الشلاتي الأزعر القبضاي والثائر المهزوم

الشلاتي الأزعر القبضاي والثائر المهزوم
(صورة توضيحية)

 من أسفل أذنه اليسرى بقليل وحتى ما قبل نهاية الرقبة، وشم صبحي عبارة تختصر موقفه من الحياة برمتها 'بسيطة يالله'. بهذا التهديد المبطن ترك صبحي لكل من يقترب منه أن يفهم أنه باع كل ما قد يهمه أو يخيفه. وإذا لم تميزه من تلك الجملة النادرة، فيكفي صوت ما ينتعله وهو يضرب به الأرض في لحن من نغمتين فقط، كي تعرف أنه أقبل من أول الشارع. بمقدار نصف متر، على الأقل، تبتعد ذراعاه عن جذعه، تشعر أنه يتعامل معهما كجناحي طائر في لحظة الإقلاع، فيما يميل الجذع نحو الخلف تاركا للصدر أن يتقدم، كي يزرع الرهبة في قلوب الأعداء، الذين هم أي مارٍ قد لا يروق له.

صوته يخرج منه وكأنه يملك حبلاً صوتياً واحداً، مخارج حروفه خاصة، ولا تفلح كل محاولاتك في تقليدها. فمه يميل كثيراً نحو اليمين حين يتحدث، ومن الممكن أن يقترب من وجهك بوجهه إلى حد التلامس ليقول 'ليش عم تتزور؟'، أي لماذا تمعن النظر بي؟ وهي جملة تعني إعلان الحرب عليك، فاهرب أو تقدم.

الشلاتي لغةً

لا يُعرف تماما كيف نشأ مصطلح شلاتي، جذره اللغوي معقد للغاية، فعليك أن تكون لاجئاً فلسطينياً تقيم في مخيم بالقرب من مدينة ما في سورية، وتحمل إرثاً وطنياً وهموماً اجتماعية واقتصادية وسياسية ونضالية، وعشت نكبات ونكسات وانكسارات عدة، حتى يستنبط العقل الجمعي مصطلحاً يطابق الشخصية التي طالما وجدت لها مكانا في أزقة المخيم. ثم، ولكي يكتمل الإعجاز اللغوي، يوافق الموصوف على الصفة دون اعتراض، فلم يُسجل شلاتي واحداً اعتراضاً على المصطلح، بل حتى أن بعضهم كان فخوراً به وكأنه يحمل الدكتوراة في علم النفس الاجتماعي مثل.

يقال عنه، أي الشلاتي، إنه شهم وكريم وطيب وغيور وبسيط، وقاتل وخائن وثرثار وحقود، وسارق وسريع الانفعال. نعم، لكنه سريع الهدوء، يتناول بكثرة الحبوب المخدرة والمسكرات، وجميع أنواع المحظورات، لكنه يخاف الله ويحسب حساب القيامة. قد يكره الحكومة وقد يحبها، وهو موهوب بلا شك، تظهر موهبته فيما يبدع من شتائم يرمي منها عشرة في الدقيقة وهذا رقم يُسجل له وحده، إذ جميعها من تأليفه الخاص، شتّام ولعّان ونمّام وعاطل عن العمل، محب لمخيمه الذي يعتقد أنه كل العالم.

عاش عشرات من الشلاتية في المخيم، ووصلت أخبارهم بشكل مبالغ فيه إلى سكان دمشق، فتحولت سمعة اليرموك إلى أسوأ ما عرفته العاصمة السورية، على الرغم من أن الشلاتية لم يمارسوا أي نشاط خارج مخيمهم، ومع أن دمشق لها زعرانها أيضاً، إلا أن شلاتية اليرموك مع جنسيتهم التي يبدو أنها زادت من حجم خطرهم، جعلت الدمشقيين يرتابون من دخول المخيم، وبالذات بعض شوارعه لسنوات.

هل هو فدائي متقاعد؟

ربما يكون الشلاتي مشروع فدائي فلسطيني أخفق في التحول بعد أن فُقدت الطرق إلى فلسطين والنضال من أجلها. لا قواسم مشتركة واضحة بين فدائي وشلاتي، اللهم إلا في علاقة الاثنين بالسلاح، الكلاشنكوف في حالة الفدائي، والشنتيانة في حالة الشلاتي. وهذه الأخيرة هي سلاح أبيض شهير في أرض الشام، لا هو سكين ولا هو سيف، فيه من ليونة المعدن ما يسمح بتمزيق الخصم من دون الحاجة إلا لقلب ميت، ومن حدة السكين ما يجعله لا يخطئ الهدف أياً كان.

