72 عاما على النكبة: حملة "حوريڤ" (3/30)

72 عاما على النكبة: حملة "حوريڤ" (3/30)
مدرعات صهيونية في النقب خلال النكبة (أ ب)

(أهدي هذه السلسلة لروح صديقي المرحوم هاشم حمدان، الذي كان له الدور الأكبر في تشجيعي على الاستمرار بكتابتها)

لمتابعة الحلقة الأوّل من "معارك في النقب وسيناء" اضغط/ي هنا، وللحلقة الثانية اضغط/ي هنا.


معارك بئر الثميلة وعوجا الحفير 1948

عندما سقطت التبة 86 بيد الجيش الصهيوني في بداية حملة "حوريڤ"، ولأنّ احتلالها يجعل موقف الجيش المصري حرجًا، بحيث أنّ وحداته شمال التبة ستكون محاصرة، بحيث لن تتمكن من الانسحاب إلى رفح، اتّصل وزير الحربية المصري، محمد حيدر باشا، بقائد القوات المصرية في فلسطين، اللواء فؤاد صادق باشا، مطالبًا إيّاه بالانسحاب فورًا من غزة وقطاعها إلى رفح، حتى لا يحصل للجيش المصري كما حصل له في الفالوجا. لكنّ صادق باشا رفض الأمر، وقرّر أن يستردّ التبة 86، مهما كلّف الثمن.

كان القائد العسكري المصري يعتقد أنّ انسحابه سيؤدي إلى كارثة كبيرة، حيث ستستعمل القوات الصهيونية طريق غزة - رفح لمهاجمة القوات المنسحبة فتقضي عليها. كان اللواء فؤاد صادق باشا مدركًا أنّ اختيار تمركز الجيش المصري في قطاع الساحل هو خطأ كبير؛ فسيضع ضرب جيشه، إذا تطورت معركة التبة 86 (أو غيرها) في غير صالحه، الجيش المصري كله أمام خيارين، أحدهما أسوأ من الآخر، فإمّا الانسحاب عبر البحر، وهذا غير ممكن عمليًا ما يعني القضاء على الجيش المصري، وإما الاستسلام، وهذا يضيع كرامة الدولة والشعب.

ورأى اللّواء فؤاد صادق باشا أنّه كان على الجيش المصري أن يسيطر على طريق بئر السبع - غزة، عوضًا عن طريق رفح - غزة، كما فعل الجنرال ألنبي خلال الحرب العالمية الأولى. ولذلك كان صادق يرى أنّ عدم تحصين بئر السبع، ووضع حامية تضم عددًا قليلًا من الجنود فيها، بحيث أصبحت لقمة سائغة للجيش الصهيوني، كان خطأً إستراتيجيًا، إذ أنّ سقوطها جعلها نقطة انطلاق للوحدات العسكرية الصهيونية في الخطوة الكبيرة التالية، أو بالأحرى، الهجوم الرئيسي لحملة "حوريڤ" على قطاع الجيش المصري في بئر عسلوج - العوجا (عوجا الحفير).

في الجانب الصهيوني، وخلال معارك التبة 86، كان اهتمام وقلق قائد المنطقة الجنوبية ومخطط عملية "حوريڤ"، الجنرال يغئال ألون، مختلفًا للغاية، إذ أن خطته لمهاجمة الجيش المصري كما تناولناها في الحلقة السابقة، كانت تعتمد تقسيمًا معينًا للمشاركين فيها من جنوده، وقد أراد ألون من هذا التقسيم إظهار قوة كتائب "البلماح" وإنجازاتها وتميّزها داخل الجيش الصهيوني، وذلك من أجل تأليب الرأي العام الداخلي، ضد خطوة بن غوريون في السعي إلى حلّ كتائب "البلماح" الثلاث: "يفتاح" و"هنيغيف" و"هاريئيل". حيث أنّ هذا، أي بن غوريون، كان قد أصدر أمرًا في السابع من تشرين أول/أكتوبر 1948، ألغى بموجبه القيادة الخاصة لألوية "البلماح"، وبذلك أصبحت هذه الألوية تابعة بشكل مباشر للقيادة العامة للجيش الصهيوني.

