الوجود الفلسطيني في المدن الساحلية وصراع البقاء

الوجود الفلسطيني في المدن الساحلية وصراع البقاء
يافا (أ ب)

طالت النكبة المدن الفلسطينية التاريخية مباشرة حيث تم إفراغها من سكانها الفلسطينيين، بشكل شبه كامل، فيما واصلت السلطات الإسرائيلية تنفيذ ما يمكن تسميتها بعملية محو جغرافي سياسي اجتماعي وثقافي للحضور الفلسطيني في هذه المدن.

بعد احتلالها مباشرة قامت السلطات الإسرائيلية بتجميع القلّة التي تبقت في هذه المدن، في أحياء محددة، اصطلح على تسميتها، بشكل غير رسمي، بالغيتوهات، حيث تم تجمع 4000 فلسطيني، من أصل 71 ألف، ممن تبقى في يافا في حي العجمي، و600 - 800 فلسطيني من اللد، من أصل 18,250، جمعوا في منطقتي حي السكة وحي المحطة، وجمع 150 فلسطينيًا من الرملة، من أصل 16,380 في حي الجمل الذي يحمل حتى يومنا هذا اسم "الغيتو العربي"، بينما جمع 3200 فلسطيني، من أصل 75 ألفًا، ممن تبقوا في حيفا في حي وادي النسناس.

كما هدمت أجزاء كبيرة من مدينة حيفا، مباشرة بعد احتلالها. وكذلك هدمت أجزاء من حي المنشيّة في يافا، وفي سنوات الخمسينيات هدمت أجزاء من يافا العربية "يافا القديمة". أما في مدينة الرملة فطالت عمليات الهدم المناطق العربية في نهاية ستينيات القرن العشرين.

وصادرت السلطات الإسرائيلية، بعد النكبة مباشرة، ممتلكات الفلسطينيين واستولت عليها، وبات غالبية الفلسطينيين ممن يسكنون الأحياء الفلسطينية التاريخية في هذه المدن "مستأجرين محميين"، يعيشون في بيوت تديرها شركتا "عميدار" و"حلميش"، وهما شركتان عينتهما الدولة ومديرية أراضي إسرائيل وكيلتين لإدارة "أملاك الغائبين" الفلسطينيين.

من يافا ("عرب ٤٨")

وبموازاة هذه السياسة اعتمدت السلطات على سياسة تهويد هذه المدن، من خلال زيادة عدد الإسرائيليين وأيضًا من خلال عبرنة أسماء الشوارع والأحياء.

ولاحقًا، بعد إلغاء الحكم العسكري في المدن المختلطة، تدفق إليها لاجئون وعائلات من القرى المحيطة وسكان قرى ومجموعات فلسطينية اقتلعتها السلطات بعد النكبة من أماكن سكنها الأصلية.

بالإضافة إلى ذلك، أسكنت السلطات، متعاونين فلسطينيين، ومن قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان في هذه المدن. وقد أثّرت جميع هذه الأسباب سلبًا، في التركيبة السكانية في هذه المدن وانعكست اغترابًا وغربة بين سكانها.

وتميزت السياسات الإسرائيلية تجاه الأحياء العربية بتوجهين يحملان المنطق الاستيطاني الإحلالي نفسه، تمثلا أولا بإهمال الأحياء العربية بشكل متعمد وممنهج، وتواصل سياسات حصر الفلسطينيين في غيتوهات، وهو ما أفقر سكانها وفاقم من ضائقتهم السكنية والاجتماعية والاقتصادية من جهة.

وثانيا اللجوء إلى سياسة خصخصة ملكية العقارات في هذه الأحياء والتي بدأت منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث عمدت بلديات هذه المدن، إلى تبني مشاريع ترميم وتطوير في بعض من الأحياء العربية، بهدف عرضها للبيع في السوق الحرّة، الأمر الذي زاد من ثمن العقارات في هذه الأحياء، ودَفَع السكان الأصليين، الفقراء عمومًا، لترك هذه الأحياء لصالح مواطنين يهود أغنياء.

