خريطة جمزو: ذاكرة تتحدّى همجيّة الاحتلال

خريطة جمزو: ذاكرة تتحدّى همجيّة الاحتلال

قلة قليلة منا، جميعنا، سمعت بجمزو. ربما الأكثرية لا يعرفون أن هذا اسم قرية فلسطينية.
المراجع الفلسطينية عن القرية قليلة إن لم تكن معدومة، ذلك أن "القيادة التاريخية الحكيمة صانعة الانتصارات التي لا حصر لها" لم تكترث بجمع التراث الوطني، حتى "لا يُشك" في صدقية التزامها ب"عملية السلام"، وحتى تطمئن العدو الصهيوني المغتصب إلى أن "حق العودة" ورقة مساومة لا أكثر.
لكن ثمة جهود منفردة بالخصوص ومنها كتاب "كي لا ننسى" الذي ألفه المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي المقيم في الولايات المتحدة، والذي جمع فيه ما أمكن من معلومات خطية ومصورة عن بلدات فلسطين التي دمرها.
وفي ذلك الكتاب يذكر وليد الخالدي قريتنا هذه بالكلمات: المسافة من الرملة 6 كم. ملكية الأراضي واستخدامها في عام 1944/45 كما يلي "عربية: 9460 دونم منها 7259 دونم مزروع". "يهودية: 0". مشاع 221 دونم. عدد سكان القرية في عام 1931 كان 1081 يقطنون في 268 منزلاً عام 1931، وارتفع إلى 1510 قبل عام النكبة بقليل.
ويمضي وليد الخالدي في وصف القرية فيقول: كانت القرية في بقعة مرتفعة ارتفاعًا خفيفًا عن الأرض المحيطة بها، وكانت طريق فرعية تصلها بمدينة اللد وأخرى تؤدي إلى قرية خربة الضهيرة المجاورة.
في عام 1596 كانت جمزو قرية في ناحية الرملة "لواء غزة"، وعدد سكانها 154 نسمة، وكانت تؤدي الضرائب على الغلال "القمح والشعير والفاكهة" إضافة إلى الماعز وخلايا النحل. وحتى عام النكبة كانت تنتج الحمضيات والموز والزيتون . .
القرية الفلسطينية هذه استقطبت اهتمام الرحالة الأوربيين لأنه قيل: إنها مذكورة في التوراة "سفر أخبار الأيام الثاني 18:28 وفي التلمود أيضًا، فزارها المغامر إدورد ربنسن عام 1838 صاحب كتاب "أبحاث توراتية في فلسطين وجبل سيناء والعربية الصخرية" ضمن المشروع "الصليبي" لاحتلال فلسطين وتحويلها إلى "وطن يهودي" ووصفها بأنها أقرب إلى أن تكون بلدة. كان لسكان القرية، وجميعهم من المسلمين مسجد ومدرسة أنشأت في عام 1920، وبلغ عدد تلاميذها 175.
قام الإسرائيليون بعد احتلال القرية بتدميرها بعد طرد سكانها وإجبارهم على الرحيل، وأعلن ذلك على لسان رئيس وزراءه الأول دفيد بن غوريون، وأنشأ بالقرب منها مستعمرة جمزو.
جمزو إذن مثلها مثل أي قرية فلسطينية عادية، تعرضت للدمار، كشقيقاتها، وأهلها، مثل كل شعب فلسطين، تعرض للتهجير القسري، وكلاهما على يد الصهاينة المدعومين من الأنظمة العربية وقتها، ومعظم الدول "العربية" القائمة الآن هي وريثة تلك الأنظمة المتصهينة.
إلى هنا تبدو هذه القرية الفلسطينية عادية، مجرد جملة من جُمل التاريخ الفلسطيني المعاصر المليء بالأحزان والمخضب بالدم، لكن جمزو تتمتع بشيء خاص يميزها من شقيقاتها ظهر إلى العلن عندما احتج ممثلو الكيان الصهيوني على احتواء معرض متحف سبرتُس بمدينة شيكاغو على ثلاث قطع ضمن معرض خاص اسمه "إحداثيات متخيلة/ imagined coordinates" تقرر افتتاحه في تموز هذا العام. من ضمن القطع "الفلسطينية" الثلاثة التي اعترض الصهاينة عليها خريطة لبلدة جمزو رسمها مختارها الأسبق أحمد عيسى إبراهيم تظهر الكيان الصهيوني قوة محتلة!!!.
جد أحمد، إبراهيم كان موظفًا عثمانيًا أوكلت له مهمة تقويم الحصاد تمهيدًا لتقرير مقدار الضرائب، أما عيسى ابنه، ووالد أحمد فقد كان مختار جمزو. وكانت إحدى واجباته في أثناء فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين إحصاء السكان، وكان أحمد يرافق والده في تنقله عبر بيوت البلدة واجتماعه إلى سكانها وعائلاتها. وما ساعد أحمد في معرفة دقائق القرية وسكانها أن والده كان يملك مطحنة للحنطة والشعير، وكانت تستخدم لعصير الزيتون في بعض الأحيان.
إضافة إلى هذه الميزات، دخل إبراهيم، جد أحمد، تاريخ القرية بسبب حادثة في عام 1924 عندما ضرب مدرس القرية أحد التلاميذ غير المنضبطين ما دفع والد الاخير إلى ضرب المدرس، ما قاد في نهاية المطاف إلى قيام إدارة المعارف في القدس إلى إغلاق مدرسة القرية. هذا عنى إجبار أطفال جمزو على الالتحاق بمدارس القرى المجاورة.
ولما لم يكن بمقدور إبراهيم إعادة فتح المدرسة طلب من السلطات المحلية دعمه بشرطي وموظف لفرض ضريبة على كل عائلة لجمع أموال وابتياع قطعة أرض من أملاك الوقف ليبنى عليها مدرسة القرية.