كان ألون يعلم بأن هذه الخطوة هي أول الطريق نحو إلغاء "البلماح" نفسه كتنظيم، وهذا الشيء كان مرفوضًا عليه وبشدة ومعه في هذا الرأي كل قيادة حزب "مبام"، حيث كان الضباط المنتمون إلى هذا الحزب، يشكلون الأغلبية الساحقة لقيادة الجيش الصهيوني. لذلك، وللتأثير على الرأي العام الشعبي الصهيوني، وكخطوة لدرء خطة بن غوريون جعل لواءين من "البلماح"، "هنيغيف" و"هاريئيل"، يقومان بالهجوم المركزي على قطاع العوجا - بئر عسلوج، ومعهما اللواء المدرع "شموني" الذي كان يقوده يتسحاك ساديه، أحد مؤسسي "البلماح" وقائده الأول. كان الهجوم على هذا القطاع للجيش المصري أسهل بما لا يقاس من الهجوم الذي قام به لواء "غولاني" على قطعات الجيش المصري المركزية في منطقة غزة-رفح، وذلك لقوة التحصينات، مقارنةً بتحصينات القوة المصرية في القطاع الشرقي للجيش، أي قطاع بئر عسلوج - عوجا الحفير. هذا من جهة، أمّا من الجهة الأخرى، فإنّ الإنجاز الرئيسي للحملة كلها سيتحقق عند طرد الجيش المصري من الناحية التي تهاجمها كتائب "البلماح" والمقربون منها. هذا الشيء لم يغب عن أعين عدد من جنود وضباط لواء "غولاني" المشاركين في الهجوم على التبة 86، إذ اعتبروا، بل وأعلنوا ذلك جهارًا قبل بدء الهجمة، أن ألون أعدّ "نزهة مليئة بالفرح" لألوية "البلماح"، بينما يريد رميهم في معركة غير متكافئة ستكون وبالًا عليهم.

انطلاق الهجوم الرئيسي لحملة "حوريڤ"

كانت خطة حملة "حوريڤ"، تقضي بأن ينطلق الهجوم الرئيسي عَلى قطاع عوجا الحفير - بير عسلوج، في ساعات بعد ظهر يوم 24 كانون أول/ديسمبر 1948، بينما القوات المصرية منهمكة في صد هجوم لواء "غولاني" على التبة 86. كان على اللواء المدرع "شموني" أن يهاجم عوجا الحفير عن طريق رحيبة ثم الوادي الأبيض، بعد أن يكون تحضّر في نقطة الانطلاق في الخلصة (المدينة النبطية إلوسا). أمّا لواء "هنيغيف" فيقوم بمهاجمة القوات المصرية في المشرفة وبئر الثميلة (تبعد البئر 25 كم جنوب غرب بير عسلوج) الواقعتين إلى الشمال الغربي لعوجا الحفير، فيحتل كل المخافر المصرية في هذه المنطقة ما يجعل بير عسلوج، والتي يوجد فيها العدد الأكبر من الجنود المصريين في هذا القطاع، مكشوفة لهجوم مباشر من الجهة الجنوبية فتصبح لقمة سائغة من أجل احتلالها.

