أنت تطلب الإذن لتقييد نفسك

للمصوّرة Andrea O'Reilly

 

مشهد أوّل

لا أعرف إن كان هو العمر ونضوج تجربة الحياة، أم العزل واختمار تجربة الأسر، فالعمر والأسر فيَّ مترادفان، أم أنّ كليهما قادني لأُفْرَغَ من الأنا بعد أن التقيتُ بالنرجسيّة التي ما كنتُ أعرفها إلّا من خلال النرجسيّين، وليس ثمّة أكثر من الشعراء نرجسيّة، فلا تُفْرَغُ ذات لا تدركها، إذ الفراغ لا يُفرغ إلّا إذا أدركناه فراغًا، وإفراغ الفراغ ملء، والذات إناء للنرجسيّة، وهي ذات الذات التي لا تُدرك إلّا إذا صقلتَ زجاج روحك ومسحتَ عنها سنًّا كانت قد تراكمت جرّاء احتراق معارف فيك. وبقدر ما يضيء فيك هذا الاحتراق نورًا، يراكم على زجاج الروح سوادًا يحجب النور.

قلتُ إنّني صقلتُ زجاج روحي وأتحتُ للنور أن يعبرني، تقشّرتُ من جسدي الذي خرجتُ منه وتأمّلتُني، كنتُ المشاهد والمشهد، الذات والموضوع في الوقت نفسه. لم أكن أنا، لكنّني لم أكن الآخر، أو كنتُ في الحقيقة اللا-أنا... كنتُ في الحقيقة اللا-أنا حتّى تمكّنتُ من التسلّل بين الأنا واللا-أنا والتقيتُ بروحي.

 

مشهد ثانٍ

ظلّي ينعكس على جدار ساحة السجن، كان حجمه طبيعيًّا بداية، فاعتقدتُ أنّ شخصًا آخر يسير إلى جانبي، وسعدتُ بأنّ لي شريكًا في المسير. سرّعتُ خطواتي فسرّع ظلّي خطواته هو الآخر، كأنّي بذلك أردتُ التأكّد إن كان هذا ظلًّا أم شريكًا حقيقيًّا لسيري. محاولة للتمسّك بشيء، حتّى وإن كان ظلًّا. أردتُ التيقّن بأنّي لستُ تائهًا بين ستائر الوهم، فهززتُها، وفي الوقت نفسه قلتُ لنفسي: "وإن كان هذيانًا... يمكنه أن يكون شريكًا أقاسمه العزلة". تحوّل الظلّ لظلّ طفل يسير إلى جانبي بخطوات كخطواتي، اقتربتُ منه كثيرًا أحاول ملامسته وأن أداعب رأسه، شدّ من خطاه حتّى ابتعد عنّي قليلًا، ثمّ التفتَ إليّ وقال:

"من أنتَ؟ أنا لا أعرفك".

تعرّفتُ إلى الصوت، فالنبرة ما زالت نفسها. أعادني إلى الوراء خمسين عامًا، كأنّه لم يمرّ علينا كلّ هذا الزمن الطويل. اشتقتُ إليه، أردتُ أن أعانقه وأن أطلب منه المعذرة، عسى أن يسامحني، قلتُ والدموع تخنقني: "أنا... أنا هو أنت أو أنت هو أنا".

"أنا لا أريد أن أعرفك"، قال وأجهش بالبكاء، "أنت لست أنا، ما الذي فعلتَه بي؟ أين أحلامنا. ماذا فعلتَ بها؟ أحلامي ليست ما أنت عليه، ليس هكذا أردتُ أن أكون، ليس هذا ما حلمتُ به، أين هي الحقول الخضراء الشاسعة التي تمتزج في أفقها خضرة الأرض بزرقة السماء، أين هي الخيول التي وعدتَني بأن تطلقها لتسابق الريح عدوًا نحو المدى؟ والبحر؟ أين هو البحر الذي أقسمتَ أن تصل إليه؟ لماذا قتلتَ الطفل الذي فيك؟ والطيبة والبراءة التي كنتَ عليها؟ لماذا تركتَني وحيدًا؟"

"لا لم أنس شيئًا، ولم أتنازل عن شيء، وكلّ ما وعدتُك به موجود هنا، في رأسي". أجبتُه ورسمتُ له على جدار باحة السجن من مخيّلتي مساحات خضرة، وموجات بحر قصيرة، بالكاد تلامس الشاطئ.

"كفى... كفى"، صاح في وجهي، "كفاك رسمًا لما لا يمكنك تحقيقه". وشرع بمحو ما رسمته على الحائط.