الحياة في جمزو استمرت كما في بقية أنحاء فلسطين المحتلة بريطانيًا والمهددة صهيونيًا وحتى "عربيًا" من نظام ذوو عون في عبر الأردن حتى تاريخ 12/07/1948 عندما أجبر سكانها على مغادرتها ضمن ما يعرف الآن بخطة داني.
بقية "القصة" معروفة. طرد وتهدير ثم هجرة. بعد رحلة شاقة استمرت سنوات طوال وصل ومعه بعض أفراد عائلته في تشرين الأول 1956 إلى الولايات المتحدة حتى تم له لم شمل العائلة في المهجر الإجباري بعد وصوله بإحدى عشر سنة. لأحمد ثمانية أبناء وابنة، ثلاثة منهم أطباء ورابع أستاذ تاريخ ولاثنين آخرين مطعمين وسابعهم محاسب وللثامن شركة خاصة وشقيقتهم كيمياوية.
أحمد لم ينس جمزو وأبناءه أيضًا لم ينسوا قريتهم الوديعة التي حاولت الصهيونية مسحها من الوجود، فأقام بالقرب منها مستعمرة جمزو تيمنًا بالموقع التوراتي-التلمودي، في محاولة لإلغاء ألفي عام من التاريخ ومحاولاً فرض تاريخ وهمي خيالي على فلسطين وأهلها. تمكن الإسرائيليون من احتلال القرية ومن طرد أهلها ودمرت عصاباته في 13/09/1948 قواته مساكن أهلها الذين عاشو فيها ألف ألف قرن. وحاول مسح موقعها الأصلي فأطلق على حديقة أقامها على أنقاض بيوتها ومقابرهم اسم "حديقة مكسيكو" تذكيرًا بأن يهودًا من المكسيك تبرعوا بأموال لزراعة أشجار فوق أطلالها.
حتى ذلك الحين بدا وكأن أمور اغتصاب فلسطين وطرد أهلها تسير "وفق الخطة المرسومة"، لكن المحتل، البعيد و"القريب"، تجاهل العامل الأهم في بقاء ارتباط أهل فلسطين بوطنهم قائمًا وهو الذاكرة التي تتحدى الدهر.
أحمد عيسى إبراهيم لم ينس وطنه وبلدته التي طرد منها، فقام برسم خريطة جمزو (40 * 40 سم) التي أشاعت الرعب في صفوف اال فعمل على منع عرضها في معرض ثانوي في أقصى أقاصي الأرض. أحمد رسم خريطة القرية، كل بيت وكل حاكورة وكل شارع وكل شجرة وكل بئر، واسم كل عائلة سكنت القرية حتى تاريخ الطرد.
بعد أن قرأت عن هذه القصة المثيرة حقًا في مجلة "MiddleEast, 394" اتصلت بكاتبة المقالة السيدة بات مكدنل طوير التي عملت مشكورة على ربطي بالمتحف حيث تعرض الخريطة وبعض الأغراض الأخرى العائدة للسيد أحمد عيسى إبراهيم، كما مكنتني من الاتصال بأحد أبناءه وهو البرفسور محمود إبراهيم الذي زودني مشكورًا بصورة الخريطة وبعض الصور الشخصية الخاصة التي ساعدتني في كتابة هذا المقال الذي اعتمد في بعض جوانبه على مقالة السيدة بات الأصلي. وكان بودي الاتصال بالسيد أحمد عيسى إبراهيم (86 سنة) والحصول على إجابات منه شخصيًا عن تجربته في عام النكبة وفكرة رسم الخريطة، لكن وصعه الصحي لم يمكنه من الرد على أي من أسئلتي.
ثم علمت بوجود خريطة أخرى لمدينة صفد رسمها حميد أمين آغا، وهنا أيضًا أخفقت محاولاتي الاتصال به والحديث معه عن تجربته الفذة هذه.