في يوم الانطلاق، سقطت أمطار غزيرة جدًا، ما تسبّب بإغلاق الطرق بسبب السيول. ولذلك تأجل موعد الهجوم بأربع وعشرين ساعة. ورغم أنّ المصريين كانوا قد استردوا التبة 86 قبل الموعد المحدد بيوم كامل حسب الخطة الصّهيونية، ورغم أنّ موعد انطلاق الهجوم الرئيسي تأجل ليوم آخر، إلّا أنّ القيادة العسكرية المصرية ما تزال تعتقد أنّ الهجوم سيستمر في قطاع غزة - رفح، ولذلك لم ترسل أيّة تعزيرات إلى القطاع الشرقي للجيش (عوجا الحفير - بير عسلوج) بل على العكس تمامًا، وكما أراد واضعوا الحملة الصّهيونية، سحبت قوات مصرية من هذا القطاع لصالح تقوية الدفاعات في القطاع الغربي، أي قطاع غزة - رفح. وكما ذكر سابقًا، كان على اللواء "شموني" أن يسلك الطريق الرومانية القديمة التي تمر من الخلصة إلى رحيبة إلى العوجا، وكانت هذه الطريق غير صالحة تمامًا لمرور المركبات، ولذلك قامت وحدات الهندسة بتجهيز الطريق طوال يومي 23 و24 من شهر كانون أول/ديسمبر 1948، وربما كان هذا أحد أسباب تأخير الهجوم.

انطلق اللواء "شموني" بكل كتائبه وبمرافقة كتيبة مشاة من لواء "هاريئيل" من الخلصة في ساعات بعد ظهر يوم 25 كانون أول/ديسمبر، ووصل إلى رحيبة (اليوم هي مدينة "رحوڤوت") عند الساعة 18:00، وهناك تمركز في انتظار الظلام الدامس ليكمل طريقه إلى العوجا.

في نفس اليوم، عند الساعة الثامنة صباحًا، انطلقت سرية من الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" من بئر السبع شرقًا إلى كرنب، ومن ثم إلى تل الرحمة، إلى سبيطة إلى مشرفة، ووصلتها عند الساعة 00:45، واحتلت المخفر على التبة رقم 9 بدون مقاومة، بسبب خلوّه من الجنود المصريين. وهناك، تمركزت السرية وأغلقت الطريق بين الثميلة وعوجا الحفير، من أجل القضاء على أي قوة مصرية منسحبة من هذا الاتجاه، ومن أجل منع أي مفاجأة تأتي من الناحية الشرقية لعوجا الحفير.

انطلقت باقي كتائب لواء "هنيغيف" من الخلصة في ساعات بعد ظهر يوم 25 كانون أول/ديسمبر 1948، باتجاه بئر الثميلة بهدف احتلال المخافر المصرية الموجودة هناك. كان على الكتيبة التاسعة المحمولة على عربات أن تقوم باحتلال مجمع الثميلة من جهة العوجا، ولكن قبل ذلك كان على الكتيبة السابعة مشاة معززة بسرية الكوماندو الفرنسي، احتلال مخافر بئر الثميلة والمخفر الغربي لمجمع الثميلة الواقع على التبة رقم 13 (أو تبة الوادي)، ومن ثم تقوم وحدات الهندسة بفتح طريق وادي الثميلة لتمر منه الكتيبة التاسعة بعد إزالة الألغام منه.

أمّا لواء "هاريئيل"، ما عدا الكتيبة المنضمة إلى لواء "شموني"، فكان عليه أن يقوم بسدّ الطريق أمام أي نجدة مصرية تأتي من جهة رفح، بواسطة التمركز على بعد 8 كم جنوب شرقي رفح، وكذلك يقوم قسم من قوة "هاريئيل" بالتمركز على بعد 7 كم غرب العوجا عند بير التلاقي، بحيث تكون العوجا أقرب إليها من المسافة إلى رفح.

الكوماندو الفرنسي يتورّط في معركة حامية الوطيس

وصلت الكتيبة السابعة/"هنيغيف" إلى منطقة الثميلة عند الساعة 22:30، وشنّت هجومًا مفاجئًا على مخافر بئر الثميلة والمخفر رقم 13 في نفس الوقت. وصلت الفصائل الصهيونية المهاجمة عند مخافر بئر الثميلة بدون أن تلحظها القوات المصرية، وخلال فترة قصيرة تم احتلال المخفرين الجنوبيين والقريبين من مؤخرة الجيش المصري، بعد عملية انقضاض سريعة بالأسلحة الخفيفة وقذائف "بيات". حتى الساعة 23:30 تم احتلال باقي مخافر بئر الثميلة الأربعة بعد مقاومة ضعيفة في كل المخافر بسبب عنصر المفاجأة.

