة انعكاسيّة لبنية تحتيّة بالمعنى الماركسيّ الكلاسيكيّ، في "إمبراطوريّة مأزومة"، وفق تأمّلات حسن خضر في عالم متغيّر، راح يبحث فيه عن مصائر الفاعلين والضحايا.

يُعَدّ الكاتب والباحث والمترجم الفلسطينيّ حسن خضر، رئيس تحرير فصليّة "الكرمل الجديد"، ورئيس قسم الشؤون الإسرائيليّة في "مركز التخطيط الفلسطينيّ" في تونس ما بين الأعوام 1983 – 1993، يُعَدّ أحد أهمّ الأسماء الّتي تتناول الشأنَين الفكريّ والثقافيّ في الساحة الفلسطينيّة، وهو مَنْ تشكّلت تجربته العميقة من خلال عمله الطويل إلى جوار الشاعر الراحل محمود درويش، فضلًا عن عمله في الشأن الثقافيّ منذ انخراطه في الثورة الفلسطينيّة، وتخصّصه في مجال الترجمة من اللغتين الإنجليزيّة والعبريّة على وجه الخصوص، فكان أن ترجم لأحد أهمّ مَنْ يُعرفون بـ "المؤرّخين الجدد" في الأوساط الإسرائيليّة، يسرائيل شاحاك، كتابه المعنون بـ "الديانة اليهوديّة وموقفها من غير اليهود 1994".

وعلى الرغم من الصبغة التأمّليّة الّتي صبغها خضر على مطارحاته الفكريّة، نراه يقدّم للقارئ معالجات واعية لعديد من التناقضات في "الشخص والظاهرة"، كتناقض المعرفة والسلطة، والتجارة والدين، والمال والقرار، والدكتاتوريّة المتجمّلة والديمقراطيّة القبيحة

ولعلّ عنوان "تأمّلات في عالم متغيّر"، وهو عنوان لسلسلة مقالات متّصلة يقدّمها خضر في زاويته "نقطة ضوء"، عبر صحيفة "الأيّام" الفلسطينيّة، لعلّه من أكثر العناوين الّتي تُبدي أهمّيّة خاصّة للبعد الفكريّ، في التحوّلات الّتي تمسّ بمنظومة العلاقة المتأصّلة بين "الدين والدولة"، تحديدًا في السياسة الأمريكيّة، ومن خلفها أو أمامها السياسة الأوروبّيّة، وتأثيرات هذه التحوّلات في منظومة العلاقات الدوليّة بشكل عامّ، والقضايا ذات الأبعاد القوميّة والعرقيّة والإثنيّة بشكل خاصّ، وأهمّها وأعقدها القضيّة الفلسطينيّة؛ ومن هنا تأتي أهمّيّة توقّفنا أمام هذه التأمّلات، وما تطرحه من تصوّرات فكريّة وثقافيّة.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

الشخص والظاهرة

ولأنّ التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، أنتجت وفق ديبور "عالمًا مقلوبًا واقعيًّا رأسًا على عقب، أصبح ما هو حقيقيّ وواقعيّ لحظة من لحظات ما هو وهميّ وزائف"، سنجد خضر يحاول تفكيك الالتباس بين الحقيقيّ والزائف، في لحظة حاسمة من تاريخ الفوضى - إن صحّ التعبير - الّتي أدّت إلى اختلاط كلّ شيء، من خلال مقاربة تفرضها الحاجة بين "الشخص والظاهرة"، بالإشارة إلى شخصيّة دونالد ترامب ونسخه المشوّهة في أوروبّا، الّتي شهدت صعودًا شبه جماعيّ للشعبويّة إلى سدّة الحكم.

وتأتي هذه المقاربة كما يقول خضر: "بقدر ما في الاثنين ‘الشخص والظاهرة‘ ممّا يُفسّر معنى إمبراطوريّة في أزمة، وما يوفّر مشهدًا لا تعوزه المأساويّة لوصول مجتمع الفرجة إلى مرحلة، لا نعرف إن كانت أعلى مراحل الإمبرياليّة، بوصفها أعلى مراحل الرأسماليّة، حسب لينين، أو كان بعدها ما هو أكثر بشاعة ومأساويّة منها".

