ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 10 )/ د. مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية  (الحلقة 10 )/ د. مصطفى كبها

اهتم القائد عبد الرحيم الحاج محمد، منذ البداية، بصياغة العلاقة الحميمة بين كوادر الثورة والأهلين، وأملى على قادة الفصائل التابعة له تعليمات واضحة في كل ما يتعلق بالنقاوة الثورية وعدم مضايقة الأهلين، بل ووجوب اكتساب ودهم وثقتهم.

لكن، بين حين وآخر، كانت تندلع بعض النزاعات المحلية بين قادة الفصائل أو بينهم وبين قادة فصائل من مناطق أخرى، أو حتى بعض الخلافات التي كانت تنشب بين بعض قادة الفصائل وبين القيادة العامة. والمتمعن في المراسلات التي أجراها عبد الرحيم الحاج محمد مع بعض قادة الفصائل ( ومعظمها محفوظ في الأرشيف الصهيوني المركزي) خاصة مع محمد الصالح الحمد (أبو خالد )، نجد بأنه كان مدركاً لمدى صعوبة جمع السكان من المناطق المختلفة، تحت راية واحدة، ولفترة طويلة من الزمن.

ففي إحدى رسائله لأبي خالد يقول:" أنت تعرف العلاقات بين العائلات القروية، وهي واقع سيء يجب علينا أن نتعامل معه، بحكمة، كي نتغلب عليه".

وفي رسالة أخرى لأبي خالد يقول:" بما أن الشعب مقسم لفرق وعائلات، وبما أن وظيفة الثورة توحيد صفوف الأمة ومنع أي عمل ضد مصالحهم، على الثوار أن يمتنعوا عن كل ما يسيء للعلاقات بين العائلات".

وقد طالب عبد الرحيم الحاج محمد من قادة الفصائل أن يكونوا قدوة مثالاً حسناً لغيرهم من الثوار، فأمرهم بالامتناع عن طلب أية أموال أو ألبسة أو أغذية من الجمهور إلا بإرادتهم الحرة حفاظاً على قدسية الثورة. وقد هدّد في منشور آخر بعقاب قطع اليد لكل أن يحاول ابتزاز الأموال من الجمهور. علماً بأن منطقة نفوذه كانت قد اتسعت بسرعة لتشمل، في الفترة المعنية، معظم مناطق المثلث الكبير ( جنين - نابلس -طولكرم )، بل تجاوزتها في بعض الأحيان إلى أماكن أخرى وتشهد على ذلك رسالة بعثها بعض وجهاء عائلة الزعبية (في مرج ابن عامر ) إلى القائد عبد الرحيم الحاج محمد يشكون فيها تصرفات القائد يوسف أبو درة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على المكانة الخاصة لقائد مثل أبي كمال في منطقة لم تعد، حتى ذلك التاريخ، من مناطق نفوذه.

لقد دأب القائد أبو كمال وأمناء سره ( ومنهم الشاعر عبد الرحيم محمود وفريد يعيش وممدوح السخن) على تدوين كل ما يتعلق بالثورة في منطقته، فقد كان من القلائل، من قادة الثورة الذين أداروا دفاتر حسابات وسجلوا فيها الداخل والمصروف من أموال الثورة. كما وقاموا بتسجيل قوائم للثوار وصرفوا لهم مرتبات شهرية. في حين طالبوا من قادة الفصائل تقديم تقرير أسبوعي مكتوب عن أحوال فصائلهم والعمليات التي قاموا بها وعن احتياجاتهم وما وردهم من إعانات وتموين من الأهالي.

وقد أقام عبد الرحيم كذلك جهازاً قضائياً يبت في الخلافات بين الناس ويطرح نفسه بديلاً لهيئة القضاء الرسمي البريطاني(تطورت هذه الهيئة لاحقاً لتصبح بالفعل جهازاً قضائياً بديلاً وعنه سنتحدث في المراحل التالية للثورة). كانت الهيئة القضائية الأولى التي أقامها عبد الرحيم مكونة منه ومن قادة الفصائل عبد الله الأسعد (من عتيل )، يوسف الحمدان (من أم الفحم ) ومن القاضي بشيرالإبراهيم (من زيتا).