أمّا الهجوم على المخفر رقم 13 (أو التبة رقم 13)، فقام بها الكوماندو الفرنسي من الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" (هو الكوماندو نفسه الذي ساهم في احتلال مدينة بئر السبع، وقام بقتل جنود مصريين بعد أسرهم)، والذي انضم إلى الكتيبة السابعة في هذا الهجوم. تكلّل الهجوم بالنجاح بسبب عامل المفاجأة أيضًا، وتم احتلال التبة عند الساعة 23:30. تكبّدت القوة المصرية المتواجدة على التبة خسائر فادحة، وانسحبت بسرعة مخلفة وراءها مدفعا مضادًّا للدبابات عيار 6 أرطال، سيطر عليه الكوماندو الفرنسي، مستعملًا إياه للدفاع عن الموقع الذي احتله.

لم ينتظر الجيش المصري طلوع الفجر، كما جرت العادة في المعارك السابقة، بل سرعان ما شنّ هجومًا مضادًا على مواقع الكوماندو الفرنسي، بعد أن استمر هذا في تقدمه مدفوعًا بنشوة النصر السريع فقام باحتلال التبة رقم 14 بسرعة بسبب ضعف المقاومة عنها. رغم أنّ كل مخافر بئر الثميلة كانت قد وقعت في أيدي القوات الصهيونية، إلا أنّ الهجوم المصري، تركز فقط على قوات الكوماندو الفرنسي، التي أصبحت في موقف صعب وازدادت خسائرها، وصارت تطلب النجدة من باقي القوات، خاصة الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" والتي لم تكن قد وصلت إلى أرض المعركة بعد، بسبب أنّها كانت منهمكة بإزالة حقل ألغام يمنعها من التقدم.

عند الساعة 03:10 من فجر يوم 26 كانون أول/ديسمبر 1948، انطلقت سرية وفصيلة من قوات الكتيبة السابعة/"هنيغيف"، التي احتلت مخافر بئر الثميلة، نحو التبة رقم 13 في محاولة لإنقاذ الموقف الخطير للكوماندو الفرنسي، الذي كان على وشك الانسحاب من مواقعه، ولكنَّ ذلك لم يخفّف من شدة الهجوم المصري بل على العكس، إذ ازداد الهجوم قوة كلما اقترب الصّباح، وحتى الساعة 05:40 كان الجيش المصري ينفّذ محاولته الخامسة لاسترداد التبة رقم 13، حيث أنّ أربع هجمات سابقة كانت قد صدت من قبل جنود الكوماندو الفرنسي، وقد كتب للهجمة الخامسة النجاح، حيث قام الكوماندو الفرنسي بالانسحاب من مواقعه، عند الساعة 06:30 صباحًا، تاركًا قتلاه وجرحاه خلفه، بعد أن أصيب وجرح أكثر من نصف عدد أفراده.

سقوط كل مخافر الثميلة

لاحق الجنود المصريون قوات الكوماندو الفرنسي المنسحبة، في محاولة للقضاء على من تبقى منها. في نفس هذا الوقت، تمكنت الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" من عبور حقل الألغام والانضمام إلى المعركة. كانت هذه الكتيبة مكونة من أربعة طواقم مدفع رشاش من نوع "بزة"، وأربعة طواقم مدفع هاون عيار 81 مم، وفصيلتي أنصاف مجنزرة مع سبع مركبات من هذا النوع، وفصيلة مشاة، وسرية مدرعة تضم ثلاث فصائل مع 10 مصفحات، وفصيلة مدفع مضاد للدبابات عيار 6 أرطال، وسرية سيارات جيب.