مؤخرا، استقال الأعضاء العرب من الائتلاف البلدي في اللد، احتجاجا على تصريحات رئيس البلدية العنصرية ضد الأذان واشتعلت يافا غضبًا ضد ما تبقى للعرب من حيز سكني، وتتداعى أشكال احتجاج مختلفة ضد محاولات تغيير وجه حي وادي الصليب.

فداء شحادة

حول ضائقة السكان العرب في المدن الساحلية، التي باتت تسمى بالمدن المختلطة، ومحاولات تصفية الوجود الفلسطيني فيها، كان هذا الحوار مع مخططة المدن وعضو بلدية اللد، فداء شحادة.

"عرب 48": دعينا نبدأ بيافا التي شهدت في الأيام الأخيرة "انتفاضة غضب" ضد الاستيطان الذي يطبق على آخر ما تبقى للعرب هناك من مساحة ويهدد بقايا وجودهم؟

شحادة: تعرضت المدن الساحلية الفلسطينية لتهجير الغالبية الساحقة من سكانها العرب عام 1948 وتم الاستيلاء على بيوتهم ونقلها إلى شركات إسكان إسرائيلية، قامت بدورها بتأجير بعضها لمن بقي من العرب الذين أُخرجوا من بيوتهم الأصلية وجرى تجميعهم في أحياء معينة في هذه المدن، وهم يقعون منذ أكثر من 70 عامًا ضحايا لهذا الواقع ولتنكيل تلك الشركات التي تطبق سياسة تضييق وحصار وتهميش تستهدف تهويد ما تبقى من المكان.

يجري مؤخرا إخراج الفئات المستضعفة منها وعلى رأسهم العرب الذين يقع أكثر من 50% منهم تحت خط الفقر وإحلال مستوطنين يهودا أغنياء مكانهم، بعد أن اكتشفت بلدية تل أبيب - يافا، الطاقة العقارية الكامنة في يافا وترجمتها إلى عمارات شاهقة مطلة على البحر تباع شققها بأسعار لا يستطيع العرب ولا حتى غيرهم من سكان يافا مجاراتها.

ولتمرير هذه السياسة تقوم شركة "حلميش" وهي الشركة الموازية لشركة "عميدار" في يافا والتي أوكلت إليها الدولة إدارة البيوت العربية التي تم السطو عليها عام 1948، تقوم بتشجيع المالكين العرب على بيع شققهم السكنية والانتقال إلى مكان آخر ليتسنى هدم البيوت العربية وإقامة عمارات عقارية مكانها.

شركة "حلميش" العاملة في مجال "الإسكان الجماهيري"، تعمل بذلك بما يناقض منطق هذا الإسكان القائمة عليه والذي يقضي بتوفير الأمان والاستقرار السكني للفئات الاجتماعية الضعيفة وتوفير المأوى الثابت والدائم لها، وكما هو معروف فان العائلة المقيمة في "إسكان عام" هي تحت خط الفقر بدرجات كبيرة ويفترض بالشركة أن تساعدها بأن تحافظ على بيت يأويها لا أن تلقي بها إلى الشارع.

"عرب 48": المقصود أن تقوم بتطوير المساكن بما يتلاءم مع قدرات وإمكانيات المستأجرين القائمين فيها (مستأجرون محميون) ونمط حياتهم؟

شحادة: جزء من فكرة الإسكان العام هو توفير الثبات لهذه الفئة من السكان، بمعنى أن الجانب الاجتماعي يفترض أن يتغلب على الدافع الاقتصادي لكن الشركة أضاعت البوصلة، لأنها باتت تقنع الناس أن يبيعوا بيوتهم ويأخذوا الأموال، علمًا أنها تدرك أن غالبيتهم سيذهبون للاستئجار واستغلال المال لتسديد ديونهم المتراكمة وبذلك يخسرون الثبات ونعمة الاستقرار في بيت يملكونه.