والجديد الّذي يُشير إليه خضر، تكمن خطورته الأساسيّة في ما يمكن وصفه بعلاقة "الدين بالسياسة" في أمريكا نموذجًا، وتعبيرات سيطرة منهج "علم الاجتماع الدينيّ" على منهج "العلوم السياسيّة" - رغم الطابع العلمانيّ المميّز للمجتمع الأمريكيّ

وعلى الرغم من الصبغة التأمّليّة الّتي صبغها خضر على مطارحاته الفكريّة، نراه يقدّم للقارئ معالجات واعية لعديد من التناقضات في "الشخص والظاهرة"، كتناقض المعرفة والسلطة، والتجارة والدين، والمال والقرار، والدكتاتوريّة المتجمّلة والديمقراطيّة القبيحة، إلى آخره من ثنائيّات محرّكة لفعل التغيير الّذي يجتاح هذا العالم، وهو ما عبّر عنه الكاتب بالقول: "الفرق، الّذي لن ينكره أحد حتّى أصحاب ‘مدرسة الواقعيّة السياسيّة‘، أنّ الانفصال، وإن بدا فعليًّا وواقعيًّا تمامًا، في جوهر الفعل السياسيّ، وما يستدعي من أدوات القوّة، في كلّ حروب التوسّع والفتح، كان حريصًا على تجميل صورته، والتخفّي وراء قيم من نوع ما: عبء الرجل الأبيض، القدر المُتجلّي، إكراهات الجغرافيا السياسيّة، أو الديمقراطيّة وحقوق الإنسان. بينما يتجلّى الانفصال في حالة ترامب، الشخص والظاهرة، بطريقة عارية، وسافرة، وساخرة، وبذيئة تمامًا".

 

لحظة الفوران

خضر الّذي يعي تمامًا أنّ الممارسة السياسيّة، إنّما هي تعبير عن فكر يُعَدّ بشكل أو بآخر انعكاسًا لواقع ما، مهما كان غائرًا في التوحّش، أو مختفيًا في رداء المقدّس، لم يُنشِئ حالة قطيعة مع التاريخ، لكنّه ذهب يطرح في الجزء الأوّل من معالجته الفكريّة، الصلة الوثيقة بين "القديم الّذي لم يمضِ تمامًا، والجديد الّذي لمّا يُولد بعد" وفق تعبير غرامشي، ليقدّم لنا في الجزء الثاني ما وصفه بـ "الروافع الثلاث" الّتي أدّت إلى هذا التحوّل العميق في السياسة الدوليّة، ولخّصها في "الخوف، والكراهية، والجنون القياميّ".

والجديد الّذي يُشير إليه خضر، تكمن خطورته الأساسيّة في ما يمكن وصفه بعلاقة "الدين بالسياسة" في أمريكا نموذجًا، وتعبيرات سيطرة منهج "علم الاجتماع الدينيّ" على منهج "العلوم السياسيّة" - رغم الطابع العلمانيّ المميّز للمجتمع الأمريكيّ - فأتاح الفرصة للتيّار الأصوليّ المتطرّف، وأبرزه تيّار البروتستانتيّة المسيحيّة المؤمنة بالخلاص القياميّ، ليصبح أداة فاعلة في تحديد السياسة الأمريكيّة الداخليّة والخارجيّة، وهو خطر قديم لم يتخلّص منه المجتمع الأمريكيّ تمامًا، وهو جديد أيضًا لمّا يفرض سيطرته الكاملة بعد.

بالنظر إلى هذه المآلات في زمن هيمنة الصورة، وهندسة الجغرافيا، والمصائر؛ فإنّ هذا التصوّر القائم على تفسير التيه واللامعنى، لحظة اشتباكه مع التفاصيل الزمانيّة والمكانيّة، ولأنّه خاضع لتأويل معايير القياس المعرفيّة، يتناوله خضر بمبضع جرّاح...

أمّا القديم في الأمر فأنّ هذا التيّار الأصوليّ العائد إلى صدارة المشهد، إنّما وجد حاضنات سياسيّة له في عهود مبكّرة، كان أبرزها وفق الباحث والسياسيّ الإيطاليّ فوريو كولومبو، في كتابه "إله أمريكا... الدين والسياسة في الولايات المتّحدة" (2019)، ما يُسمّى بـ "لحظة الفوران المبكّرة في علاقة الدين بالسياسة، مع عقدَي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي".