نفّذت هذه القوة هجوما مضادا سريعا ضدّ القوة المصرية التي استردت التبة 13 كما هاجمت باقي التباب، بحيث تتقدم السرية المدرعة نحو التبة رقم 13، وتتقدم أنصاف المجنزرات للهجوم على التبة رقم 14، وسرية سيارات الجيب إلى التبة رقم 15، وباقي القوة تتقدم لاحتلال التبة رقم 17. عندما رأى المشاة المصريون قوة الهجوم المضاد، انسحبوا على عجل، وبدأ المدفعية المصرية المضادة للدبابات، ومدفعية الهاون بقصف المدرعات الصهيونية المتقدمة، ولكن ذلك لم يمنع المدرعات من اعتلاء التبة رقم 13 واحتلالها عند الساعة 06:50.

أمّا سرية أنصاف المجنزرات، فهجمت على التبّة رقم 14، مستخدمة قوة نارية كبيرة، وخرج منها الجنود وألقوا القنابل اليدوية على الجنود المصريين في خنادقهم، فانسحب هؤلاء على عجل، تاركين وراءهم كامل أسلحتهم وذخيرتهم. وكذلك تم احتلال المخفرين المتبقيين حتى الساعة 07:45.

بعد احتلال مخافر الثميلة، عاد جنود الكوماندو الفرنسي إلى التبة 13، وشنّوا عملية انتقامية ضد الجنود الأسرى المصريين، إذ قتلوا 15 أسيرًا (كما فعلوا في بئر السبع) مستعملين السلاح الأبيض.

قبل ساعات الظهر، حاول الجيش المصري شنَّ هجومين مضادّين، أحدهما كان قادمًا من عوجا الحفير، ولكن القوات المشاركة فيه انسحبت بعد معركة قصيرة ضد القوة الصهيونية التي تمركزت في مشرفة. أمّا الهجوم الثاني فكان قادمًا من المخفر رقم 10 والذي يقع إلى الشمال الشرقي لمشرفة، باتجاه المخفر رقم 13، ولكن هذه القوة أيضًا انسحبت بعد معركة قصيرة ضد المدرعات الصهيونية التي كانت قد تمركزت عند تباب الثميلة.

اللواء "شموني" يشنّ هجومه على العوجا

قلنا إنّ قوات اللواء "شموني" كانت قد وصلت رحيبة عند الساعة 18:00 من مساء يوم 25 كانون أول/ديسمبر. عند هبوط الظلام استمرت قوات اللواء في تقدمها حتى وصلت إلى منطقة مخافر العوجا قبل منتصف نهار اليوم التالي، بسبب ظروف الطريق الصعبة، حيث لاقت وحدات الهندسة صعوبات كبيرة في تحضير الطريق لمرور العربات المصفحة وسيارات الجيب عليها. كان على الكتيبة الثانية/"شموني" وسرية مشاة من الكتيبة الخامسة/ "هاريئيل"، احتلال مخافر العوجا، ومن ثم تتقدم القوة الرئيسية، والمكونة من باقي سرايا الكتيبة الثانية /"شموني"، باتجاه العوجا نفسها وتقوم باحتلالها. بعدها تتقدم الكتيبة التاسعة/"شموني" وتقطع الحدود المصرية نحو أبو عويقيلة في سيناء وتقوم باحتلالها. كانت القوات المصرية في العوجا ومخافرها متمركزة بحيث تكون مدينة بئر السبع من أمامها، لظنها أنّ أيّ هجوم عليها سيأتي من هذه الناحية، ولذلك كانت الخطة الصهيونية تقضي بمهاجمتها من الخلف، وذلك لتسهيل مهمة احتلال القرية وكل ثكنات الجيش المصري في المنطقة.