من حيّ العجمي ("عرب 48")

هذا عدا عن النقص في الشقق السكنية في الإسكان العام. "عميدار" لديها نقص كبير في الشقق وقوائم المنتظرين طويلة لدى العرب ولدى اليهود أيضا، علمًا أن النقص لدى العرب أكبر.

"عرب 48": تلك السياسة يتم تطبيقها في كل المدن المختلطة؟

شحادة: نعم، الأزمة موجودة في مدن أخرى غير مختلطة ولكن ليس بنفس الحجم، في المدن المختلطة هناك توجه لإعطاء السكان مساعدة في الاستئجار عوضًا عن توفير المسكن الثابت، بمعنى - دعهم يذهبوا ويستأجروا في مكان آخر خارج الحيز العربي أو خارج المدينة كلها، بالنسبة لأهل اللد في كفر قاسم وجلجولية مثلا، وبالنسبة لأهل عكا في الجديدة - المكر حيث تجري محاولات لبناء حي جديد لاستقطابهم.

في اللد مثلا، تجري محاولات حثيثة لتهويد البلدة القديمة، لأنها عربية حقيقية، ولا أعتقد أنهم سينجحون بتهويدها.

"عرب 48": في يافا استعملوا المتدينين اليهود لاختراق قلب التجمع العربي، حيث أقاموا ما يسمى "النواة التوراتية" التي كانت المسبب المباشر للأحداث الأخيرة؟

شحادة: مساعي التهويد متواصلة وبكافة الطرق والوسائل وفي كل المدن الساحلية، وهي تحقق نجاحات، ولكن ما يهدد يافا فعلا هو المال الذي يستثمر في العقارات والعمارات الشاهقة، وفي الصراع بين المال والأيديولوجيا أعتقد أن المال هو الذي ينتصر، وهذا يبدو واضحًا في سلسلة العمارات التي بدأت تنتصب على شواطئ يافا لتغطي المنظر التاريخي التقليدي.

يافا ("عرب 48")

نشاهد عناقيد متفرقة من هذه العمارت الغريبة عن المشهد العام، حتى أنها تحيط نفسها بأسوار تعزلها عن البيئة المحيطة، وهي طريقة بناء غير متبعة في إسرائيل توحي بالترفع عن المحيط وربما هي بانتظار تغير هذا المحيط، اختفائه أو تحوله إلى نفس النمط لكي تزيل تلك الأسوار.

إنها طريقة لا تخلق مجتمعًا أو تجمعًا سكنيًا مترابطا ومتجانسا بل هي مجموعات متناثرة ومتنافرة، كل ما يريده سكانها منظر جميل يطل على البحر ولا إقامة أي اعتبار للبيئة المحيطة.

"عرب 48": رفع العمارات القائمة إلى أعلى هي سياسة تخطيطية جديدة في المدن الساحلية، نراها أيضا في حيفا وعكا واللد والرملة؟

شحادة: هي سياسة تنفذ تحت عنوان "التطوير الحضري" الناس الذين يملكون بيوتا في العمارة يحصلوا على زيادة 25 مترًا في مساحة الشقة، مقابل زيادة عدد الطوابق وبناء المزيد من الشقق التي يجري تأجيرها أو بيعها من قبل الشركات المستثمرة، أو أنهم يبيعوا شقتهم.

هذا المخطط يتم تنفيذه في جميع المدن المختلطة ولا يقتصر عليها فقط، وهو مشروع عقاري استثماري يتم تحت شعار تطوير المباني السكنية القائمة وتمتينها ولكنه في المحصلة يخدم توجها اقتصاديا معينا، عندما تبني مجموعة عمارات عالية وتحيطها بأسوار، كأنك تقول إن فئات معينة تستطيع دخولها فقط وهي مغلقة أمام الحيز العام.