إننا على ثقة من وجود خرائط أخرى لبلدات فلسطينية دمرها العدو، وإعاد أهلها إعمارها في خلايا اجسادهم وفي مخيلاتهم وعقولهم وأشجانهم، وكم سيكون من الأمور المهمة حقًا نشر كل هذه الخرائط للحفاظ على هذه الذاكرة التي هي اكثر ما يقلق العدو المغتصب.
هل مازال من يتحدث عن بيع الفلسطينيين بلادهم أو توقهم للتوطين!!.

يقول موقع "فلسطين في الذاكرة/ www.palestineremembered.com" تحيط بجمزو أراضي خربة زكريا وخربة القبيبة ودير سلامة والضهيرية ودانيال وعنابة وخروبة ومدينة اللد.
وكتبت دارين طاطور في موقع "ينبوع المنى الثقافي" تقول:
مجزرة "جمزو": 9/7/ 1948م: جمزو قرية عربية فلسطينية تبعد عن مدينة الرملة 5 كم إلى جهة الشرق .. بلغ عدد سكانها 1940 روحًا في عام 1947 م، ومساحتها 50 دونمًا، ومساحة أراضيها "9681" دونماً.
المجزرة : صباح اليوم التاسع من شهر تموز عام 1948م ، تقدمت قوة معادية من لواء " يفتاح " الصهيوني، وانقسمت إلى قسمين أحدهما توجه نحو الجنوب واحتل قرية "عنابة " ثم احتلت قرية "جمزو" بعد ذلك بقليل وطردوا أهلها، وكان القتلة يطلقون النار عليهم وهم هاربون، فاستشهد منهم عشرة أشخاص، فيما يلي أسماء تسعة منهم: حامد عبد النبي الفار، ذياب عبد الحفيظ الشايب، حسن عبد الرحيم الحبش، عبد الله يحيى عبد القادر، عارف حسن الزق، عبد الرحمن أحمد خليل، صبحية أحمد الدبشة، عايشة عبد الرحمن محمد، نزيرة أحمد خليل الدبشة.
وقد عرف عن عبد الرحيم حسن النجار وهو من أبناء "جمزو" أنه كان من المجاهدين الذين قاموا بعدة هجمات على المواقع الصهيونية. وبعد الطرد عام 1948 م سكن قرية "الشونة الشمالية" في الأردن.
وفي 28/5/1965 م أغارت قوة صهيونية في جنح الظلام على قرية الشونة الشمالية وطوقت المنزل الذي يقيم فيه عبد الرحيم النجار، ثم نسفته على من فيه، فأسفر ذلك عن استشهاد ثلاثة من أفراد الأسرة، وجرح الباقون . . وقد دفن الشهداء الثلاثة في مقبرة الكرامة.
وكان محمد عبد القادر سرية وهو من أبناء "جمزو" أيضاً قد تسلل هو وأسرته وسكن مغارة داخل حاكورة له، فعلمت قوات الاحتلال الصهيوني بأمرهم، فطوقت المغارة وأطلق القتلة الرصاص على من فيها فاستشهدوا جميعاً.
....