عند الساعة 12:00 ظهرًا من يوم 26 كانون أول/ديسمبر 1948، بدأت الكتيبة الثانية/"شموني" في التّوجه جنوبًا عبر وادي العوجا، وهنا أيضًا واجهت الكتيبة صعوبات في الطريق، حيث وصلت إلى هدفها الأول في ساعات العصر. كان الهدف هو المخفر رقم 3، الواقع إلى الغرب من عوجا الحفير، وحتى ساعات المساء تم احتلاله بعد مهاجمته بواسطة سرية مشاة محمولة على أنصاف المجنزرات والدبابات، كان الدفاع قويًا من القوة المصرية لكونها كانت تتوقع هذا الهجوم، حيث كانت الطائرات الصهيونية قد قامت منذ صباح يوم 26 كانون أول/ديسمبر، بشنّ هجمات على العوجا للتحضير للهجوم البري. في الساعة 04:25 قامت طائرة "پايپر" بإسقاط 9 قذائف حارقة على القوات المصرية، وفي الساعة 05:10 أسقطت طائرة من نوع "بوپايتر" 4 قذائف بوزن 100 كغم كل واحدة. وتبعتها أربع طائرات من نوع "هارڤارد" وطائرتان من نوع "سبيتفاير" عند الساعة 07:05، وكل واحدة ألقت حمولتها المكونة من ثمانية قذائف بوزن 50 كغم لكل واحدة. كان للهجمات الجوية تأثير معنوي سيّئ على الجنود المصريين أكثر سوءًا من تأثيرها التدميري، ولكنها كانت تشكل تحذيرًا للجيش المصري بإمكانية استهداف منطقة العوجا في الساعات القريبة، ولذلك تحضرت القوات المصرية للدفاع عن مواقعها الموجودة في المنطقة.

تعثر الهجوم الأول على العوجا

تحرك فصيل مدرّع من الكتيبة الثانية/"شموني" لإغلاق المفرق المؤدي إلى العوجا، ولكنه تعرض لنيران مصرية مضادة للدبابات، ما أدّى إلى إعطاب مدرعتين. عندها تقرر أن تتدخل قوة مشاة محمولة على مدرعات من الكتيبة التاسعة/"شموني" بالمعركة، رغم أنّ هذه الكتيبة كان عليها الانتظار حتى احتلال العوجا ومن ثم تنطلق إلى سيناء، ولكنّ تعثّر الهجوم أدى إلى تحركها نحو تل عوجا الحفير لاحتلاله، وكان هذا يعتبر المخفر الأساسي بين المخافر المصرية في قرية العوجا.

تحرّكت القوة من الكتيبة التاسعة/"شموني" بسرعة في شارع القرية الرئيسي بهدف توجيه ضربة مباغتة، ولكن هذا الاندفاع أدّى بها لتعرّضها لقصف من مدفع مصري مضاد للدبابات وقذائف مدافع "البيات"، التي انطلقت من المخافر المصرية المتواجدة على جانبي الطريق، فأصيبت نصف مجنزرتين وقتل قائد القوة، فارتدت على أعقابها بعد هذه المفاجأة حتى لا تتعرض إلى المزيد من الخسائر ما سيعرض فكرة احتلال العوجا إلى الخطر.

في خضمّ المعركة، تقدمت قوة مصرية مدرعة من جهة رفح، وتخطت قوة لواء "هاريئيل" التي أغلقت الطريق على بعد 8 كم من رفح، وتقدمت حتى أصبحت على بعد 300 م عن الحاجز القريب من العوجا، واشتبكت مع قوة "هاريئيل" ومع مدرعات من الكتيبة الثانية والتاسعة/"شموني"، ما أدّى إلى إعطاب مدرّعة من الكتيبة الثانية ونصف مجنزرة من الكتيبة التاسعة. ولكنّ المدافع الصهيونية المضادة للدبابات عيار 6 أرطال، تمكّنت من إصابة عدة مدرعات مصرية، فأعطب أربعًا منها بشكل كامل، ما أدّى إلى انسحاب القوة المصرية وذلك لأنها كانت تسير على طريق ضيقة، لا تكفي لمرور أكثر من مدرعة واحدة، ولمّا أصيبت المدرعات الثلاثة الأولى، لم يعد بإمكان القوة المصرية أن تتقدم، فعادت على أعقابها لتختفي في الظلام فيسلم القسم الأكبر منها.