هذا عدا عن أن المجتمع العربي غير معتاد على السكن في طوابق عالية، ربما سنتعود على ذلك لاحقا ولكن ليس اليوم، وما يجري هو تحويل عمارة من أربع طبقات إلى 18 طابقًا بين ليلة وضحاها، ما يجعل سكان العمارة القديمة، العرب، غير قادرين حتى على تحمل نفقات الصيانة المتعلقة بالمصعد والدرج التي تكلف في مثل هذه العمارات 700- 1000 شيكل شهريًا.

"عرب 48": بالمحصّلة فإن كل الطرق تؤدي إلى إخراج ما تبقى من عرب في المدن الساحلية التي تسمى اليوم مختلطة، وحتى لو لم يتسنى إخراجهم بالكامل فسيجري تفتيتهم ككتلة سكانية وتوزيعهم بين أحياء المدينة وعماراتها؟

شحادة: المشكلة لدى العرب هي مع الهوية الجماعية فهم يستطيعون العيش والاندماج في المجتمع الإسرائيلي كأفراد اذا حيّدوا هويتهم، ولكن أنت في النهاية حتى لو تأسرلت سياسيًا لا تستطيع أن تتأسرل اجتماعيًا، فأنت بحاجة إلى الإطار الاجتماعي وللرفقة الاجتماعية والأصدقاء لأولادك، لمن يستطيع أن يفهم لغتهم وبحاجة للروضة والمدرسة التي يدرس فيها بلغته، ولذلك لا يستطيع العرب إلا أن يعيشوا كجماعة.

لا نستطيع إلا أن نتجمع بعد الفطور أو بعد صلاة التراويح في رمضان، هذه هي عاداتنا وهذا هو مجتمعنا يمارس حياة الجماعة إلى أقصى الحدود.

اللد (عرب 48)

"عرب 48": وهذا الأمر يزعج رئيس بلدية اللد على ما يبدو؟

شحادة: هو تراجع في آخر تصريح له عن قضية الأذان، كما أننا نحن العرب أكثر من يعاني من الإزعاج والضجيج، حيث نعيش في اللد والرملة بجانب سكة القطار والمصانع الملوثة، بينما تحولت يافا إلى مطاعم ومحلات سياحية.

لقد تم اختراق الحيز العربي بالكامل ففي اللد باستثناء الأحياء غير المعترف بها لا توجد أحياء عربية بالكامل تقريبا، ولكن بالمقابل فإن العرب كأفراد اخترقوا الأحياء اليهودية ولا توجد عمارة في المدينة اليوم لا تسكن فيها عائلة عربية، خاصة وأن إسرائيل لم تبني منذ عام 1948 وحتى اليوم أي مدينة أو حي مخصص للعرب.

في التسعينيات بنوا بضع عمارات كان يفترض أن تخصص للعرب في اللد، وجاءت اتفاقية أوسلو فأسكنوا فيها العملاء الذين أخرجوهم من الضفة وغزة واليوم تحوّلت هذه المنطقة إلى أسوأ تجمع من حيث المخدرات والعنف والفقر.

"عرب 48": هو صراع بقاء على ما يبدو لا يتملك فيه الفلسطينيون، أو ما تبقى منهم في مدن فلسطين التاريخية، سوى إيمانهم بالبقاء في أرضهم وبيوتهم، أمام جبروت القوة والمال؟

شحادة: الموضوع يأخذ بعدًا طبقيًا، وربما من حظنا أن غالبية المدن المختلطة باستثناء يافا يسكنها يهود من الفئات الضعيفة طبقيا، وما يجري هذه الأيام هو محاولة لتحويل بيوت هذه المدن القديمة إلى عقارات وعمارات مستغلين الموقع المميز المطل على البحر في يافا وحيفا وعكا كوسيلة للاستثمار، ما يهدد ليس فقط باقتلاع الفلسطينيين من شواطئهم بل بمحو الطابع التاريخي لهذه المدن أيضا.


فداء شحادة: مخططة مدن وعضو بلدية اللد

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص