المحامية زهر: العليا شرعنت الاحتلال والاستيطان ورفضت غالبية التماسات الفلسطينيين  

المحامية زهر: العليا شرعنت الاحتلال والاستيطان ورفضت غالبية التماسات الفلسطينيين  
مستوطن يطل على مستوطنة "معاليه أدوميم" (أ ب)

كتاب المحامية سوسن زهر تحت عنوان "قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967" الذي صدر مؤخرا عن مركز "مدار"، يرسم صورة شاملة لكيفية إسباغها الشرعية القانونية على الأنشطة العسكرية، التي تقوم بها قوة احتلال، ويلقي الضوء على الأسلوب الذي استخدمته المحكمة من الناحية القضائية لتبرير استمرارها.

ويتّضح من قرارات الحكم الواردة في الكتاب أن "المحكمة قدّمت مظلة قانونية ليس لتعزيز الاحتلال واستمراره فقط، وإنما أيضًا لتنفيذ العديد من الإجراءات المختلفة التي تشكل انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، وتشكل في جزء كبير منها ’جرائم حرب’، كما جرى تحديدها وتعريفها في معاهدة روما".

ويعرض الفصل الأول من الكتاب قرارات الحكم الخاصة بمصادرة أراضٍ لغرض إقامة مستوطنات، حيث رفضت المحكمة مناقشة الادعاءات ضد مجرّد شرعية المستوطنات، بتسويغ أنها قضية غير قابلة للمقاضاة لأنها قضية حزبية وسياسية لا يمكن التدخل فيها.

بينما أسبغت العليا الشرعية القانونية على بناء جدار الفصل العنصري عام 2002، كما يرد في الفصل الثاني من الكتاب، والذي تم تخطيط وإقامة الجزء الأكبر منه في داخل أراضي الضفة الغربية. بادعاء أن اسباب إقامته هي عسكرية ولغرض الحفاظ على أمن دولة إسرائيل. كما منحت شرعية للجيش الإسرائيلي، في مصادرة أراضٍ لأغراض عسكرية مختلفة حتى لو كانت تلك الأراضي بملكية (فلسطينية) خاصة".

كذلك صدقت المحكمة العليا الإسرائيلية على تقييد الحريات والعقاب الجماعي بمصادقتها على الغالبية الساحقة من هذه الإجراءات العقابية، الفردية والجماعية، كما ورد في الفصل الرابع من الكتاب، إلى درجة أنها قد تشكل في المستقبل القريب مرجعية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لإثبات وجود سياسة تعتبر جريمة حرب ضد السكان الفلسطينيين.

ويبرز في قرارات الحكم المتعلقة بالديمغرافيا ولم شمل الأُسر الفلسطينية، الدور الرئيس الذي لعبته المحكمة العليا في تكريس سيطرة دولة إسرائيل، كقوة احتلال، كما يبين الفصل الخامس، على التركيبة السكانية الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية.

وفيما يتعلق بقطاع غزة، بعد فك الارتباط، صادقت قرارات الحكم التي أصدرتها المحكمة العليا في الالتماسات المقدمة بشأن انتهاك أوامر القانون الدولي الإنساني بخصوص سكان القطاع، مثلما يظهر في الفصل السادس، على إجراءات جيش الاحتلال التي فرضت وعززت الحصار الإسرائيلي غير القانوني على قطاع غزة منذ العام 2008 وحتى اليوم.

المحامية سوسن زهر

لإلقاء المزيد من الضوء حول الموضوع والدور الذي تلعبه المحكمة العليا الإسرائيلية في شرعنة الاحتلال والاستيطان كان هذا الحوار مع المحامية سوسن زهر.

"عرب 48": ما هي أهمية الكتاب وفي هذه الظروف؟

زهر: المبادرة جاءت من مركز "مدار" الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، الذي أراد توفير كتاب يتناول قرارات العليا الإسرائيلية والدور الذي تضطلع به في سياق الاحتلال باللغة العربية، ليكون بمتناول القارئ والباحث الفلسطيني والعربي، خاصة وأن مثل هذه الكتب والأبحاث متوفرة باللغتين العبرية والإنجليزية.

ومن الجدير التنويه أن المحكمة العليا كان يفترض بها نشر قراراتها باللغة العربية، أيضا، بصفتها لغة رسمية في الدولة إلا أنها لم تفعل ذلك حتى اليوم، وبالتالي هناك وضعية أن الفلسطينيين موجودون تحت احتلال إسرائيلي وهناك قرارات للعليا تعالج غالبية انتهاكات حقوق الإنسان والانتهاكات العسكرية في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بصفتها المحكمة الوحيدة ذات الصلاحية للبت في هذه الأنشطة.

ومن الواضح أن الإجراءات العسكرية وقرارات العليا المرتبطة بها تؤثر بشكل مباشر على الفلسطينيين وبالرغم من ذلك فإن قراراتها وتسويغاتها القانونية غير متاحة للفلسطينيين بلغتهم وهو ما آثر المركز توفيره، وقد بدأ المشروع كتقرير يشمل استعراض قرارات العليا المختلفة في الموضوعات المختلفة ومن قبل مختلف القضاة بلغتهم ومنطقهم القانوني وبالطريقة التي سوغوا فيها قراراتهم المتعلقة بكل قضية وأخرى.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه للمرة الأولى يوضع بين يدي القارئ الفلسطيني التسويغ المفصل للقرارات التي تتعلق به، والتي لم يسبق ترجمتها، بطريقة تشمل عدة مجالات وقضايا، منذ بدء الاحتلال عام 1967 وحتى اليوم. ونلاحظ أن العليا الإسرائيلية أعطت الفرصة لتقديم الالتماسات من قبل المواطنين الفلسطينيين وفي السنوات الأخيرة من قبل جمعيات حقوق إنسان، ولكن ذلك لم يعد بالفائدة على الفلسطينيين لأن الأغلبية الساحقة من هذه الالتماسات تم رفضها.

"عرب 48": رفض الالتماسات كان يعني بالضرورة شرعنة الانتهاكات "قانونيا"، إذا كان ذلك يتعلق بمصادرة أرض أو اعتداء على الإنسان وحقوقه من قبل الاحتلال أو المستوطنين؟

زهر: صحيح، ومن يقرأ التقرير والاقتباسات الواردة من مواقف القضاة يرى عمليا كيف تمت شرعنة الاحتلال وتحويله من احتلال مؤقت إلى احتلال دائم، وهو ما يبدو جليا في عدة قرارات منها ما يتعلق بشق وتعبيد شوارع في الضفة الغربية.

العليا رفضت مثلا التماسات ضد شق شوارع للمستوطنين بادعاء أن هذا سيعود بالفائدة على الفلسطينيين أنفسهم أيضًا، علما أن المستفيدين الأساسيين من هذه الشوارع التي تقتطع من أراضي الفلسطينيين هم المستوطنون، وهنا منحت المستوطنين الذين يسكنون في المستوطنات غير الشرعية (وفق القانون الدولي الذي يعتبر نقل سكان من دولة الاحتلال إلى الأرض التي تحتلها جريمة حرب) حقوقا عادية ودائمة أسوة بالسكان الفلسطينيين.

أو مثلًا في القرار الذي صدر بموضوع قانونية استعمال المحاجر من قبل شركات استيطانية والذي يعتبر استغلال للأرض الواقعة تحت الاحتلال والتي يفترض، وفق القانون الدولي، أن يكون نتاجها ومواردها حكرًا على السكان الفلسطينيين.

هذا ناهيك عن أن العليا شرعنت جرائم حرب، فالعديد من الأنشطة العسكرية وغير العسكرية مثل، إقامة المستوطنات، تقييد الحريات، العقابات الجماعية، هدم البيوت، واحتجاز الجثامين هي عبارة عن جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي، ونحن نعرف أن المدعي العام للمحكمة الدولية الجنائية في لاهاي، قرر فتح تحقيق في ارتكاب جرائم حرب من قبل إسرائيل في الأراضي المحتلة والتي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.