بعد هذه المعركة، قرّرت القوة الصهيونية إيقاف الهجوم على العوجا، بسبب الخسائر الفادحة التي تلقتها خلال هذا اليوم، والتحضير لهجوم حاسم في اليوم التالي. تجمّعت قوات اللواء "شموني" في الوادي الأبيض، بحيث تكون جاهزة للدفاع أمام أي هجوم مصري مضاد، ولكن هذا لم يأتِ، لأنّ الجيش المصري لم يكن مدربًا على الهجمات الليلية، ولو أن ذلك حصل لربما تغير وجه المعركة، حيث أنّ القوات الصهيونية كانت على درجة كبيرة من الإرهاق، بسبب المسيرة الشاقة حتى الوصول إلى العوجا، ومن ثم المعارك القاسية التي واجهتها منذ وصولها إلى المكان.

أصدر قائد المنطقة الجنوبية للجيش الصهيوني، يغئال ألون، والذي أتى بنفسه إلى أرض المعركة ليطلع على مجرياتها عن قرب، أوامره الحازمة لقائد اللواء "شموني"، يتسحاك ساديه، باحتلال العوجا مهما كلّف الثمن خلال يوم واحد لا أكثر، وذلك خوفًا من قدوم نجدة مصرية من أبو عويقيلة فيتسبب ذلك في تعقيد الأمر وتؤدي إلى تغيير في موازين القوى، أو ربما ستؤدي، هذه النجدة، إذا أتت، إلى إعاقة الحملة أكثر من ذلك، وهذا من شأنه أن يمنع استمرارها وتنفيذ باقي خططها، بسبب قرار ممكن أن يصدره مجلس الأمن مطالبًا بوقف إطلاق النار.

سقوط سريع لقطاع بير عسلوج - عوجا الحفير

قرّر يغئال ألون دعمَ القوات المشاركة في الهجوم على العوجا، ولذلك أصدر أوامره للكتيبة التاسعة من لواء "هنيغيف"، بالتحرك فورًا من منطقة الثميلة إلى المشرفة، ومهاجمة المخافر المصرية الواقعة جنوب غرب مجمع الثميلة، والمعروفة بالتبة رقم 10. وبعد احتلالها، تقوم بالمشاركة في الهجوم على عوجا الحفير في ساعات الصباح. كذلك أعطى أوامره لسرية من لواء "هاريئيل" بالقدوم من جبال القدس إلى منطقة العوجا، لتصبح احتياطًا للقوات المشاركة في الهجوم على عوجا الحفير.

اختارت الكتيبة التاسعة من لواء "هنيغيف" طريقًا صحراويًا يمر بالسبيطة باتّجاه مشرفة، وكان الهدف من اختيار هذه الطريق هو مفاجأة القوة المصرية المتمركزة على التبة رقم 10. وصلت الكتيبة الصهيونية إلى موقع الهجوم في الصباح الباكر، واختار قائدها تنفيذ الهجوم عند الظهر، ولكن القوة المصرية التي أصبحت محاصرة بسبب احتلال مخافر الثميلة والتي تقع أمامها، واحتلال مخفر المشرفة والذي يقع خلفها، قررت الانسحاب من مواقعها خوفًا من محاصرتها ومن ثم القضاء عليها، في حالة بدء الهجوم وحاولت الانضمام إلى القوات المتمركزة في العوجا. بعد انسحاب القوة المصرية، أصبحت الطريق إلى العوجا مفتوحة أمام قوة "هنيغيف"، ولكنها لم تشارك في الهجوم على القرية، حيث لم تكن هناك حاجة لذلك، بسبب أن اللواء "شموني" نجح في تحقيق مأربه في احتلال العوجا.