حدثني القاضي بشير الإبراهيم ( الذي ما زال حيّاً يرزق) في سلسلة مقابلات أجريتها معه (حزيران -تموز 1999 ) عن بداية مشواره كقاض متنقل مع القائد عبد الرحيم الحاج محمد فقال:" دخلت في الثورة محققاً، ومن ثم انتقلت إلى حاكم صلح للقضايا الحقوقية والجزائية الخفيفة. بعدها ترقيت إلى حاكم عام للقضايا الإدارية، ثم مسؤولاً عن البلاغات العسكرية المختصة بالعمليات. بعدها عملت منسقاً بين فصائل الثوار والقيادة والناس، وفض الخلافات التي قد تنشأ بين الثوار والناس، محافظة على حقوقهم وعدم المساس بها من اجل أن يسود العدل ويتقبل الناس الثورة ويسيروا في ركابها بإخلاص. وانتهت الثورة دون أن أتغيّر. ولم أجد من يكرهني وحتى الآن اشتغل في الإصلاح بين الناس. أما حدود منطقتي فكانت: غرباً مضارب عرب النفيعات (على شاطئ البحر جنوبي الخضيرة ) -قيسارية (_عرب البرة )، شرقاً كفر راعي ( منطقة جنين )، شمالاً دير الغصون وشويكة (منطقة الشعراوية ) وجنوباً منطقة بني صعب ( الطيرة والطيبة )".

كان القاضي بشير الإبراهيم، مع بداية الثورة، في السادسة والعشرين من عمره وعلى الرغم أنه وجد لقمة عيشه في العمل بالزراعة والنجارة (مازال حتى اليوم يمتلك منجرة كان قد أقامها في بداية الثلاثينيات )، فقد عدّ من المتعلمين في عصره. اطلع على القانون العثماني، من خلال أخيه اسكندر الذي عمل "شاويش تحقيق" في شرطة الانتداب، إذ كان الإنجليز في بداية حكمهم ينفذون القانون العثماني الذي كان متبعاً لقرون طويلة في مناطق الدولة العثمانية المختلفة. وبعد اندلاع الثورة بدأوا بصياغة بنود ولوائح قانون الطوارئ الذي ما زالت بعض مواده سارية حتى يومنا هذا.

أما عن بداية علاقته مع عبد الرحيم الحاج محمد وكيفية تعيينه قاضياً فيقول:" في البدء كانت علاقتي مع عبد الله الأسعد وبعدها انتقلت لتكون مع عبد الرحيم الحاج محمد. كنت احفظ القانون العثماني وخطّي جميل. ذات مرة كان كل من قادة الفصائل، في منطقتي، أحمد أبو زيتون، عبد الرحمن زيدان (من دير الغصون ) وعبد الله الأسعد (من عتيل ) يجتمعون في بيت نمر الحاج قاسم من إبثان يتشاورون في أمر فض الخلافات بين الناس وأختاروني قاضياً ورفعوا الأمر للقائد العام عبد الرحيم الحاج محمد الذي صادق على الأمر بدوره".

أما عن طبيبعة القضايا التي بت بها القاضي بشير فإنه يقول:" كانت معظم المحاكمات تتعلق بقضايا المال والأراضي، قضيت ذات مرة بين أهالي برطعة وأهالي عرعرة. جاء وفد عرعرة برئاسة الشيخ سعيد خليل يونس، ووفد برطعة برئاسة محفوظ الحاج أحمد كبها، كان هناك خلاف على جبل قصر الفيض الواقع بين القريتين ( تقوم عليه الآن مستوطنة كتسير، م.ك ) وعلى حدود أرض كل من الطرفين فيه. جاء ثمانية اشخاص من كل طرف، جلسنا في الجبل ومعي حقيبتي واوراقي، سألت الشيخ خليل عن حدود الأرض، ووجدت الخلاف محصوراً في مائة متر. قلت للناس : أريد أن أقسم المئة متر بينكم أو دعوني أركب حماري وأذهب وانتم تتصارعون. قبلوا الحل الوسط وانتهى الخلاف بين القريتين.

"في قرية علاّر قضيت بقسمة البيوت بين آل أبو الجيبات، ولا تزال القسمة سارية حتى يومنا هذا. باختصار، كنت أحصل الأرض للمحرومين، وأقسم العقار حسب قوانين الميراث وقد عملت قاض للثورة مدة ثلاث سنوات".

هكذا عمل الجهاز القضائي الأولي الذي أقامه عبد الرحيم الحاج محمد في المرحلة الأولى للثورة، أما عن بعض مساعديه العسكريين فسنتحدث في المرة القادمة.


وللحديث بقية...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018