"عرب 48": إذا كانت العليا قد شرعنت جرائم حرب فلا بد أن تخضع لمساءلة المحكمة الدولية الجنائية؟

زهر: قرارات العليا يجب أن تكون جزءا من المواد التي سيتم فحصها من قبل المحكمة الدولية لإقرار في ما إذا تم ارتكاب جرائم حرب أم لا، حيث أن الكثير من هذه القرارات والتي عرض جزء كبير منها في الكتاب، تشير إلى دور المحكمة في شرعنة جرائم الحرب التي تحقق فيها محكمة الجنايات الدولية في لاهاي مثل العقوبات الجماعية والاعتقالات الإدارية وهدم البيوت واحتجاز الجثامين.

وشرعنت أيضًا كل موضوع الأبارتهايد والتفرقة العنصرية، بإعطائها تسويغات مختلفة للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين لصالح المستوطنات، فمنذ بداية السبعينيات تعاملت المحكمة مع موضوع إقامة المستوطنات، وبالرغم من أن البند 49 لاتفاقية جينيف التي تكفل حماية المدنيين في وقت الحرب تمنع القوة المحتلة من نقل سكانها إلى الاراضي المحتلة من قبلها، فإن العليا في القضايا التي وصلتها رفضت البت في مسألة شرعية المستوطنات وادعت أن هذا موضوع سياسي من الدرجة الأولى ولا صلاحية للمحكمة للدخول فيه.

بالإضافة لذلك ادعت المحكمة أن البند 49 من اتفاقية جينيف لا يلزم القائد العسكري الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية وبالتالي فبالرغم من أنها تتحدث عن احتلال وأن هناك قوانين الاحتلال التي تحمي المدنيين في وقت الحرب، إلا أن العليا الإسرائيلية قررت أنه ليس كل القانون الدولي ملزما للقائد العسكري الإسرائيلي في المناطق المحتلة.

هذه الرؤيا للقانون الدولي الإنساني والتي فرقت بين القانون الدولي العرفي مثل معاهدة لاهاي، والذي يلزم القائد العسكري الإسرائيلي، وبين ما يسمى بالقانون "الدولي الاتفاقي" مثل "اتفاقية جنيف" التي يدخل بضمنها بند 49 الذي يمنع نقل السكان إلى الأرض المحتلة، والتي لم توقع عليها إسرائيل، وهو أمر مناف للقانون الدولي وللتفسيرات المقبولة دوليًا بشأن سريان مفعول القانون الدولي الإنساني على القوة المحتلة.

وبهذا استطاعت العليا القول إنه ليس كل القانون الدولي ساري المفعول على الاحتلال الإسرائيلي، وإعطاء شرعية بشكل مباشر لنقل السكان وإقامة المستوطنات، بينما رفضت البت بالسؤال الأهم المتعلق بشرعية المستوطنات وشرعية إقامتها لمجرد إقامتها.

"عرب 48": في حينه (في السبعينيات) الالتماس ضد إقامة مستوطنة "ألون موريه" قرب رام الله أثار الكثير من الجدل؟

زهر: في التماس ألون موريه ورغم أن المحكمة أقرّت أن إقامة المستوطنة غير قانوني، إلا أنها أكدت أن القرار ينبع من وصولها إلى قناعة بأن إقامة المستوطنة على أراضي بملكية فلسطينية خاصة لم يكن لهدف أمني لحماية دولة إسرائيل وإنما لخدمة مصلحة سياسية للمستوطنين، وليس لأن إقامة المستوطنة يتعارض مع القانون الدولي، وهي وأن نزعت الشرعية عن مستوطنة بعينها فإنها أعطت شرعية قانونية للاستيطان الذي ازدهر لاحقا دون عائق.

في كل الملفات الأخرى الخاصة بالاستيطان قالت المحكمة إنها لا تستطيع أن تتدخل في المستوطنات التي هدفها توفير الحماية الأمنية لدولة إسرائيل، وهذا مؤشر واضح لشرعنة الاحتلال وشرعنة سلب الأراضي وإقامة المستوطنات التي يراها القانون الدولي غير شرعية وتعتبر جريمة حرب يفترض التحقيق فيها من قبل محكمة الجنايات الدولية.