"هذه أوهام يرسمها عقلك المحموم". قال ثمّ واصل حديثه: "لقد سبق واخترتَ طريقك، وطريقك قادتك إلى هنا، إلى العزلة والسجن، عليك أن تتوقّف عن مثل هذه الأحلام، فأنت تعاود مرّة أخرى لتعذّبني بأحلامك".

"أنت حتّى الآن لم تستوعب الفكرة... ما تسمّيه ’اختيارًا لطريق’، هو في الحقيقة مصير".

ردّ بحزم: "الأيديولوجيا ليست قدرًا، إنّما اختيار".

"لكنّني لم أقل ’قدرًا’، إنّما ’مصير’، وثمّة فرق بين المصير والقدر، وعلى كل حالّ، الأيديولوجيا وهم... وهم يصنعه العقل البشريّ لغرض خلق توازن بين الإدراك والواقع، بين الحلم والحقيقة. خدعة، لكنّها خدعة ضروريّة للحفاظ على التوازن العقليّ والنفسيّ، تمامًا كالجنّة والمجتمع الطوباويّ والحياة بعد الموت، فهذه جميعًا ضرورات. تخيّل لو أنّها غير موجودة في المخيال الإنسانيّ، لكان الكثير من الأشقياء في هذه الدنيا انتحروا".

"إذًا فأنت مجرّد خدعة، اخترتَ خدعة، هذا هو أنت... وهم، مجرّد خدعة كاذبة".

في هذه اللحظة جلستُ القرفصاء أمام الجدار، كأنّني أشاهد شاشة تلفاز أو عرضًا مونولوﭼﯿًّﺎ لطفل هيبر أﻛﺘﯿﭫ لا يكفّ عن الحركة، يدقّ الأرض بقدميه كلّما أراد التأكيد على كلمة مستخدمًا يديه في الحديث حتّى يوضح لي فكرته ويبيّن لي خطئي. كنتُ أراقبه بإعجاب وبحبّ شديدين، وأردتُ أن أشرح له موقفي من دون أن أتسبّب له بالألم، لكن لا مفرّ من الألم حين ننبش خبايا الروح.

قلتُ: "أنا كما أنا... أنت الذي خلقتَني؛ عقلك، وسذاجتُك، والألم الذي مررتَ به هم الذين شكّلوني، وإذا كنتَ تتحدّث عن الاختيار، إذًا، فأنا اختيارك".

"هل أنت مدرك لما تقول؟ أنت الآن تتّهمني... كيف يمكن لطفل أن يحدّد مصير إنسان بالغ؟"

"أنا... أنا لا أتّهمك، إنّما أحاول أن أقدّم لك تفسيرًا... نعم، إنّ ما يمرّ به الطفل من تجارب تحدّد مصيره سلبًا وإيجابًا. كرجل بالغ، منذ أن شاهدتَ ما شاهدتَ، ومنذ أن مررتَ بما مررتَ به من تجارب، تحدّد مصيري... هل تذكر رجاء أبي للجنود عند الحاجز عندما لم يكفّوا عن الضحك والسخرية من ملابسه الداخليّة بعد أن أجبروه على إنزال بنطاله أثناء التفتيش؟ أتذكر عجزه ونظراته المكسورة كلّما كانت تلتقي نظراتنا؟ وأمّي... هل تذكر حين صعدتْ إلى الباص بثوبها الفلّاحيّ في طريقها إلى العمل في ’كفار سابا’، وتلك النظرات تلاحقها وتنغرس بجسدها لتفتّشه وتعرّيه كما لو كانت جسمًا مشبوهًا؟ هل تذكر كيف أرخيتَ إمساكك بطرف ثوبها حين شعرتَ بالخوف وأحسستَ بأنّها ليست مصدرًا يثير بك الأمان، إنّما سبب يستدعي نظرات الآخرين الفاحصة، وكأنّك أردتَ التبرّؤ منها حين لم تعد قادرًا على احتواء كلّ هذا الألم وتفسيره؟ وهل تذكر عندما كبرتَ قليلًا واصطحبك الوالد معه إلى المدينة الكبيرة بسيّارة شلومي، الذي أجلس في الكابين إلى جانبه كلبه، بينما ألقى بنا في صندوق السيّارة من الخلف... وحين سألتَ الوالد لماذا الكلب في الكابين ونحن في الخلف، لم يجبك وطأطأ رأسه وعيونه منطفئة مكسورة... هل تذكر؟ هناك... هناك... في تلك اللحظات تشكّل وعيي وتحدّد مصيري... هناك عندما دخلتَ المطعم لأوّل مرّة ليس من الباب الرئيسيّ، إنّما من الفناء والباب الخلفيّ كي تساعد في مصاريف حياة الأسرة، وحين لم تصل بقامتِك الطفوليّة حوض غسل الصحون، أحضروا لك صندوق مشروبات كي تؤدّي عمل البالغين بطول مصطنع. وفي الليل... في الليل نمتَ في علّيّة المطعم الذي أغلق شلومي بابه بالقفل من الخارج، وبدل أن تأوي إلى فراشك بقيتَ تراقب من خلف القضبان أضواء المدينة الكبيرة، والعائلات، وأطفالها الذين بدوا جميعًا كأنّهم استحمّوا قبل قليل، وهم يتناولون البوظة.

