الناصرة: العنف ضد الطواقم الطبية مرآة لأوضاع المجتمع

الناصرة: العنف ضد الطواقم الطبية مرآة لأوضاع المجتمع
منظر عام لمدينة الناصرة

تسود مدينة الناصرة والبلدات العربية أجواء من الاستياء والقلق في أعقاب استشراء العنف وجرائم القتل، فقد فجعت الناصرة أمس بجريمة قتل مزدوجة سقط فيها شادي خواجا من الناصرة وأحمد غزالين من يافة الناصرة في أعقاب إطلاق النار عليهما من قبل مجرم أو أكثر. 

وتعاني مستشفيات وعيادات المدينة الطبية من تزايد العنف من قبل بعض المرضى أو أقاربهم، ما يعكس حالة المجتمع المتردية والتي تستوجب وضع حلول جذرية وفورية لوقف التدهور الخطير ومنع تكرار الاعتداءات الدامية.

ورغم الجهود المبذولة مِن قِبل إدارات المستشفيات والعيادات الطبية، للحد من ظاهرة العُنف المُمارسة ضد الطواقم الطبية، إلا أنّ العنف لم يتوقف، ويمكن القول أنّ الطواقم الطبيّة تتعرّض بشكلٍ شبه يومي للاعتداءات، سواء من خلال العنف الكلامي أو الجسدي.

وقال مدير المستشفى الإنجليزي في الناصرة، د. فهد حكيم، لـ'عرب 48' إن 'ظاهرة العنف تجاه الأطباء والطواقم الطبية في مستشفيات الناصرة، أو في المستشفيات الحكومية، ومن بينها مستشفيات الناصرة، والذي تعرّض أحد أفراد طواقمها للاعتداءات ولو لمرة في اليوم، بينها تعنيف لفظي أو جسدي، ظاهرة خطيرة تستوجب العمل لاجتثاثها'.

كيف تشرح العنف وأسبابه؟!

د. حكيم: هذه الظاهرة موجودة في المجتمع المحلي وفي العالم أيضًا، ومن الصعب أن نفسِر ظاهرة سيئة، وليس من المفترض أن نشرحها، إذ لا يجب أن تكون أبدًا في حياتنا، لكن طالما أنه أصبح واقعًا فيجب التعامل معه، وإذا نظرنا إلى الطواقم الطبية في المستشفى الإنجليزي مثلاً، فإنّ من يأتي إلى المستشفى، لا يأتي إلى زيارة، إذ يأتي المريض لنيل العلاج ليس أكثر.

الزائر المريض يأتي وفي رأسه توترات بسبب مشاكل صحيّة طبيّة، وبسبب حالته هذه قد يبدو فاقدًا للثقة بنفسه أولا، وهذه المشكلة معروفة، فالمريض يأتي لنيل العلاج، ويعتقد أنه سيحصل خلال دقيقة على العلاج ويأمل أنه بسرعة سيحصل على العلاج، لكنه لا يعرف أنّ الكثيرين مثله ينتظرون الحصول على الأجوبة السريعة في نفس اللحظة.

المريض يتوقع من طبيبه إجابة فورية

ويرى د. حكيم أنّ 'المريض يتوقع إجابة سريعة وإلا فإنّ مزاجه سيتعكر بسرعة، في المقابل فإنّ الطواقم الطبية التي تعمل في الناصرة والمنطقة تعمل تحت ضغط كبير من حيث عدد الأشخاص الذين يصلون المستشفيات، يدخلون غرف الطوارئ والأقسام والعمليات، وطبيعي أن يؤدي هذا الواقع إلى الضغط، فمن ناحية يكون المريض على أعصابه، والمعالِج نفسه في ضغط، فالموضوع بحد ذاته مشحون، وجميع الطواقم تعرف أنّنا نعمل بوضعية مشحونة، بشكلٍ مبدئي، لذلك علينا أولا معرفة كيف نتعامل مع هذه الوضعية، وكيف نحتوي الإنسان الذي جاء ليأخذ العلاج والخدمة، كيف نحتويه في ضعفه ومرضه، ونكون إنسانيين معه؟ وفي نفس الوقت نطلب من الإنسان الذي اختار أن يأتي للحصول على العلاج لدينا، أن يفهم أن الإنسان الآخر هو أيضًا إنسان ولديه طاقات معينة محدودة، ولا يملك أن يجيب عن جميع الأسئلة المطروحة'.