عموماً، أجرؤ على القول إن فدائياً ما قد تحول إلى شلاتي في المخيم، لكني أستطيع القول إن الشلاتي لو كان لا يزال للفدائية من أرض تحضنهم، لكان فدائياً نادراً.

الشلاتي عاشقاً

صبحي هو شلاتي جميل، عاش في المخيم، يقول البعض محدثاً عنه وعن صداقته بشلاتي آخر اسمه عبدو. الرجلان الشلاتيان عرفا أغرب قصة حب من الممكن أن تحدث في عالمنا نحن غير الشلاتية، لكن بالنسبة لأي شلاتي، حسنا هي ليست عجيبة، إذ أحب صبحي شقيقة عبدو، وخرج معها وقبلها وزنقها في البقع المظلمة في المخيم، لكن عبدو فعل الأمر نفسه مع شقيقة صبحي، ومارس الزنق معها في ذات البقع المظلمة، بفارق ساعة أو ساعتين من الزنقة الأولى.

كان عبدو وصبحي أكثر من أخوين، الشلاتي إذا اتخذ صاحباً، فهذه بيعة دم لا ينقضها إلا الموت، إلا أن الحب الكبير بين الشلاتيين والشقيقتين، كاد أن يودي بعلاقة الرجلين، وفيما كان كل الحي يعرف بالعلاقتين المستترتين، ظل عبدو مع صبحي هما الجاهلين الوحيدين بالعلاقة الرباعية التي تمتد بينهما وعبرهما.

في ليلة من ليالي اليرموك، تناول صبحي مشطاً كاملاً من الحبوب، انتشى وفقد السيطرة على نفسه. وبأعلى ما أعطي من صوت، بدأ يصيح باسم حبيبته، شقيقة صاحبه عبدو، طلب منها السماح وهو يستند على الجدران ويحاول السير، ثم وصفها بالعاهرة، قبل أن يعود ويطلب منها العودة إليه، بيتها يبعد لزقاقين أو ثلاثة أزقة، لكن ظرف حبوب مخدرة كاملاً، يجعلك تفقد الإحساس بالمسافات والزمن، الآن فقط، يتمكن حتى الصبية من الاقتراب من أي شلاتي لمسافة الصفر، يحدثونه ويحدثهم، يبكي لهم ويقول لهم أعمق أسراره، اسم الحبيبة ولون ملابسها الداخلية، كيف يقلبها على السرير وكيف تقلبه، وكيف يتبادلان الغرام.

حين يكون صبحي مع الحبيبة، يعنفها أكثر من كونه يمارس الحب معها.  يتابع صبي صغير على باب المنزل لحظة قدوم عبدو إلى المنزل، كي يتمكن صبحي من الفرار قبل صعوده الطابق الثالث، حيث يصيح الصبي باسم عبدو، مرحباً به بصوت عال، يسمعه صبحي. للصدفة، فإن ذات الصبي كان عميلاً مزدوجاً، فهو يقف على باب صبحي يترقب عودته حين يكون عبدو يقلب شقيقته وتقلبه هي.

الشلاتي والوطن

هو زعيم محلي صغير، ولا يطمح لأي منصب رسمي، حين يكون بكامل عقله، وهذا نادر الحدوث، يتلقى الشلاتي أثناء سيره في الطرقات الكثير من التحيات، ويرد مبالغاً عليهاً، 'على رأسي أحلى زلمة بعد بشار الأسد' هذا كان قبل ثورة البلاد. بعدها تحولت التحية 'أحلى زلمة بعد الجيش الحر'، وقد يقول 'أحلى زلمة حرّ'. الشلاتي مُطلع على ما يدور حوله من تغيرات سياسية واجتماعية، على الأقل في قشورها.

يحب الشلاتي البلاد كثيراً، اليوم تجده مع البندقية، بغض النظر عن الجهة التي يطلق عليها الرصاص، بعضه بات قائداً لفصيل معارض يقاتل النظام في قلب المخيم، وبعضه صار جزءاً من حصار المخيم، ويقاتل إلى جانب النظام. الحبوب تساعد في تناوب الرصاص، وفي تجاهل حاجات المدنيين العالقين في أتون الحرب، في عقله وقلبه هو يدافع عنهم، لا يمكنك مناقشة ذلك معه أو حتى الاعتراض، لكن بعضه، أيضا قتله الجوع والخوف والانتظار، مثله مثل أي مدني أخر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018