«كفى... كفى..." صاح ظلّي، "كفى... لا يمكنك أن تواصل نبش ذاكرتي وإيلامي، فهذا ليس سببًا كافيًا كي تتنازل عن الطيبة فيك، عن الطهارة والبراءة... هذا جوهر روح الإنسان قبل أن يتغطّى بطبقات وانتماءات وهويّات مختلفة".

"طيبة وسجن؟" تساءلتُ باستغراب... "هذا مستحيل... لا يمكنني أن أحافظ عليك. الطيبة وبراءتك أوّل الأشياء التي يصادرونها منك عند بوّابة السجن، قبل اسمك وفردانيّتِك وبعض ملابسك وأشيائك القليلة التي تحبّ".

 

مشهد ثالث

في هذه اللحظة انفتح باب الباحة الذي كنتُ قد دخلتُ منه للنزهة الشمسيّة. وقف بالباب هناك سجّان في الثامنة عشرة من عمره، صاح وهو يحمل في يده قيودًا: "انتهى وقت الباحة الشمسيّة". اقتربتُ بسرعة من الحائط كي أمحو ظلّ الطفل، لكنّه قاومني وأمسك ذراعي ومنعني من محوه، ثمّ قفز داخلي. لذتُ بالصمت وأخفيتُه بي، حاولتُ ألّا أثير شكوك السجّان الذي مددتُ له معصمي ليكبّلني، ثمّ سألتُه: "كم تبلغ من العمر؟"

لقد بدا يافعًا، جسدًا هزيلًا ووجهًا رفيعًا، في آخر ذقنه بضع شعيرات. نظر إليّ بنظرة موبّخة ولم يجب. قال لي بعيونه: "هذا أمر لا يعنيك". واصلتُ الحديث من دون أن أعير صمته والجوّ الذي نشأ جرّاء الكلمات التي قالها أيّ اهتمام، كأنّني أواصل حديثًا آخر: "أنت مثلي... السجّان ينشئ سجينًا على شاكلة مخاوفه، كلانا بمعزل عن الأزاميل التي بحوزتنا وكم هي مدبّبة، ينحتُ الواحد الآخر على شاكلتِه، أنا وأنت، النحّات والمنحوت، أنت تنظر إليّ وترى نفسك، وتخشى أن أهرب كما لو كنتُ تمثال دِدِلوس، لهذا تريد أن تضع في معصمي مزيدًا من القيود، حتّى لا أحلّ مكانك وأصبح الضحيّة، لكنّني أريد أن أحرّرك من قيودك".

يأخذ السجّان جهاز الاتّصال من وسطه ويتحدّث إلى مركز القيادة: "يبدو أنّ السجين عاد ليهذي مجدّدًا، أطلب إذنًا بتقييده في السرير وتصنيفه سجينًا خطيرًا يتطلّب المراقبة الدائمة... انتهى".

ابتسمتُ وقلتُ له بحزن: "مرّة أخرى أنت لا تدرك ما أقول، أنت في واقع الأمر تطلب الإذن لتقييد نفسك".

 

وليد دقّة

 

أسير سياسيّ في معتقلات الاحتلال الإسرائيليّ منذ عام 1984. حاصل على درجتي ماجستير في العلوم السياسيّة والدراسات الديمقراطيّة في معتقله، حيث يعمل في مهنة التدريس أيضًا. له كتاب بعنوان "صهر الوعي: أو إعادة في تعريف التعذيب" (2010). كتب مسرحيّة بعنوان "الزمن الموازي"، تتناول جانبًا من حياته في الأسر، أعدّها وأخرجها بشّار مرقص.

 

تعليقات Facebook