وأضاف: 'أتساءل، هل أنا بحاجة لرجال مسلحين في المستشفى؟ كل هذه التخبطات موجودة، ونحن فعلا بحاجة للأمان، والأمان يبدأ منّا نحنُ، يبدأ بالثقة الموجودة بيني وبين العاملين والطواقم، أن أثق بنفسي ولا أسمح أن أتحدث إلى زميلي أو زميلتي في العمل، ولا أهين أحدا ولا أسمح لأي انسان أن يدخل بهذه الطريقة ويعتدي علي، وأنا أعرف كيف أحتوي المشكلة، هنا يبدأ الأمان الشخصي الخاص بنا، ونحنُ لا نسمح بالاعتداء على المؤسسة التي تحمل تاريخًا وأهدافًا، نحنُ في مستشفى عريق عمره مئات السنين، ويجب علينا كطواقم أن نتعامل مع الآخرين باحترام'.

وأكد د. حكيم 'لا أريد رجال أمن في اللحظة التي كان فيها المريض في وضع سيء، والإنسان الذي قام بحرق الممرضة، قيل أنه غير عاقل، لكننا لا نستطيع تفسير هذه الظاهرة، ولا يُسمح لأي شخص الاعتداء لفظيا أو جسديا، وصولا للقتل، إذ لم يعد هذا العنف عادي، كل هذا لا يُسمح به، فلدينا طواقم أمن تحاول حماية المستشفى بطريقة أدبية، ومنع أناس لا حاجة لأن يكونوا بين الطواقم الطبية، اليوم لدينا مرافق واحد في غرفة الطوارئ، ولسنا بحاجة إلى 15 زائرا في غرفة المريض، إذ يختار أفرادها التواجد للاطمئنان على المريض، كما يرغب المريض بالاطمئنان على صحته، ونحنُ نعطي للمريض حقه في نيل العلاج، ونحتاج لحماية الطواقم، وإذا قدمنا شكاوى للشرطة، عليها أن تقوم بمعالجتها، وعدم إغلاق الملفات فللمواطن أو العامل الحق في الإنصاف'.

احتجاجات في أروقة المستشفى الإنجليزي

وقال رئيس نقابة المستخدمين في المستشفى الإنجليزي، رامي خوري، لـ'عرب 48'، عن ظاهرة العنف داخل المستشفيات، إن 'الواقع في مستشفيات الناصرة، من قبل العمال ومتلقي الخدمات، صعب، وهو جزء من مجتمعنا الذي يشهد العنف في الآونة الأخيرة، وظاهرة العنف المستشرية لها أسبابها السياسيّة والاجتماعيّة، وعلى رأس هذه الآفات آفة الفقر التي يعيشها مجتمعنا في الداخل'.

وأشارَ خوري إلى أنّ '50% من المواطنين العرب تحت خط الفقر، والفقر يولِد الجهل ويخفض من مستوى التعليم والثقافة، والفقر والعنف مرتبطان ببعضهما البعض، إذ أنّ الوضع الاقتصادي الصعب يُسهِم في تعزيز الفقر، وتفشي التمييز العنصري، ويؤدي للضغوطات الموجودة في واقعنا اليومي، كما أنّ بلداتنا وبيوتنا، يمكن وصفها بالغيتوات المصغّرة، فالمسطحات التي يمتلكها المواطنون العرب تشكِل اكتظاظًا، كل هذا يؤدي إلى تفشي ظاهرة العنف وهو أمرٌ نشهده يوميًا، نحنُ لا نتحدث فقط عن العنف الجسدي بل أيضًا عن العنف الكلامي الذي ينتشر بصورة خطيرة'.

وأنهى خوري أن 'جميع هذه الظواهر تُبرِز مدى خطورة الاعتداء على الطواقم الطبية، وها نحنُ نرى يوميًا اعتداءات على مستخدمين، علمًا أنّ موظفي المستشفى الإنجليزي احتجوا على أجواء العنف المتزايدة، خاصةً أنّ بعض ممارسات العنف هي مجرد لحظة غضب، لكنها قد تنتهي بشكل مؤسِف. علينا أن نوجه الاتهام للسلطة والشرطة لأنهما لا تقوما بدور حاسم، ولا تحاربا ظاهرة العنف وفوضى السلاح، وهو السبب الثاني بعد سياسة التمييز العنصري الذي تقوم به الحكومة تجاه المجتمع العربي'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018