في الصباح الباكر، جدّد اللواء "شموني" هجومه على عوجا الحفير بواسطة الكتيبة الثانية، وسرية مشاة محمولة على مدرعات من الكتيبة التاسعة. تحت غطاء مدافع الدبابات. وبعد قصف مدفعي مركّز، تقدمت السرية المدرعة محمولة على أنصاف المجنزرات، وترجل جنودها من المدرعات لما وصلوا إلى هدفهم الأول، وتقدموا إلى داخل القرية نفسها فاحتلوا التبة رقم 4، ومن ثم تقدموا ببطء في شوارع القرية، بينما قامت الدبابات بالهجوم على مخفر تل العوجا، وكان هذا يعد المخفر المركزي للقرية.

تمكّنت القوات المصرية من صد الهجمة الأولى، بفعل نيرانها القوية وبفضل المساعدة التي قدمها سلاح الجو المصري، ولكن الهجوم الثاني نجح في اختراق الخطوط المصرية، حيث بدأت القوة المدرعة في احتلال بيوت القرية. أمّا الدبابات فصعدت إلى تل العوجا وتمكنت من احتلاله عند الساعة التاسعة صباحًا من يوم 27 كانون ثانٍ/ديسمبر 1948. كانت النجدات المصرية التي أُرسلت من العريش قد اعترضت عن طريق قوات "هاريئيل" التي أغلقت طريق رفح - العوجا، فلم تتمكن من الوصول إلى أرض المعركة رغم كل النداءات التي وجهت إلى القيادة المصرية في منطقة غزة - رفح.

عندما احتدمت معركة العوجا، وعندما أدركت القوات المصرية في بير عسلوج أنّها ستتعرض للهجوم حال سقوط قرية العوجا، صدرت الأوامر لهذه القوات بالانسحاب عن طريق المشرفة شمال العوجا، ولكنّ قسمًا منها تعرض لهجمات من قبل الكتيبة التاسعة/"هنيغيف"، ما كبّد القوات المصرية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فسلكت هذه القوات طرقًا شتى لئلا تعترضها القوات الصهيونية، إلا أن ذلك لم ينجح في الكثير من الأحيان.

بسقوط العوجا وبئر عسلوج، تمت السيطرة الكاملة للقوات الصهيونية على النقب، وأصبحت الطريق مفتوحة لهذه القوات لدخول سيناء، كما كان مقررًا وفقًا لخطة حملة "حوريڤ". أمّا الجنود المصريون فقد دبّ الرعب في قلوبهم، وصاروا يتركون أسلحتهم وسيّاراتهم وهربوا على الأقدام نحو أقرب موقع مصري، ما سهّل مهمة الصهاينة في قنصهم بالطائرات ومحاصرتهم بالمدرعات، وأسر عدد كبير منهم من جنود وضباط وحتى من الرتب الرفيعة، وكان من ضمنهم ضابطان برتبة لواء.

(يتبع)


المصادر:

  1. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود 1947-1952.
  2. يسرائيل زمير، "إطفاء الشمس".
  3. عبد الحفيظ محارب، "هاغاناه، إتسل، ليحي- العلاقات بين التنظيمات الصهيونية المسلحة 1937-1948".
  4. ميخائيل بار-زوهر، "بن غوريون"، الجزء الثاني.
  5. إبراهام أدن (برن)، "حتى العلم المرسوم بالحبر".
  6. عميعاد برزنر، "براعم القوات المدرعة".
  7. موشي غيفعاتي، "في طريق الصحراء والنار، سيرة الكتيبة التاسعة".
  8. نتانائيل لوراخ، "سيرة حرب الاستقلال".
  9. اللواء إبراهيم شكيب، "حرب فلسطين 1948، رؤية مصرية".
  10. وليد خليفة، مترجم، "حرب فلسطين 1947-1949، الرواية الإسرائيلية الرسمية".
  11. آڤي كوهين، "سيرة سلاح الجو في حرب الاستقلال"، المجلد الثالث.
  12. يروحام كوهين، "في وضح النهار والعتمة".