بالإضافة إلى ذلك نرى أنه بدل أن تفحص الادعاءات القانونية التي تتعلق بانتهاك حقوق الفلسطينيين حسب القانون الدولي الإنساني اعتمدت المحكمة على القانون الإداري الإسرائيلي الخاص بها وهذا بحد ذاته وفر للمحكمة أساليب قانونية لتسويغ عدم التدخل أو البت في قانونية الأنشطة المختلفة للجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

"عرب 48": في السنوات الأخيرة هناك انزياح لدى العليا نحو اليمين بسبب تغيير في تركيبة القضاة، حتى أننا بتنا نرى قرارات قضائية أكثر تطرفا من قرارات الحكومة؟

زهر: صحيح، في قضية "التعذيب" مثلا، التي قدم التماس حولها عام 1999 وفي حينه أصدرت العليا قرارا جديا ومطولا، يفيد بأن هذه الوسائل فيها انتهاك لحرية الجسد وانتهاك لحرية الإنسان، وتم الإقرار بأن هذه الوسائل غير قانونية لأنه لا يوجد قانون واضح يعطي للمحققين استعمال وسائل التعذيب.

قبل حوالي سنتين، ومع تغيير تركيبة القضاة كما ذكرت، وصل التماس إضافي ضد استعمال وسائل التعذيب، إلا أن القاضي الذي يبدو أنه يميني محافظ وبعكس القرار الأول فتح الباب من جديد أمام إمكانية استعمال وسائل التعذيب.

ولكن حتى في التركيبة السابقة، الأكثر ليبرالية فإن غالبية الالتماسات المتعلقة بالأراضي المحتلة تم رفضها من العليا، الفرق أن القضاة الليبراليين رفضوا بطريقة أكثر "مثقفة" ولكن في النهاية النتيجة واحدة.

"عرب 48": العليا شرعنت الحصار المفروض على قطاع غزة؟

نعم، كان لافتا بقرارات المحكمة العليا شرعنة الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، حيث أقرت في القرار الأول الذي يصدر بعد فك الارتباط عن القطاع عام 2005، في ما سمي التماس "البسيوني" المتعلق بقانونية تقييد تزويد سكان القطاع بالكهرباء والوقود، قالت، إن الحكم العسكري على قطاع غزة قد انتهى بتنفيذ فك الارتباط، وبالتالي فإن الواجبات الملقاة على عاتق الجيش الإسرائيلي حسب القانون الدولي الإنساني لم تعد قائمة، باستثناء واجبات ناتجة عن السيطرة المطلقة للجيش على المعابر وبالتالي سمحت بتزويد القطاع بكمية قليلة محدودة تتجاوب مع الكمية الإنسانية الأدنى بحيث توفر خدمة إنسانية ولكن ليس بشكل كامل.

هكذا أعفت المحكمة الجيش الإسرائيلي من المسؤولية كجيش احتلال وما يستوجبه ذلك من مساءلة ومحاسبة رغم أنه ما زال يفرض سيطرته على قطاع غزة برا وبحرا وجوا، وأعطت شرعية لتعزيز الحصار المفروض على القطاع حتى اليوم.

"عرب 48": كان فاضحا بشكل خاص القرار المتعلق بموضوع لم الشمل؟

زهر: منذ بداية الاحتلال عام 67 رأينا كيف أن المحكمة صادقت على تقييد دخول اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة بعد احتلالها من أجل لم شملهم مع عائلاتهم أو لمجرد زيارة أقربائهم وفي قانون لم الشمل تعاملت العليا مع الفلسطينيين في قضايا لم الشمل بمفهوم خطير ينظر إلى الفلسطينيين خارج الخط الأخضر كمجموعة إرهابيين، إذ اعتبرتهم رعايا منظمات إرهابية، وهذا الأمر له تداعيات مباشرة على فلسطينيي الداخل وعلى تمزيق وتشتيت عشرات ومئات العائلات الفلسطينية ممن تضم أزواجا من جانبي الخط الأخضر.


المحامية سوسن زهر: متخصصة بمجال حقوق الإنسان وسابقا نائبة مدير مركز عدالة. ترافعت أمام المحكمة العليا في عدد كبير من القضايا التي تخص حقوق الفلسطينيين.

بودكاست عرب 48