الغريب في الأمر، وقد لا يكون غريبًا تمامًا، أنّ الفارق الزمنيّ بين "لحظة الفوران" الّتي يُشير إليها كولومبو، ولحظة صعود التيّار الشعبويّ المتمثّل في انتخاب ترامب للرئاسة الأمريكيّة، شهد وصول رئيس أمريكيّ من أصول أفريقيّة، الرئيس أوباما، إلى سدّة حكم البيت الأبيض، في عمليّة ديمقراطيّة شفّافة بدعم ملحوظ من شرائح واسعة من البيض، بدت للوهلة الأولى، عامل إذابة للجليد المتراكم في الموضوع العرقيّ المتجلّي في تعريف الـ "نحن" والـ "هم". على الرغم من حقيقة أنّ أصحاب البشرة السوداء، من المكوّنات الأساسيّة في تركيبة المجتمع الأمريكيّ.

 

مبضع الجرّاح

ما يُطرح علينا وعلى خضر، العديد من الأسئلة، من مثل: ما الّذي حدث في هذا الفارق الزمنيّ؟ وكيف وصل المجتمع الأمريكيّ إلى لحظة كسر الجليد ومن ثَمّ تراجع؟ وهل للتحوّلات الدينيّة العميقة الّتي حدثت في الشرق الأوسط من أثرٍ في المشهدين الأمريكيّ والأوروبّيّ؟ والأهمّ: ما الرابط بين هذه التحوّلات الأمريكيّة خاصّة، والغربيّة عامّة، وبين الكيان الإسرائيليّ؟ هل أدّى الأخير دورًا في هذا الارتداد الّذي شهدته أمريكا؟

هكذا، وبالنظر إلى هذه المآلات في زمن هيمنة الصورة، وهندسة الجغرافيا، والمصائر؛ فإنّ هذا التصوّر القائم على تفسير التيه واللامعنى، لحظة اشتباكه مع التفاصيل الزمانيّة والمكانيّة، ولأنّه خاضع لتأويل معايير القياس المعرفيّة، يتناوله خضر بمبضع جرّاح لـ "العمليّات الفكريّة"، ليتفحّص شخصيّة ترامب الظاهرة الّتي "يعتقد الإنجيليّون أنّه - رغم عيوبه الفاضحة - هو ‘أداة الربّ‘ الأكثر جاذبيّة في التنافس مع آخرين، على ما يليق بأمريكا المسيحيّة البيضاء، الخائفة، والمسكونة بالكراهية، من امتيازات في عالم تعولم فتغيّر".

إنّ ما يقدّمه حسن خضر وأمثاله، بما يتضمّن من أفكار وتصوّرات، إنّما يُعَدّ بصيص أمل، يمكننا الاتّكاء عليه في سياق بحثنا الدؤوب عن مصائر الفاعلين والضحايا

خلاصة القول، وانطلاقًا من مبدأ أنّ المعرفة مفتاح الحقيقة؛ لا بدّ من أن نُشير إلى أنّنا، وفي ظلّ هذا الانفتاح التكنولوجيّ المُفرَغ من أيّ مضامين عليا، حيث حالة التوالد والتناسخ والتناسل آخذة في التنامي؛ فإنّ ما يقدّمه حسن خضر وأمثاله، بما يتضمّن من أفكار وتصوّرات، إنّما يُعَدّ بصيص أمل، يمكننا الاتّكاء عليه في سياق بحثنا الدؤوب عن مصائر الفاعلين والضحايا، في ظلّ هذه التحوّلات الكبرى، الّتي جعلت من هذا العالم عالمًا متغيّرًا، في زمن ما بعد الحقيقة.

 

 

أحمد زكارنة

 

 

 

شاعر وإعلاميّ يقيم في رام الله. يعمل في إذاعة "صوت فلسطين"، ويرأس تحرير موقع "اليوم الثامن"، كما عمل سابقًا مستشار تحرير في "صحيفة الحدث". له مجموعة شعريّة بعنوان "ما لم أكنه" (2017).

 

 

تعليقات Facebook